المنبر الاعلامي الحر

العدوان على فنزويلا بين عقيدة مونرو والتحول العالمي

يمني برس – أنس القاضي

ما يجري في فنزويلا من عدوان أمريكي وقح، يعد تعبيرًا مكثفًا عن لحظة دولية انتقالية تُختبر فيها حدود القدرة الأميركية في عالم يتجه- ببطء واضطراب- نحو التعددية القطبية؛ فالعدوان الأخير على كراكاس، حين يُقرأ في ضوء استراتيجية الأمن القومي الأميركي (ديسمبر2025)، وعقيدة مونرو بصيغتها الجديدة، والاقتصاد السياسي للطاقة والعقوبات، يكشف عن قدرة أمريكية عالية على الإيذاء والتخريب، مقابل تراجع متزايد في القدرة على الاحتلال وإنتاج نظام بديل مستقر.
فنزويلا في الاستراتيجية الأمريكية

تتعامل استراتيجية الأمن القومي الأميركية مع فنزويلا لا بصفتها دولة ذات سيادة، بل عقدة ضمن شبكة تهديدات أوسع في نصف الكرة الغربي؛ إذ يجري إدراج فنزويلا في سياق مواجهة “النفوذ الروسي–الصيني–الإيراني”، وتُعرف عمليًا بوصفها جزءًا من صراع عالمي على النفوذ، لا دولة مستقلة، بهذا المنطق، تطوى السيادة الوطنية الفنزويلية من المنظور الأمريكي، وتُقدَّم العقوبات والضغط السياسي بوصفها أدوات “طبيعية” للدفاع عن الأمن القومي الأميركي.

عقيدة “مونرو” في نسختها الأحدث

على رغم غياب الإشارة الصريحة إلى عقيدة مونرو في الوثيقة الأميركية، فإن روحها حاضرة بقوة؛ فالتأكيد المتكرر على منع القوى الخارجية من ترسيخ نفوذها في أميركا اللاتينية، وإعادة تعريف المنطقة مجال أمن قومي مباشر، يعيدان إنتاج المنطق ذاته: نصف الكرة الغربي مجال نفوذ حصري، غير أن استدعاء هذا المنطق اليوم يجري في سياق مغاير لما كان عليه الحال حين طرح في القرن التاسع عشر؛ فالولايات المتحدة اليوم لا تتوسع خارج حدودها كإمبراطورية، بل تنحسر وتحاول تحصين مجالها الحيوي المباشر، ودول أمريكا اللاتينية اليوم لم تعد مستعمرات أوربية، بل دولًا مستقلة معترف بها دوليًا، ما يجعل العدوان عليها وإعادتها للحظيرة الأمريكية مكلفًا.

الاقتصاد السياسي للصراع

لا يمكن فصل العدوان الأمريكي عن مسألة الطاقة، ففنزويلا، بما تملكه من احتياطات نفطية هائلة، تُعد موردًا استراتيجيًا لا ترغب واشنطن في تركه خارج منظومة السيطرة الغربية أو ضمن شبكات تعاون مع خصومها، تصريحات ترامب الأخيرة حول نيته في إعادة شركات النفط الأميركية لنهب خيرات كاركاس، تكشف البعد غير المعلن للصراع؛ إذ ينتقل الخطاب من ” مكافحة المخدرات” إلى “جني الربح”!

العقوبات هنا ليست أداة ضغط مؤقتة، بل سياسة ممتدة على مر الزمن، تهدف إلى إعادة تشكيل النظام السياسي الفنزويلي عن طريق الخنق الاقتصادي وتفجير المجتمع، غير أن هذا المسار -حتى الآن- أظهر محدوديته، فالعقوبات قادرة على خلق الضرر، وكان هذا فعلًا، لكنها عاجزة عن إنتاج بديل سياسي مستقر أو إسقاط كسر الدولة كاملة في المدى المنظور، ما لم تحدث تغيرات داخلية مختلفة أو تحولات كبرى في ميزان القوى.

الدولة والمعارضة

على المستوى الداخلي، تكشف التجربة الفنزويلية عن مفارقة أساسية: دولة مأزومة اقتصاديًا لكنها متماسكة مؤسسيًا حتى الآن، في مقابل معارضة تحظى بدعم خارجي واسع لكنها تفتقر- حتى اللحظة- إلى الأدوات التنظيمية والمؤسسية التي تمكّنها من التحول إلى بديل حاكم. الدعم السياسي والإعلامي الغربي لم يترجم إلى سيطرة داخلية أو قدرة على تملك الدولة في لحظة حرجة، وهو وضع يظل مفتوحًا على احتمالات مختلفة إذا ما تغيّرت موازين الدعم أو حدث إرباك داخلي لصالحها.

هذه المفارقة تعكس أحد حدود الاستراتيجية الأميركية: الاعتماد على معارضة خارجية الارتكاز، مقابل دولة ما تزال قادرة على امتصاص الصدمات في المدى المنظور.

