المنبر الاعلامي الحر

كيف فضح تناحر أدوات الاحتلال على حضرموت مشروع الهيمنة على مقدرات اليمن؟

تحولت محافظة حضرموت، الشريان الحيوي لليمن بثرائها النفطي وموقعها الاستراتيجي المطل على بحر العرب، إلى نقطة غليان غير مسبوقة، حيث تلاشت الأوهام والادعاءات ليظهر المشهد على حقيقته: صراع شرس ومكشوف على النفوذ بين أدوات الاحتلال الإماراتي والسعودي. هذه التطورات العسكرية المتسارعة، التي بلغت ذروتها في مدينة سيئون، لم تعد مجرد خلافات تكتيكية، بل كشفت عن الخلفيات الأساسية لمشروع إقليمي يهدف إلى إعادة رسم الخريطة الجيوسياسية للبلاد، وتمزيق نسيجها الوطني، والتحكم المطلق بمقدراتها الاقتصادية، كل ذلك على حساب أمن واستقرار ومستقبل الشعب اليمني.

يمني برس | تقرير

 

ترجمة ميدانية لصفقة إقليمية

بدأت الأحداث تتوالى في صباح الأربعاء، 13 جمادى الآخرة، عندما اندلعت اشتباكات مسلحة ضارية في مدينة سيئون، الحاضرة الإدارية لوادي حضرموت، شكلت هذه الاشتباكات نقطة حسم مريبة، حيث شنت مليشيا المجلس الانتقالي الجنوبي، التي تتلقى الدعم والتوجيه من الإمارات، هجوماً واسع النطاق بالمدفعية والأسلحة المتوسطة على المقر الرئيسي للمنطقة العسكرية الأولى التي تُحسب على مليشيا الإصلاح والموالية لـالسعودية.

الهجوم جاء على هيئة عملية تطويق حاسمة، حيث أكدت المصادر المحلية أن مرتزقة الإمارات حاصروا المقر من جميع الجهات استعداداً لاقتحامه، وفي ظل هذا الضغط، شهدت مليشيا الإصلاح تقهقراً وهرباً لعناصرها، وفي سياق متسارع، لم يلبث اليوم أن ينتهي حتى كانت قوات الانتقالي قد بسطت سيطرتها على مدينة سيئون بالكامل، بما في ذلك مطارها الدولي، والقصر الجمهوري، والبنك المركزي، هذا السقوط السريع والمنظم لآخر معاقل النفوذ السعودي في الوادي، يشير بوضوح إلى أن ما جرى ينمي عن ترجمة ميدانية لـ”صفقة” تم التخطيط لها على مستوى العواصم الإقليمية.

 

الرياض تبيع حليفها وتُثبّت نفوذ أبوظبي

على النقيض من الصورة الدرامية للاشتباكات، تكشفت التفاصيل عن تواطؤ سعودي غير معلن سهّل هذا الانتقال السريع للسيطرة. ففي الوقت الذي كانت فيه سيئون تسقط، وصل وفد أمني وعسكري سعودي رفيع المستوى إلى مدينة المكلا. هذا التزامن كان له دلالاته، حيث اتهمت وسائل إعلام تابعة لمليشيا الإصلاح السعودية بـ”التخلي” عن قواتها وأن زيارة الوفد جاءت تحديداً لـ”تثبيت سيطرة الانتقالي على حضرموت”.

في السياق، كشف الخبير السعودي سعد العمري كواليس ما جرى، واصفاً إياه بـ”الاستلام والتسليم” الذي تم بين المنطقة العسكرية الأولى و”درع الوطن” والفصائل الإماراتية، مؤكداً أنه تم “بهدوء ودون سفك دماء”. وتضمنت الترتيبات السعودية، وصول وفد قام بتفكيك ألوية المنطقة الأولى وإحلال قرابة 12 لواء من “درع الوطن” كبديل، مع إجلاء المقاتلين الذين ينتمون إلى شمال اليمن إلى مأرب. هذا الإجراء التحليلي العميق يوضح أن السعودية لم تخسر المعركة بل كانت شريكاً في هندسة المشهد الجديد، هدفها الأساسي إزالة أي نفوذ غير موالٍ لها بشكل مباشر، وتسهيل عملية التمكين الإماراتي في إطار اتفاق أوسع لتقاسم النفوذ على الثروة والجغرافيا.

