المنبر الاعلامي الحر

الصرخة .. جهاد وإرادة الأمة في مواجهة الطغاة

يمني برس || مقالات رأي:

انطلق شعار الصرخة من منبع إيماني خالص، بوصفه تعبيرًا صريحًا عن الامتثال لأوامر الله، واستعادة واعية لدور الكلمة في مواجهة الطغيان والاستكبار، لا باعتبارها مجرد هتاف عابر، بل كخطاب عقدي متكامل يستند إلى الوعي القرآني وإلى مسؤولية البلاغ والموقف. فالقرآن الكريم يربط الإيمان بالموقف العملي، ولا يفصل بين العقيدة والمسؤولية، ويؤسس لثقافة النهوض ومواجهة الباطل، ومن هذا الفهم القرآني انطلق الشهيد القائد السيد حسين سلام الله عليه في إعلان البراءة من أعداء الأمة، ورفع شعار الصرخة بوصفه موقفًا إيمانيًا واعيًا يعبّر عن هوية، ويحدّد اصطفافًا، ويكسر حالة الصمت والخضوع.

وقد تجلّى هذا الموقف في الصيغة الواضحة لشعار الصرخة، التي لم تكن كلمات معزولة أو انفعالًا لحظيًا، بل إعلانًا واعيًا للبراءة والمواجهة، وترجمة عملية للأمر الإلهي بتحمّل المسؤولية والاصطفاف مع الحق، حيث عبّر الشعار عن هذا الموقف بوضوح:

الله أكبر

الموت لأمريكا

الموت لإسرائيل

اللعنة على الصهيونية

النصر للإسلام

وجاء هذا الشعار منسجمًا مع التوجيه القرآني الصريح في تحريض المؤمنين على الثبات وتحمل التكاليف، كما قال تعالى:

{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ}.

ومن هذا المنطلق القرآني جاء الشعار بوصفه إعلانًا واعيًا للموقف، وكسرًا لحالة الصمت، وتأكيدًا على أن الإيمان ليس حيادًا، وأن العقيدة موقف ومسؤولية واصطفاف واضح مع الحق في مواجهة الباطل.

ويمثل الشعار في بعده النفسي أداة فاعلة لكسر هيبة الاستكبار، إذ يعيد ترتيب موازين الخوف في الوعي الجمعي، وينقل الأمة من موقع التلقي والانفعال إلى موقع الفعل والمبادرة. فهو لا يستهدف أفرادًا بقدر ما يواجه منظومات الهيمنة والعدوان، ويعرّي أدواتها وأساليبها، ويُسقط عنها غطاء القوة الزائفة التي طالما بُنيت على الترويع والإخضاع. ومن هنا تتجلى قيمة الشعار بوصفه حالة يقظة داخل المجتمع اليمني، وامتدادًا حيًا في وعي الأمة الإسلامية، يستنهض الهمم، ويعيد تعريف العدو الحقيقي بعيدًا عن التضليل الإعلامي والتشويش السياسي.

وليس الشعار انفصالًا عن الهوية، بل هو تجسيد عملي لها، إذ يعمّق التمسك بالهوية الإيمانية، ويؤكد مبدأ التولي الصادق لأولياء الله، والالتزام بالقرآن منهجًا، وبالقيم الربانية معيارًا للحكم على المواقف والاصطفافات. وفي هذا الإطار، لا يُختزل الشعار في حالة شعورية أو سخط نفسي، بل يترجم إلى مواقف عملية أخلاقية ومسؤولة، من أبرزها المقاطعة الاقتصادية بوصفها أداة واعية لمواجهة سياسات الهيمنة، وحماية القرار المستقل، وتعزيز ثقافة الاعتماد على الذات، وربط القول بالفعل.

وقد تعمّد هذا الشعار بدم الشهيد القائد السيد حسين رضوان الله عليه، فتحول من كلمات تُردّد إلى مشروع متكامل ووصية خالدة للأمة، هدفها إنقاذها من واقع الاستضعاف، وإعادتها إلى موقعها الطبيعي أمةً شاهدة لا تابعة. هذا البعد التأسيسي منح الشعار قدرة على الاستمرار، وجعله قاعدة ثقافية تُنتج وعيًا متجددًا، وتربي أجيالًا تدرك معنى التضحية، وتفهم قيمة الشهادة بوصفها التزامًا أخلاقيًا ومسؤولية كبرى في مواجهة الظلم، لا نزعة عبثية ولا اندفاعًا أعمى.

ومن خلال هذا المسار، أسهم الشعار في صناعة أجيال واعية تميّز بين الرايات، وتعرف أين يكون الصدق وأين يكون الزيف، وتدرك أن الكرامة لا تُمنح بل تُنتزع بالثبات والصبر والعمل. كما رسّخ مفهوم الجهاد بوصفه مسؤولية شاملة، لا تنحصر في ميدان واحد، بل تتسع لمعاني الإصلاح والبناء والصمود، كلٌّ في مجاله وموقعه، بما يحقق النجاح في الدنيا والفلاح في الآخرة.

إن الصمود والتضحيات وبذل الجهود في مختلف الميادين ليست إلا ترجمة عملية لهذا الوعي القرآني، وسيرًا في طريق الله المستقيم بثبات واتزان، دون التفات لمحاولات الإحباط أو التشويه. وفي هذا السياق، يصبح الوفاء للشهداء وتعظيم تضحياتهم فعل وعي ومسؤولية تاريخية، لأنه يحفظ المعنى، ويصون المشروع، ويمنع التفريط بالوصية.

والشعار في جوهره إعلان موقف ونفير، ودعوة إلى الجهاد بوصفه تجارة الله التي لا تبور، حيث تكون كل النتائج خيرًا للأمة وعزتها؛ فإما شهادة هي الفوز العظيم، أو نصر وعودة بعزة وكرامة، أو جراح تُعد وسام شرف في ميدان العزة والكرامة. ومن هنا يتجسد الشعار كطريق خلاص، وكمنهج حياة، لا يورث هزيمة ولا يقود إلى ضياع.

ويبقى الشعار فعل إيمان وموقف، يربط السماء بالأرض، ويستدعي العون الإلهي مع الأخذ بأسباب القوة المشروعة، سائلين الله التوفيق والثبات على هذه الطريق، والرحمة للشهداء، والشفاء للجرحى، وكشف مصير المفقودين، وأن يحفظ الأمة من كل ظلم، وأن يجعل كلمتها حقًا، وموقفها عدلًا، ومسيرتها عزة وكرامة. وصلّى الله وسلّم على سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين.

 

 

بقلم شاهر لأحمد عمير*

Comments are closed.