التضامن العالمي

المشهد التضامني العالمي الواسع مع فنزويلا لا يغيّر ميزان القوة الصلبة، لكنه يكشف أزمة متنامية في شرعية السلوك الإمبريالي؛ بيانات أحزاب يسارية ونقابات، وتظاهرات في مدن من أميركا اللاتينية وأوروبا وآسيا، والولايات المتحدة نفسها، تشير إلى اتساع دائرة الرفض لسياسات التدخل، ويقرأ هذا التضامن امتدادًا لمسار عالمي بدأ بالتضامن مع فلسطين بعد السابع من أكتوبر2023، وتواصل مع اليمن ولبنان وإيران؛ إذ تتراكم ذاكرة سياسية شعبية رافضة لمنطق العدوان.

أثر هذا العامل يظل محدودًا مؤسسيًا، لكنه يرفع الكلفة السياسية والأخلاقية، ويُضيّق هامش المناورة، ويجعل تسويق العدوان أكثر صعوبة، خصوصًا داخل المجتمعات الغربية.

تراجع الهيمنة لا سقوطها

ما تكشفه الحالة الفنزويلية هو أن العالم لا يعيش فوضى بلا قواعد، ولا نظامًا مستقرًا بقواعده القديمة أو بقواعد جديدة، بل مرحلة تآكل لنظام قديم لم يعد صالحًا، دون تبلور بديل مكتمل؛ فالولايات المتحدة لم تفقد قدرتها على الإكراه، لكنها فقدت قدرتها على إنتاج نظام دولي مستقر-تضمن بواسطته مصالحها- أو أنظمة بديلة مستقرة في الدول المستهدفة.

في المقابل، يشجّع معسكر دول الجنوب العالمي وبريكس- بقيادة الصين وروسيا والهند- الدول على توسيع هامش استقلالها، لكنه لا يوفّر لها حتى الآن مظلة حماية أمنية تحول دون الانتقام الغربي، ما يضع دولًا مثل فنزويلا أمام معادلة صعبة، الدفاع عن السيادة مع تحمّل كلفة الضغوط التي وصلت حد العدوان العسكري.

ترامب وإيران

السؤال عن احتمال انتقال منطق التصعيد إلى إيران سؤال اللحظة، لكن الإجابة غير مكتملة، فمنطق السياسة واحد: عدوان استباقي، ضغط أقصى، إكراه اقتصادي، وحروب غير مباشرة، غير أن نقل هذا المنطق إلى ساحات ذات كلفة أعلى، مثل إيران، يواجه قيودًا أشد: توازنات ردع، تشابك إقليمي، واحتمالات تصعيد لا يمكن التحكم بها بسهولة؛ لذلك، يظل السيناريو الأرجح في المدى المنظور هو تشديد الضغط دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة، ما لم تفرض تطورات مختلفة مسارًا آخر.

الخلاصة
تُظهر فنزويلا بوضوح أنها ليست حالة وطنية معزولة، بل نموذج كاشف لحدود القدرة الإمبريالية الأميركية في لحظة انتقالية يتراجع فيها النظام الدولي القائم من دون أن يتبلور بعدُ بديل مستقر؛ فالسياسات الأميركية- كما تتجلى في أدوات الإكراه الاقتصادي والضغط السياسي واستدعاء منطق المجال الحيوي والعدوان العسكري- ما تزال قادرة على التسبب بالضرر والتخريب، لكنها تواجه صعوبة متزايدة في الاحتلال المباشر وإنتاج نظام موال مستقر، وفي هذا السياق، لا يعود الصراع محصورًا في فنزويلا ذاتها، بل يتجاوزها ليعكس مأزق الهيمنة في عالم يتّسع فيه هامش التمرّد، من دون أن تتوافر بعدُ منظومات حماية جماعية فعّالة لدول الجنوب.

الخاتمة

تتجه التطورات في فنزويلا- في المدى المنظور- نحو استمرار نمط الضغط طويل النفس أكثر من الانتقال إلى الحسم؛ فالعقوبات والعزل والتصعيد الخطابي، مقرونة بملف النفط، مرشّحة للاستمرار كوسائل لإدارة الأزمة، في ظل توازن داخلي هشّ بين دولة قادرة على امتصاص الصدمات حتى الآن، ومعارضة تحظى بدعم خارجي معتبر من دون أن تتحول إلى بديل حاكم فعلي.

وعلى المستوى الأوسع، تعكس هذه الحالة معضلة أعمق تواجه دول الجنوب في المرحلة الراهنة، ومنها إيران واليمن وغيرها؛ فالتراجع النسبي للهيمنة الأميركية لا يعني نهاية العدوان، بل انتقاله إلى أشكال أكثر تعقيدًا وأطول زمنًا، ومن هنا، تصبح معركة هذه الدول مزدوجة: إدارة ضغوط قائمة ومركّبة من جهة، والعمل من جهة أخرى على بناء أنساق بديلة وتحالفات دولية توفّر هامشًا محدودًا للمناورة، بما يسمح—تدريجيًا وفي حدود الممكن—بانتزاع قدر أكبر من السيادة وإعادة التموضع إقليميًا، وهي فرصة قائمة لكنها تظل محفوفة بمخاطر التعرض لردود فعل وانتقام أميركي بأشكال مختلفة.

Comments are closed.