حين يتحول إصلاح القضاء إلى غطاء لاغتيال العدالة
يمني برس | بقلم المحامي / أحمد توفيق جحاف
كثيرًا ما تُرتكب أخطر الانتهاكات لا تحت راية الفوضى، بل تحت لافتة النظام، ولا باسم العدوان، بل باسم الإصلاح.
وحين تُرفع شعارات من قبيل “تطوير القضاء” و“العدالة الناجزة” و“تبسيط الإجراءات”، فإن واجب القانوني لا يكون التصفيق للمصطلح، بل تفكيك مضمونه، ومساءلة النص لا النية المعلنة، ووزن الأثر لا الشعار. فالتشريع لا يُقاس بما يُقال عنه، بل بما يُنتجه، ولا يُدان بالمسميات، بل بالنتائج.
ومن هذا المنطلق، طالعنا – وبأسف بالغ – تعميم هيئة التفتيش القضائي تحت مسمى “آلية تطبيق نص المادة(122/2)”، الذي كان من المفترض أن يكون الحارس الأمين للمبدأ الدستوري وحامي حقوق الدفاع وحياد القضاء، فلم نجد إلا انقلابًا على جوهر العدالة، وإضفاء شرعية زائفة على تقييد وظيفة الدفاع، وتحويل سلطة الحياد إلى أداة تضييق على المحامين، وتعطيل النظر في القضايا، وإلقاء عبء الأخطاء المؤسسية على عاتقهم.
وبالتالي فإنه لا يجوز النظر الى التعديل الوارد على المادة (122/ب) من قانون السلطة القضائية بوصفه إجراءً تنظيميًا عابرًا أو أداة تسريع بريئة، بل ينبغي إخضاعه لفحص قانوني صارم، يضعه في ميزان المبادئ الدستورية المستقرة، ووظيفة القضاء، ودور الدفاع، وحدود السلطة التقديرية، لأن ما يُمس هنا ليس إجراءً، بل بنية العدالة ذاتها.
وتأسيسا على ما تقدم ولبيان حجم الانحراف الذي أحدثه التعميم والتعديل الأخير، يصبح من الضروري فحص أبعاده القانونية والعملية بدقة، وكشف أثره على جوهر العدالة وحقوق الدفاع واستقلال القضاء.
فالتعديل لم يكن مجرد نص عابر، بل هو تدبير تشريعي عشوائي يربك المنظومة العدلية ، ويضع المحامي في مواجهة مباشرة مع القاضي، ويحول الحق في الدفاع إلى مادة للمحاسبة، ويعطل الفصل في القضايا بآليات تعسفية.
ومن هنا ينبثق صلب هذا التحليل، الذي يستعرض مراحل التأثير الخطرة للتعديل، ويحدد أوجه الانتهاك للدستور والقانون، ويكشف كيف أن الإصلاح المعلن سيتحول حتما إلى غطاء لاغتيال العدالة لا اقل ولا اكثر وذلك على النحو التالي:
—
أولًا: اختزال أزمة العدالة في الدفاع وتحميل المحامي إخفاق المنظومة القضائية تحت شعار الإصلاح
لم يأتِ التعديل المتعلق بالمادة (122/ب) في سياق معالجة حقيقية لأسباب بطء التقاضي أو اختلال عمل المحاكم، ولم يُبنَ على تشخيص واقعي لأزمة العدالة بوصفها أزمة مركبة تتداخل فيها عناصر إدارية وتشريعية وبنيوية، بل جاء كحلٍ سهلٍ وخطير في آن واحد، اختزل الإشكال كله في أداء الدفاع، ونقل عبء الإخفاق المؤسسي من المنظومة القضائية إلى المحامي، باعتباره الطرف الأضعف سياسيًا والأسهل استهدافًا تشريعيًا.
فالواقع العملي، الذي لا يحتاج إلى كثير عناء لإثباته، يؤكد أن تأخير الفصل في القضايا لا يرتبط بكثرة الدفوع بقدر ارتباطه بتكدس الملفات، وتعدد الجلسات، وتعقيد الإجراءات، وضعف البنية الإدارية المساندة للعمل القضائي. ومع ذلك، جرى تجاوز هذه الأسباب الجوهرية، والذهاب مباشرة إلى تقييد وظيفة الدفاع، تحت ذريعة مواجهة “الدفوع الكيدية”، في قلبٍ فاضح لمنطق الإصلاح، إذ بدل معالجة أصل الداء، عُوقب أحد أعراض الخصومة الطبيعية.
