المنبر الاعلامي الحر

نص المحاضرة الرمضانية السابعة للسيد عبد الملك بدر الدين الحوثي 1447هـ

 

نص المحاضرة الرمضانية السابعة لقائد الثورة السيد عبدالملك بدرالدين الحوثي 7 رمضان 1447هـ 24 فبراير 2026م:

 

أَعُـوْذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيْمِ

 

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ

 

الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَأَشهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ المُبِين، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُوْلُهُ خَاتَمُ النَّبِيِّين.

 

اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، وَبارِكْ عَلى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ وَبَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَارضَ اللَّهُمَّ بِرِضَاكَ عَنْ أَصْحَابِهِ الْأَخْيَارِ المُنتَجَبِين، وَعَنْ سَائِرِ عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ وَالمُجَاهِدِين.

 

الَّلهُمَّ اهْدِنَا، وَتَقَبَّل مِنَّا، إنَّكَ أنتَ السَّمِيعُ العَلِيم، وَتُبْ عَليَنَا، إنَّكَ أنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمْ.

 

أَيُّهَـــــا الإِخْـــــــوَةُ وَالأَخَـــــــوَات:

 

السَّــــــلَامُ عَلَيْكُـــمْ وَرَحْمَـــــةُ اللَّهِ وَبَـرَكَاتُـــــهُ؛؛؛

 

في الحديث عن قصة نبي الله موسى، على ضوء الآيات القرآنية المباركة في (سورة القصص)، كنَّا في المحاضرة الماضية قد وصلنا إلى قول الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”: {وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ}[القصص:9]، وختمنا المحاضرة بالحديث على ضوء هذه الآية المباركة، التي تبيِّن لنا الدور المهم لامرأة فرعون، والتي أشاد القرآن بها حتى في موقفها ما بعد بعثة نبي الله موسى “عَلَيْهِ السَّلَامُ”، حيث آمنت به، بل إنَّ القرآن الكريم قدَّمها من النماذج الراقية للنساء المؤمنات، فهي عندما وصل تابوت موسى “عَلَيْهِ السَّلَامُ” إلى قصر فرعون، وشاهدته، وقد ألقى الله عليه المحبة، أحبته محبةً عظيمة، وأصبح لديها عاطفة كبيرة تجاهه بالحنان والرأفة، وتشفَّعت له، وقَبِل فرعون شفاعتها لذلك الطفل المولود، الذي لا يعرفون من هو، ومن هي أسرته، وتقبَّل شفاعتها فرعون، وهذا- كما شرحنا في المحاضرة الماضية، مما تفيده الآيات المباركة- بتدخُّلٍ من الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”.

 

في جهةٍ أخرى: أم موسى، ما بعد تنفيذ المهمة، وقد نفَّذت المهمة بنجاح؛ إيماناً منها بوعد الله الحق، وإلَّا فمن الصعوبة بمكان، وفي غاية المشقة، أن تقوم أمٌّ حنونةٌ، مؤمنةٌ، راشدةٌ، مستقيمةٌ، بالرمي بابنها في تابوتٍ صغير على وجه البحر، وبين أمواجه؛ ولكن استناداً منها إلى وعد الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”، حينما أوحى الله إليها، ووعدها، وطمأنها، وأمرها بذلك، فهي نفَّذت مهمتها بدافعٍ إيماني، ولو أنَّها في موقع الأمومة، مما في ذلك من صعوبةٍ كبيرة.