 

تحويل الثروة إلى سلاح هيمنة

إن أبرز ما يكشف الأجندة الحقيقية لقوى العدوان الإقليمي هو التأثير الكارثي للصراع على القطاع الاقتصادي والخدمي للمحافظة. فقد شهدت المنطقة توقفاً كاملاً لعمليات الإنتاج والتكرير في شركة بترومسيلة النفطية، وتحديداً في القطاع 14، بسبب التدهور الأمني ومحاولات الاقتحام من قبل المليشيات المتناحرة. هذا التوقف تحول إلى أزمة إنسانية وخدمية خانقة، حيث أعلنت المؤسسة العامة للكهرباء في وادي حضرموت عن خروج منظومة الكهرباء تدريجياً عن الخدمة نتيجة توقف عمل المحطات الغازية التي يغذيها القطاع النفطي.

لقد تحول المواطن الحضرمي إلى الضحية الأولى لـ”سياسة التجويع والإذلال”. ففي الوقت الذي تُستنزف فيه ثروات المحافظة، يغرق الأهالي في الظلام الدامس بسبب تحويل منابع الثروة إلى ساحة تصادم على النفوذ. هذا المشهد يوضح أن هدف القوى الإقليمية، التي تسعى للهيمنة، ليس جلب الاستقرار بل إبقاء المنطقة في حالة فوضى منظمة تضمن لها استمرار نهب الثروات، كما أكد موقع “الوحدة نيوز” الذي أشار إلى أن حكومة المرتزقة تتقاعس عن القيام بأي دور في ظل هذا التوتر.

 

إرادة حضرمية ترفض الوصاية

في خضم الترتيبات الإقليمية لتقاسم الكعكة، برزت مقاومة وطنية تعكس إرادة أبناء حضرموت في الحفاظ على سيادة أرضهم. قاد الشيخ عمرو بن حبريش، رئيس حلف قبائل حضرموت، هذه الجبهة الرافضة، حيث اندلعت مواجهات عنيفة بين قواته وبين مليشيا الانتقالي في منطقتي حكمة وكوه، بالتزامن مع توجيه بن حبريش نداءً قوياً إلى كافة قبائل وأهالي حضرموت للالتحاق بـ”المقاومة الحضرمية”، معلناً عن انطلاق “ثورة” ضد تقدم قوات الاحتلال.

ويُشدد حلف القبائل على أن أي تمركز لقوات وافدة من خارج المحافظة يُعد “احتلالًا” سيتم التعامل معه بالقوة، مؤكدين أن المحافظة تواجه محاولة واضحة للسيطرة على مواردها. هذه التحركات، التي ترافقت مع تحذيرات من محافظ حضرموت لقمان باراس الذي أكد أن ما يحدث يخدم “أجندات خارجية” ويهدف إلى إشعال التوتر بين القبائل للتحكم بقرارها، تمثل الجانب المضيء في السردية، إذ تؤكد أن الأرض الحضرمية لن تكون ملعباً لمشاريع الهيمنة الخارجية.

 

حضرموت على مفترق طرق خطير

يكشف هذا التناحر الميداني عن أهداف جيوسياسية عميقة تخدم المشروع الصهيو-أمريكي في المنطقة. فكما أشارت صحيفة واشنطن بوست، فإن حضرموت قد تحولت إلى “محمية إماراتية”، وأن سلوك الإمارات والسعودية يهدد السياسة الأمريكية نفسها، ويؤكد أن اليمن لم يعد دولة واحدة بل “دويلات متصارعة”.

ويرى الدكتور فؤاد البداي، أستاذ العلوم السياسية، أن صمت ما يُسمى “الشرعية” يكشف أنها لم تعد تملك زمام المبادرة، وأن أجندة الإمارات باتت واضحة تمامًا وقائمة على إعادة رسم الجغرافيا السياسية وتفكيك بنى الدولة والمجتمع اليمني لتعزيز مصالحها الضيقة في السواحل والجزر. وتتفق رؤية زكريا الشرعبي، الباحث في الشؤون العسكرية، مع هذا الطرح، مؤكداً أن حضرموت تحولت إلى ساحة صراع بين أطماع الرياض القديمة المتجددة بالوصول إلى بحر العرب وأطماع أبوظبي بالجزر والسواحل والموانئ.