وبهذا التوجه، لم يعد “إصلاح القضاء” مشروعًا لإعادة التوازن والفاعلية، بل تحوّل إلى غطاء لغوي يُبرّر به نص يُضيّق حق الدفاع، ويُفرغ الخصومة من مضمونها، ويُحمّل المحامي مسؤولية اختلالات لم يكن يومًا سببًا فيها، في مفارقة تشريعية لا تُفسَّر إلا بوصفها هروبًا من مواجهة الخلل الحقيقي، لا سعيًا لإصلاحه.
ما الذي كان يجب فعله
كان الأجدى بالمشرّع أن يبدأ إصلاح القضاء بمعالجة الأسباب الجوهرية لتأخير الفصل في القضايا واختلال منظومة الإجراءات القضائية، لا بمعاقبة الدفاع. فالخطوة الأولى كانت تتطلب إعادة هيكلة الإجراءات الإدارية في المحاكم، تبسيط مسارات التقاضي، وتحديث بنيتها التقنية والتنظيمية بما يضمن سرعة الفصل دون المساس بحقوق الأطراف.
ثانيًا، كان يجب الحفاظ على استقلالية المحامي وحقه في الدفاع الكامل عن موكله، مع وضع آليات واضحة لمحاسبة أي إخلال ضمن نطاق المجالس التأديبية المنصوص عليها قانونًا، بعيدًا عن أي تدخل مباشر للقاضي في العقوبة المهنية، لأن هذه المجالس مصممة لضمان التدرج في العقوبة والرقابة القضائية المشتركة، وهو ما يحمي الحق في الدفاع ويصون مبدأ الحياد.
ثالثًا، كان من المفترض أن يُحصر مفهوم “الدفوع الكيدية” أو أي وصف تشريعي مشابه ضمن تعريف دقيق ومحدد قانونيًا، يشمل آليات إثبات واضحة، ويحظر التأويل الموسع الذي يسمح بتحويل كل دفع قانوني إلى ذريعة لتقييد المحامي، فذلك يضمن ممارسة الدفاع دون خوف أو تهديد، ويبعد الخصومة عن محور القاضي.
وأخيرًا، كان ينبغي أن يُواكب أي تعديل تشريعي تحديثات قانون المرافعات، والإجراءات الجزائية، وقانون الإثبات، بما يعكس الواقع العملي للقضاء، ويُراعي التطورات التقنية، ويحقق التوازن بين سرعة الفصل وحقوق المتقاضين، بدل أن يُختزل الإصلاح في نص يضاعف التعقيد ويضعف العدالة، ويحوّل شعار العدالة الناجزة إلى غطاء لإلغاء الضمانات الأساسية.
ثانيًا: وضع القاضي في موضع الخصم في الدعوى بما يترتب عليه حتما انهيار أحد المبادئ الراسخة للتقاضي المتمثل في حياد القاضي
إن أخطر ما ينطوي عليه هذا التعديل ليس الجزاء في ذاته، بل الموقع الذي يضع فيه القاضي داخل الخصومة، إذ إن تخويله سلطة تقدير “كيدية الدفوع” ومعاقبة المحامي مهنيًا بسببها يُنشئ، بحكم اللزوم، خصومة مباشرة بين منصة الحكم والدفاع.
والمحامي، بحكم وظيفته، لا يترافع عن نفسه، بل عن صاحب الحق، ومن ثم فإن أي إجراء يُتخذ ضده بسبب دفاعه لا ينفصل أثره عن مركز موكله، بما يجعل القاضي – بقراره – طرفًا في النزاع لا حكمًا فيه. وهنا لا نكون أمام مجرد شبهة تمس الحياد، بل أمام انهيار فعلي لمبدأ من أرسخ مبادئ التقاضي، إذ إن الخصومة القائمة توجب التنحي لا التوسع في استعمال السلطة، وتفرض الحياد لا مأسسة الخصومة.