 

ما بعد تنفيذها للمهمة، هي كانت تعرف الوجهة للتابوت، إلى أين سيتَّجه التابوت، كما أخبرها الله في وحيه إليها، ولكنها بعد أن نفَّذت المهمة، وغاب التابوت عن ناظرها، وهي تشاهد حتى غاب عن ناظريها، لم تعد تعرف بقية التفاصيل، هي عارفة أنَّ الوجهة ستكون إلى جهة الساحل، وبالتحديد إلى قصر فرعون، وأنَّ الفراعنة سيأخذونه، وأنَّ الله سيحفظه، ولكن ما الذي حدث ما بعد تنفيذ المهمة؟ هل قد وصلت التابوت بسلامةٍ وأمان؟ هل قد أخذه آل فرعون؟ كيف هو حاله؟ كيف هو وضعه؟ فهي ما بعد تنفيذ المهمة من المتوقع أنها ستعود إلى منزلها، ولكنها كأم، بحنان الأمومة، ومشاعر الأمومة، وعواطف الأمومة، هي في حالة قلقٍ كبير، واضطرابٍ نفسيٍ شديد تجاه مصير ابنها، وعن حال رضيعها، كيف هو حاله؟ هذه التساؤلات التي لا تعرف تفاصيلها، وهل قد وصل إلى الفراعنة أم لا؟ وهل قد تجاوز مرحلة الخطر عندهم هم أم لا؟ وحالة الضغط النفسي الشديد عبَّر عنها القرآن الكريم، بقول الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”: {وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ}[القصص:10]، هي نفَّذت المهمة بنجاح، ولكن- كما قلنا- هي تجهل التفاصيل عن حاله.

 

وبعد أن عادت إلى منزلها، كما هو متوقع، تعيش هذه الهواجس: هواجس التساؤلات عن أحواله، وعن وضعه، وآخر ما شاهدته وهو على أمواج البحر، حتى غاب المشهد، ولم تعد تراه وهو على أمواج البحر، فالحالة النفسية بعد تنفيذ المهمة، وعودتها إلى المنزل، مع جهلها بتفاصيل حال رضيعها الذي ألقته في تابوته في البحر، حالة شديدة من القلق، والاضطراب النفسي، والخوف على رضيعها، إلى هذه الدرجة: لم تعد تشعر بأيِّ حالةٍ من السكينة والاطمئنان، يعني: هي في حالة اضطراب نفسي شديد، وقلق نفسي كبير، ضاغط عليها، وهي حالة من الطبيعي أن تحصل لها كأمّ.

 

في نفس الوقت، قد تبيَّن لنا أنَّ نبي الله موسى “عَلَيْهِ السَّلَامُ”، من خلال الآيات المباركة، كان آنذاك قد تجاوز مرحلة الخطر، في خطر الغرق، وخطر القتل والذبح، ولكنها هي بحاجة إلى معرفة تفصيلية عن حال ابنها.

 

{إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ}[القصص:10]، يعني: بلغ بها الحزن، والقلق، والاضطراب النفسي، والخوف على رضيعها، حتى لكادت أن تُظْهِر الأمر، كادت أن تصرخ من أعماقها، وتذيع جميع أسرارها، وتكشف خبر ابنها، كادت أن تذهب إلى الناس وتتحدث عن الموضوع؛ من شدَّة الضغط النفسي عليها؛ بينما التكتُّم، والحفاظ على سرِّيَّة الموضوع، هو جزءٌ أساسيٌ في الخطة، ولنجاحها أيضاً، لنجاح الخطة في إطار التدبير الإلهي، وهذه قضية مهمة جداً، يعني: لو أنها كشفت حالها، وأنَّ ذلك الطفل هو ابنها، الذي تقاذفته الأمواج، وألقت به في البحر، وعرف الفراعنة؛ لكانت المسألة مختلفة إلى حدٍ كبير، لكان ذلك شكَّل خطراً كبيراً على ذلك الطفل الرضيع.

 

هنا نجد كيف هي الرعاية الإلهية عند الشدائد، التي لها تأثيرها على الحالة النفسية لدى الإنسان، وقد تكون في مثل هذه الحالة على الأم تجاه رضيعها، حالة الضغط النفسي حالة شديدة جداً، قلق كبير، وحزن شديد، وخوف شديد على رضيعها؛ لأنها ألقته في البحر، وفي نفس الوقت نجاته من الغرق يعني أن يصل إلى الفراعنة، وهناك مخاطر الذبح، فهي في حالة قلق وضغط نفسي شديد؛ فيأتي التَّدَخُّل الإلهي، تأتي رعاية الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى” في الحالة الصعبة، حتى في الواقع النفسي للإنسان، حينما يكون قد بادر، واستجاب لله، وهو معتمدٌ على الله، ملتجئٌ إلى الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”، يؤدِّي مهامه الإيمانية التزاماً وامتثالاً لأمر الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”، ويتوكَّل على الله “جَلَّ شَأنُهُ”؛ لهذا قال الله “جَلَّ شَأنُهُ”: {لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ}[القصص:10].