في الختام، يظل المشهد في حضرموت مفتوحاً على سيناريوهين محكومين بالفوضى: إما “تسوية مفروضة من الخارج” تثبت هيمنة أدوات العدوان على القرار والثروات، أو “انفجار شامل” بين وكلاء الأطراف الخارجية، يستنزف الأرض والإنسان. وفي جميع الأحوال، يظل الشعب اليمني هو من يدفع الثمن. وفي سياق داعم لإرادة الصمود، أشار محمد البخيتي، عضو المكتب السياسي لأنصار الله، إلى أن قضية اليمنيين الحقيقية التي ينبغي الالتفاف حولها هي استعادة سيادة واستقلال اليمن، محذراً من الانجرار إلى “معارك عبثية مُكلفة” تنتهي باتفاق ثنائي بين الرياض وأبوظبي لتقاسم النفوذ.

إن صمود حضرموت هو رسالة لكل اليمنيين بأن الأرض والشعب خط أحمر، وأن إرادة الشعب ستظل سداً منيعاً أمام أطماع العدوان ووكلائه، مهما بلغت التضحيات.

 

ولادة متعثرة في ظل التناحر
يمثل ظهور وتوظيف قوات ما يسمى بـ”درع الوطن” في سياق الأحداث المتسارعة في حضرموت، فصلاً جديداً ومثيراً للجدل في استراتيجية الاحتلال السعودي لإعادة ترتيب أوراق نفوذه الممزقة في اليمن. فبعد الانهيار السريع لمليشيا الإصلاح أمام تقدم أدوات الإمارات في وادي حضرموت، برزت “درع الوطن” كـ”حصان طروادة” سعودي، يُراد له أن يكون البديل الجديد والطرف الذي يُمكن الوثوق به لإدارة مناطق النفوذ المشتركة. لكن التحليل العميق يكشف أن هذه القوة الوليدة تقف اليوم أمام تحديات وجودية وعملياتية قد تجعلها أداة محاصرة ومستنزفة في صراع الأجندات الإقليمية.

لاسيما وأن الخلفية الأساسية لتشكيل “درع الوطن” لا تنفصل عن الرغبة السعودية في التخلص من التبعات السياسية والإعلامية المرتبطة بمليشيا الإصلاح (المنطقة العسكرية الأولى) وإحلال قوة أكثر ولاءً لها مباشرة. جاء هذا التشكيل في وقت يتصاعد فيه التوتر مع الإمارات ووكيلها الانتقالي، مما استدعى وجود قوة عسكرية تمثل “خط دفاع” عن المصالح السعودية، خاصة في المناطق الحدودية والنفطية.

في سياق سقوط سيئون، كشف الخبير السعودي سعد العمري عن أن ما جرى كان عملية “استلام وتسليم” منظمة، تضمنت تفكيك ألوية المنطقة العسكرية الأولى وإحلال قرابة 12 لواء من “درع الوطن” سريعاً كبديل. هذا الإحلال الدراماتيكي يؤكد أن الرياض وضعت ثقلها على هذه القوات، ليس لقتال الانتقالي، بل لملء الفراغ الأمني الذي نجم عن انسحاب مليشيا الإصلاح التي تم إجلاؤها إلى مأرب، وتثبيت موطئ قدم سعودي جديد في الوادي والصحراء النفطية، بالتوازي مع التمدد الإماراتي في إطار صفقة تقاسم النفوذ.

 

بين فكي كماشة النفوذ الإقليمي
تواجه “درع الوطن” ثلاثة تحديات وجودية تُهدد بتقويض دورها المرسوم في المستقبل. يكمن التحدي الأكبر لـ”درع الوطن” في أنها أصبحت جزءاً من ثنائية نفوذ غير معلنة في حضرموت، حيث تقف في مواجهة غير مباشرة مع مليشيا الانتقالي المدعومة إماراتياً، والتي نجحت في السيطرة على العاصمة الإدارية (سيئون) والمرافق الحيوية.