ثالثًا: استخدام مصطلح الدفوع الكيدية كأداة مطاطية لتقييد وظيفة الدفاع وتجريم الاجتهاد القانوني
أما الحديث عن “الدفوع الكيدية” بوصفها مبررًا لهذا التعديل، فيكشف عن اضطراب مفاهيمي لا يمكن تجاهله، ذلك أن الكيدية، من حيث التكييف القانوني، وصف يتصل بسوء استعمال الحق في التقاضي على وجه العموم، ولا ينحصر منطقيًا أو قانونيًا في الدفوع دون غيرها من الدعاوى أو الطلبات أو التظلمات.
وحصر هذا الوصف في الدفوع وحدها لا يُفهم إلا باعتباره توجيهًا مقصودًا نحو وظيفة الدفاع ذاتها، وتحويل الاجتهاد القانوني من واجب مهني إلى مخاطرة تأديبية، بما يُنتج أثرًا عمليًا بالغ الخطورة يتمثل في دفع المحامي إلى الإحجام، لا عن الكيد، بل عن الجدية، وإلى الصمت، لا عن العبث، بل عن الدفاع الحقيقي.
رابعًا: تعميم تنفيذي يتجاوز النص ويحوّل شعار العدالة الناجزة إلى سبب مباشر لتعطيل الفصل في القضايا
ويكتمل المشهد بتعميم صادر عن هيئة التفتيش القضائي، لم يكتفِ بتفسير نص إشكالي، بل أسس لآلية تنفيذية تُفاقم آثاره، إذ إن الطعن في قرار منع المحامي من الترافع يقتضي، عمليًا، رفع ملف الدعوى الأصلي إلى محكمة الاستئناف للفصل في توصيف “الكيدية”، بما يعني وقف نظر القضية وتعليق حقوق الخصوم إلى أجل غير معلوم.
وهكذا، وباسم العدالة الناجزة، تُعطَّل القضايا، وباسم تبسيط الإجراءات، تتعدد المسارات، وباسم الإصلاح، يُشل الفصل في أصل النزاع، في مفارقة لا تحتاج إلى كثير شرح بقدر ما تحتاج إلى قدر من الصدق في التسمية.
خامسًا: من إصلاحٍ مُعلن إلى اغتيالٍ مقنّع… حين يُرفع الشعار وتُقوَّض الحقيقة
إن أخطر ما في هذا التعديل ليس نصه المجرد، بل الفلسفة التي يقف خلفه، فلسفة ترى في الدفاع عبئًا، وفي الخصومة إزعاجًا، وفي الحياد ترفًا يمكن التضحية به باسم السرعة. وهذه فلسفة لا تُنتج عدالة ناجزة، بل تُنتج قضاءً متعجّلًا، وخصومة مختلّة، وثقة عامة آخذة في التآكل.
فالعدالة لا تُقاس بزمن الفصل وحده، بل بسلامة الطريق إليه، ولا تُختصر في عدد الجلسات، بل في احترام الضمانات، ولا تُصان بتكميم الدفاع، بل بحماية توازن الخصومة. وكل إصلاح يبدأ بإضعاف أحد أطراف العدالة، وينتهي بتحميل المجتمع كلفة ذلك، ليس إصلاحًا مهما حسنت نواياه، بل انحرافًا مهما جُمّلت عباراته.
وحين يتحول “إصلاح القضاء” إلى غطاء تُمرَّر تحته نصوص تُقوّض حياد القاضي، وتُجرّم الدفاع، وتُعطّل حقوق المتقاضين عمليًا، فإن الواجب لا يكون الصمت، بل التنبيه، ولا المجاملة، بل المواجهة القانونية الواعية، لأن السكوت هنا لا يعني الحياد، بل المشاركة غير المباشرة في اغتيال العدالة باسمها.
خاتمة: إصلاح مزيف أم اغتيال مقنّع للعدالة؟
وختاما فإن الإصلاح الحقيقي لا يُقاس بالشعارات أو النصوص الجزئية، بل بتحقيق سرعة الفصل مع حماية الضمانات، وضمان حياد القاضي واستقلال المحامي، وصون حقوق المتقاضين.
حين يتحول “إصلاح القضاء” إلى غطاء لتقييد الدفاع وتعطيل حقوق الناس، يكون المجتمع أمام اغتيال صامت للعدالة باسمها، واجبنا القانوني والأخلاقي هو كشف الحقيقة والتنبيه والمواجهة، لا السكوت
Comments are closed.