 

فهنا نجد أنَّ الرعاية الإلهية في الربط على القلوب، وهي من أهمِّ الرعاية التي يمنحها الله عباده من المؤمنين والمؤمنات، الذين يستجيبون له في أداء مهامهم الإيمانية، التي يواجهون فيها الضغوط النفسية الشديدة، والمخاوف الكبيرة، يعني: نجد في شواهد أخرى في القرآن الكريم: في قصة أصحاب الكهف، {وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}[الكهف:14]، وفي مقامات أخرى فيما يتعلَّق بالربط على القلوب، وكذلك بالسكينة التي ينزلها الله على القلوب.

 

الإنسان في مشاعره، وفي طاقته وتحمُّله، له مستوى محدود معيَّن في مستوى التَّحَمُّل، في ما يعانيه في مشاعره، في مخاوفه، أو على مستوى آخر، الحالات النفسية المختلفة، الإنسان قد تكون لديه أحياناً مشاعر الخوف، وأحياناً مشاعر الغضب… أحياناً مشاعر متنوعة، هذه المشاعر لها مستوى معيَّن، قد يصل بالإنسان من خلال الضغط الشديد عليه، إلى تأثيرات على أحواله، على مواقفه، على أعماله؛ ولهذا يحتاج إلى الله حتى في ضبط هذه المشاعر، التي قد تؤثِّر على الإنسان حتى في مهمته الإيمانية العملية؛ فالله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى” من أهمِّ ما يرعى به عباده المؤمنين والمؤمنات: أنَّه يربط على القلوب في أوقات الشدائد الكبيرة جداً، التي تكاد أن تنهار فيها الحالة النفسية لدى الإنسان، يكاد الإنسان أن يصل فيها إلى الانهيار المعنوي، الحالة النفسية قد تضغط على الإنسان، سواءً حالة خوف، أو حالات أخرى، بحسب الحالات المتفاوتة، والمقامات المتفاوتة، فيأتي التدخل الإلهي، وتأتي الرعاية من الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”، بما يساعده ويثبِّته، فالربط على القلوب هو تقوية لها، ودعم معنوي من الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”، يساعد الإنسان على الاطمئنان، والتماسك، والثبات، وهذا من أهمِّ ما يرعى الله به عباده المؤمنين والمؤمنات.

 

فالله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى” رعاها هذه الرعاية؛ لأنها توكَّلت على الله، واستجابة لله، وهي تؤدِّي مهمةً إيمانيةً عظيمةً ومقدِّسةً، ورعى الله لها بذلك إيمانهاً، هنا نجد قول الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”: {لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ}[القصص:10]؛ أمَّا فيما يتعلَّق بابنها، فقد سبق لها وعد الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”: بسلامته، وبرده إليها، وبالبشارة العظمى، بأن الله سيجعله من المرسلين، {إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ}[القصص:7]، ولكن حالة القلق، ومشاعر الأمومة الشديدة في الحنان، والعاطفة، والمخاوف على رضيعها، ولاسيَّما أنه طفل رضيع، وفي حالة خارجة عن المألوف، موقف رمت به إلى البحر في تابوتٍ صغير، ومخاطر الذبح…إلخ. فهي بحاجة إلى أن تكون مطمئنةً:

 

– أن تتذكر وعد الله لها، وتطمئن إلى أنه سيتحقَّق، فالله قد وعدها بسلامته، وأن يرده إليها.