أما عن دورها في التوازن الهش، فتبقى مهمة “درع الوطن” تتمثل في تحقيق “احتواء صارم” للنفوذ الإماراتي في الوادي، والتحرك بمنطق “التحول الجذري” لخدمة المصالح السعودية المباشرة في العمق الجغرافي والحدودي، على عكس نهج الإمارات الذي يعتمد على الاقتصاد والسيطرة على السواحل والموانئ، كما أوضح تحليل “الوحدة نيوز”.

كما تكمن الخطورة في أن “درع الوطن” قد تجد نفسها وقوداً لصراع قد ينتهي في أي لحظة باتفاق ثنائي بين الرياض وأبوظبي لتقاسم الكعكة، كما حذر محمد البخيتي عضو المكتب السياسي لانصار الله من أن أي اتفاق مفاجئ قد يقلب المشهد رأساً على عقب، تاركاً أدوات الطرفين تحت رحمة التفاهمات الإقليمية.

وتعتبر هذه القوات، شأنها شأن أي فصيل مُشكل بدعم خارجي، أداة احتلال تعمل على خدمة مصالح الرياض، ولا تحظى بشرعية المقاومة المحلية التي يقودها حلف قبائل حضرموت بقيادة الشيخ عمرو بن حبريش، وهو الحلف الذي يؤكد أن أي تمركز لقوات خارجية يُعد “احتلالًا” سيتم التعامل معه بالقوة، مما يعني أن “درع الوطن” ستواجه، عاجلاً أم آجلاً، حالة من الصدام مع الإرادة الشعبية الرافضة للوصاية. هذا الصدام يفرض على هذه القوات مواجهة جبهتين: أطماع الإمارات، ومقاومة أبناء حضرموت الذين يرفضون تحويل أرضهم إلى ملعب لمشاريع الهيمنة.

إذن، فإن الدور المرسوم لـ”درع الوطن” هو تنفيذ أجندة الرياض دون أي هامش للمبادرة الذاتية. هذا يجعلها قوة عسكرية تفتقر إلى العمق السياسي، وتتحرك ضمن منطق الاحتواء الإقليمي، بعيدة عن الهدف الوطني الأسمى المتمثل في استعادة سيادة واستقلال اليمن، كما أكد البخيتي.

نحو الاستنزاف أو الذوبان
مستقبل مشروع مايسمى “درع الوطن” يبدو محفوفاً بالمخاطر، ومرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بمدى استمرارية التفاهمات السعودية-الإماراتية الهشة. هناك سيناريوهان محتملان لمصير هذه القوات في ظل التناحر القائم، وتحديداً حيث يمكن أن تتحول “درع الوطن” إلى قوة استنزاف تُستخدم لحماية المصالح النفطية ومناطق الحدود السعودية، مما يُبقيها في حالة توتر دائم مع أدوات الإمارات والمقاومة المحلية، لتصبح أداة مُستنزفة في خدمة أطماع الرياض، بينما يغرق اليمن في مزيد من الفوضى.

أما في حال تم التوصل إلى “تسوية مفروضة من الخارج”، فإن “درع الوطن” قد تُدمج أو تُقسَّم بين النفوذين، لتصبح مجرد تفصيل عسكري ضمن خريطة التقسيم الجديدة التي ترسمها القوى الإقليمية، التي تهدف إلى تفكيك بنى الدولة والمجتمع اليمني نفسه لخدمة مصالحها، كما أوضح الدكتور فؤاد البداي.

وفي كلتا الحالتين، فإن وجود هذه القوة يؤكد أن “التحالف” الذي أتى تحت مسمى “استعادة الدولة”، أصبح هو نفسه أكبر عامل في تآكلها، ويفتقر إلى مشروع واضح يحفظ اليمن من مزيد من الانقسام. إن مصير “درع الوطن” سيكون دليلاً جديداً على أن الاحتلال لا يجلب الاستقرار، وأن مشاريع الوصاية الخارجية محكوم عليها بالفشل أمام الإرادة الوطنية التي تطالب بتحرير اليمن من صعدة إلى المهرة.

 

Comments are closed.