 

– وعليها أن تطمئن إلى وعد الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”، وتثق به، وتصبر.

 

– وأن تحافظ على سرِّيَّة الموضوع؛ لأنه- كما قلنا- جزءٌ أساسيٌ من نجاح الخطة، جزءٌ أساسي في الخطة، وجزءٌ أساسي في نجاح الخطة.

 

هنا نلفت النظر، على ضوء هذه الآيات المباركة، إلى أهمية الحفاظ على سرِّيَّة ما يتطلَّب السرِّيَّة في الخطط العملية، في إطار الحركة في الجهاد في سبيل الله، ومواجهة الطغاة والمستكبرين، والأعمال العظيمة والمهمة، التي هي ذات طابع سرِّي.

 

أحياناً يكون هناك خطط عملية في العمل في سبيل الله، والجهاد في سبيل الله، والأمور المهمة، هي ذات طابع سرِّي، نجاحها يعتمد على سرِّيَّتها، وفي نفس الوقت انكشاف السر فيها يشكِّل خطورةً، وله تأثيرات إمَّا على فشل لأمرٍ معيَّن، أو تمكين العدو من نتيجة معيَّنة.

 

وهنا نجد كيف كان الجانب السِّرَّيُّ مهماً جداً في نجاح هذه الخطة، وكيف كانت الحالة النفسية خطراً على الحفاظ على سرِّيَّة الموضوع، أحياناً الحالة النفسية قد تكون مؤثِّرة على الإنسان في التَّكَتُّم على موضوعٍ مهم، هو ذو طابعٍ سرِّيّ؛ ولهذا ينبغي:

 

– أن يحرص الإنسان على الانتباه حتى لحالته النفسية.

 

– وأن يكون ملتجئاً إلى الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”، ومستعيناً بالله.

 

– وأن يرسِّخ في نفسه الشعور بالمسؤولية أمام الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”، في المهام العملية التي هي مرتبطة بالإيمان، والعمل في سبيل الله… وما إلى ذلك.

 

هذه مسألة مهمة جداً، هذا درس، درس مهم في هذا الجانب المهم جداً.

 

أم موسى، بعد أن ربط الله على قلبها؛ اطمأنت، وتماسكت، واستقرت حالتها النفسية، وبدأت العمل بشكلٍ صحيح؛ لأن من مخاطر حالة الاضطراب النفسي الشديد، وحالة القلق الكبير: أنَّ الإنسان قد يتصرَّف بطريقة خاطئة، أحياناً بطريقة متهوِّرة، وأحياناً بطريقة يكون لها نتائج سلبية، لإفشال العمل المهم، أو الموضوع المهم، الذي هو في إطار مهام إيمانية، أو مهام جهادية… وغير ذلك؛ فلذلك كانت بحاجة إلى أن تعود إلى حالة الاستقرار النفسي، إلى أن تهدأ، إلى أن تطمئن، ثم تواصل العمل بطريقة هادئة، وطريقة صحيحة؛ لأنه لا يزال هناك أعمال عليها أن تقوم بها، ونجد- كما قلنا- كيف أنَّ التدبير الإلهي يَنْفُذ إلى واقع الناس، حينما يتحرَّكون في سبيل الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”، وحتى إلى واقع الأعداء ومشاعرهم وقراراتهم، وفي واقع المؤمنين والمؤمنات كذلك، يأتي من خلال العمل، ويحقِّق الله على أيديهم النتائج العجيبة والمهمة.

 

فعندما استقرت حالتها النفسية، بدأت العمل بطريقة صحيحة، في إطار التدبير الإلهي، ويبرز هنا دورٌ مهمٌ وأساسيٌ في الخطة، تقوم به امرأةٌ أخرى، ونجد هنا- كما قلنا- الدور المهم للمرأة، لكن في إطار مهام إيمانية، في إطار ليس منفصلاً، واتجاهاً بعيداً عن الأسرة، عن المجتمع، عن القضايا المهمة، وليس في اتِّجاه استغلال، فرعون كان يمتهن النساء، وكانت سياسته قائمة- كما ذكرنا- على نسونة مجتمع المستضعفين بطريقة فيها امتهان للكرامة، وفيها استهداف لذلك المجتمع؛ بينما هدى الله في كل زمان ومكان يرتقي بالرجال، ويرتقي بالنساء، وفي إطار مهام عظيمة ومقدَّسة، وفي إطار الحفاظ على الشرف، والكرامة، والعرض، والحشمة، والستر، والحياء… وهكذا، في إطار مصون، يصون المرأة، يصون كرامتها، عفَّتها، شرفها، قيمها، أخلاقها… إلى غير ذلك.

 

برز دور أم موسى، وبرز دور امرأة فرعون، وهنا يبرز دور آخر، دور ثالث، هو دورٌ مهمٌ جداً، تقوم به امرأةٌ أخرى، وهي مأمونة السر، مأمونةٌ على السر، وحريصةٌ على الأمر، يعني: لن تفشي هذا السر عندما تعرف به، هي أخت موسى، وقد كلَّفتها أمها بهذه المهمة: {وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ}[القصص:11]، هي كلَّفت أخته بمهمة البحث عنه، {قُصِّيهِ}[القصص:11]، يعني: اتَّبعي أثره، وتعرَّفي خبره، وابحثي عنه بطريقةٍ غير ملفتة؛ لتعرفي حاله ووضعه، يعني: ولترد لها خبراً عن ذلك، وهي تعرف الوجهة بالنسبة لأم موسى- كما ذكرنا سابقاً على ضوء الآيات المباركة- هي تعرف أن الوجهة ستكون إلى الساحل، ومن الساحل إلى الفراعنة يأخذونه، ولكن هل قد وصل إلى الفراعنة؟ كيف حاله؟ الاطمئنان على التفاصيل.

 

فعلى أساس أن تبحث عنه بطريقة هادئة وغير ملفتة؛ إنما تَتَّبِع فيها ما يوصلها إلى معرفة وضعه وحاله، ودون أن ينتبه الأعداء لذلك، ونفَّذت المهمة بنجاح، بطريقة صحيحة، ليس فيها ما يلفت النظر إلى أنها تبحث عنه، وأنها من أسرته، {فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ}[القصص:11]، بتيسيرٍ من الله، نفَّذت أخت موسى مهمتها بنجاح، ودون أن يشعر الفراعنة أنها في حالة بحثٍ عنه واستطلاعٍ لأمره وحاله، وقد رأته من مكان مجانب، من مكانٍ مجانبٍ لمكانه، وعرفت بحاله دون أن ينتبهوا لذلك.

 

وهذا درس في الأداء الناجح، يعني: هي أدَّت مهمتها بطريقة ناجحة، وغير ملفتة، في وضع حساس، وضع خطر، لكن تأتي رعاية الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”، ويأتي التوفيق الذي يترافق مع الأداء الناجح، الأداء باهتمام؛ لأنهما حسبتا حساب أن يكون الأداء سليماً من أن يلفت نظر الأعداء، عندما قالت لها بهذا التعبير: {قُصِّيهِ}[القصص:11]، يعني: اتَّبعي أثره بطريقة مناسبة للحصول على خبره، وعلى تفاصيل أحواله، وهي كذلك: {فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ}[القصص:11]، يعني: من مكان مجانب، وبطريقة مناسبة، لا ينتبهون لها، {وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ}[القصص:11]، وهذا هو الأداء الأمني الناجح: {وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ}[القصص:11]، لم ينتبهوا لذلك.

 

ونجد هنا كيف كانت أهمية أن تقوم أخته بهذا الدور، وليس أمه، الأم بعظيم حنانها، وعاطفتها، ومشاعرها، وقلقها، لو ذهبت هي بنفسها للبحث عن حالة؛ لربما ما استطاعت أن تتماسك عند بعض الحالات، عند بعض الظروف، يعني: لو شاهدت التفاصيل التي شاهدتها أخته، لربما- بطبيعة الأم يعني، بمستوى حنانها وعاطفتها، والحالة النفسية لها- لربما لم تتماسك، وذهبت فوراً إليه لتتدخَّل بطريقة قد تكشفها، أو تثير الشك تجاهها… أو غير ذلك.

 

بتنفيذ أخت موسى للمهمة، عرفت بحال موسى “عَلَيْهِ السَّلَامُ”، واطمأنت إلى سلامته من الغرق، وسلامته من خطر القتل والذبح، وقرار فرعون، وامرأة فرعون، وآل فرعون، إلى أن يكون تعاملهم معه بدلاً عن الذبح هو الرعاية، والاحتضان، والحفظ، وأن يهتموا به، فحصلت لها هذه المعرفة، أصبحت تعرف عن هذه التفاصيل من أحواله.

 

وهذه التفاصيل- إلى حدٍ ما- هي مبعث اطمئنان لوالدته: أنَّه قد سلم فعلاً من الغرق كما وعدها الله، وسلم من الذبح والقتل، وقد اتَّخذوا قراراً برعايته، واحتضانه، والحفاظ عليه.

 

ولكن الله الرحيم، العظيم، الكريم، وعد أمّ موسى بما هو أكثر من ذلك، ليس فقط بسلامته ورعايته، بل أن يردَّه إليها؛ لتكون هي من تتولى الحضانة له، والرعاية له، والتربية له، ورعاها في حالتها النفسية، بما يحقِّق لها الاطمئنان التام، وهذا يحتاج إلى ماذا؟ إلى أن يتحقَّق لها هذا: أن يعود إليها ابنها، أن يرد الله ابنها إليها بطريقة لا يكون فيها أي خطرٍ عليه، قد تتجاوز الخطر تماماً، وتتولى رعايته وحضانته، وهي مطمئنة أنَّه قد تجاوز خطر القتل، والخطر الذي يهدد حياته.

 

فكيف هو التدبير الإلهي العجيب لإعادة موسى إلى أمه، للحضانة، ورعاية الأمومة، وبحماية، وبأن يكون أيضاً قد سلم من خطر الاستهداف والقتل؟ بيِّن الله لنا في الآية المباركة بقوله: {وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ}[القصص:12]، من حين وصوله إلى الساحل، وبعد أن التقطه آل فرعون، لم يقبل بأيِّ مرضعة، من الاحتياجات الأساسية للحياة بالنسبة للرضيع هو الرَّضاعة، والغذاء الذي ينمو به، وتستمر به حياته، أساسيٌ لحياته، ولا يتحمَّل أن يتأخر كثيراً عن ذلك، الطفل الرضيع، ولاسيَّما في المراحل المبكِّرة من حياته، يحتاج إلى تعهُّد بالرضاعة دون تأخير، ومن منذ وصوله إليهم لم يقبل بأيِّ مرضع، كلما أتوا له بامرأة لترضعه، لم يقبل بالرَّضاعة منها، فهذا التحريم يعني المنع التكويني، ليس المقصود التحريم الشرعي بالحكم الشرعي.

 

{الْمَرَاضِعَ}[القصص:12]: المرضعات، لم يقبل منهنَّ من يرضع منها، كلما أتوا له بامرأة لترضعه، لم يقبل بالرضاعة منها؛ بينما هو في حالة خطرة على حياته، كلما تأخر الوقت، وأيضاً الحالة المعروفة عند الأطفال عندما يصبح بحاجة إلى الرضاعة يصيح، فهو في تلك الحالة، وقد ألقى الله عليه المحبة، وامرأة فرعون تعطف عليه عطفاً عظيماً، وتحبه محبةً كبيرة، وقد سرَّت به سروراً عظيماً، وهم في تلك الحالة في مشكلة حقيقية، كيف يعملون معه، وهو لم يقبل أن يرضع من أي امرأة يأتون بها إليه؛ إنما هو في صياح مستمر، وصياح الطفل الرضيع صياح مقلق من ناحية العطف، يحرِّك العواطف والأشجان، ويحرِّك لدى الإنسان الحرص على كيف ينقذه، ولاسيَّما لدى النساء أكثر من الرجال، مع أن الجميع أيضاً تتحرَّك فيهم العواطف مع صياحه، فهم في تلك الحالة في مشكلة كبيرة، هو مستمرٌ في صياحه، والحالة خطرة على حياته، وهم يبحثون كلما أتوا بامرأةٍ مرضعة، لم يقبل الرضاع منها.

 

في ظل تلك الحالة، وهم في مشكلة يبحثون لها عن حل، وفي تلك الظروف، اغتنمت أخته الفرصة لتتدخَّل بطريقة مناسبة: {فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ}[القصص:12]، كان أسلوبها في أن تتدخَّل في الوقت المناسب، وليس ابتداءً، في الوقت الذي هم في أمسِّ الحاجة إلى من يساعدهم على حلِّ مشكلتهم تلك، وأن يدلَّهم على أسرة تتولى الحضانة لهذا الطفل، ويقبل بالرضاعة منها، امرأة يقبل بالرضاعة منها، فهي دلَّتهم على حل لمشكلتهم، {يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ}[القصص:12]، دلتهم على {أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ}[القصص:12]، يعني: يحفظونه، ويحضنونه، ويرضعونه، ويقومون بتربيته، ويكفونكم ذلك بهذه الخدمة لكم.

 

{وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ}[القصص:12]؛ لأن هذه مسألة ذات أهمية بالنسبة لمرآة فرعون وآل فرعون، مدى اهتمامهم بهذا الطفل، وتكفُّلهم برعايته، والاهتمام بأمره، لدرجة أنهم حريصون على أن يكون هناك من يهتم به بإخلاص وصدق، ودون أن يقصِّر أو يفرِّط في العناية به، ولاسيَّما امرأة فرعون، أصبح موضوع الاطمئنان على الاهتمام به، والعناية اللازمة به، مطلباً وهدفاً بالنسبة لهم؛ ولذلك طمأنتهم تجاه ذلك، هي تدرك أنَّ هذا مهم بالنسبة لهم.

 

{وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ}[القصص:12]، يعني: اطمئنوا، فإنهم لن يقصِّروا في كفالته، ولن يفرِّطوا في حفظه، وسيؤدُّون مهمتهم في كفالته لكم بكل إخلاصٍ، وحرصٍ، واهتمام، ووافقت امرأة فرعون والفراعنة على الفور، ولاسيَّما بعد أن أتت أم موسى؛ لأنهم أتوا بها إلى القصر، وربما ذهبت أخته لها برفقة البعض منهم، وعندما أتت أُمُّه قَبِل بالرَّضاعة منها، وهم ارتاحوا كثيراً؛ احتلَّت المشكلة التي كانوا يعانون منها، ففرحوا بذلك، وهنا أعاد الله موسى إلى أُّمِّه رعايةً لها، {فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ}[القصص:13].

 

نكتفي بهذا المقدار.

 

وَنَسْألُ اللَّهَ “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى” أَنْ يُوَفِّقَنَا وَإِيَّاكُم لِمَا يُرْضِيه عَنَّا، وَأَنْ يَرْحَمَ شُهْدَاءَنَا الأَبْرَار، وَأَنْ يَشْفِيَ جَرْحَانَا، وَأَنْ يُفَرِّجَ عَنْ أَسْرَانَا، وَأَنْ يَنْصُرَنَا بِنَصْرِه، إِنَّهُ سَمِيْعُ الدُّعَاء، وَأَنْ يَتَقَبَّلَ مِنَّا وَمِنْكُمُ الصِّيَامَ وَالقِيامَ وَصَالِحَ الأَعْمَال.

 

وَالسَّــــــلَامُ عَلَيْكُـــمْ وَرَحْمَـــــةُ اللَّهِ وَبَـرَكَاتُـــــهُ؛؛؛

 

 

Comments are closed.