المنبر الاعلامي الحر

جنود صهاينة يعذبون طفلاً رضيعاً بالحرق ودق المسامير .. القصة الكاملة, وما خفي أسوأ مما بدى على جسم الرضيع “جواد”

يمني برس |  تقرير | يحيى الشامي

 

صباح ثاني أيام عيد الفطر المبارك، بينما كان المفترض أن تحمل الأجواء في مخيم المغازي بقطاع غزة نفحات الفرح وبهجة العيد، تحولت اللحظة إلى مأساة جديدة تُضاف إلى سجل الجرائم المتواصلة التي يرتكبها العدو الإسرائيلي في فلسطين، في حادثة مروعة تعكس العقلية الدموية المتعطّشة للقتل والمهووسة بالدماء التي تحكم سلوك قواته، وتكشف عن سياسة ممنهجة من الإرهاب والترهيب تستهدف الفلسطينيين بمن فيهم الأطفال والرضع.

 

في ذلك الصباح المشؤوم، بدا أسامة طبيعياً للوهلة الأولى، حيث أخبر والدته أنه سيأخذ ابنه الرضيع إلى البقالة لشراء حلوى العيد، وحمل الطفلَ الصغير “جواد” -الذي لم يتجاوز عامه وعشرة أشهر- على كتفيه وخرج، لكن الطريق تغير فجأة، فبدلاً من التوجه غرباً نحو السوق، سار أسامة وابنه الرضيع نحو الشرق، ومع اقترابه من المنطقة المكشوفة التي تنتهي عند “الخط الأصفر”، بدأ إطلاق النار في محيطه، لم تُصبه الطلقات في البداية، لكنها كانت كافية لإجبار أي شخص عاقل على التراجع والفرار، إلا أن أسامة لم يتراجع، “كان كأنه لا يسمع” كما يصف والده، في مشهد يعكس حجم الاغتراب النفسي الذي وصل إليه. بعد لحظات، ظهرت طائرة مسيرة صغيرة تحلق على ارتفاع منخفض فوقه، مزودة بمكبر صوت، وبدأت تبث أوامر مباشرة وقاسية، وعندها فقط تغير سلوك أسامة جزئياً، توقف الرجل الذي أصيب برصاصة في كتفه -حسبما أكد لاحقاً ممثلو اللجنة الدولية للصليب الأحمر للعائلة- وأنزل الطفل الرضيع عن كتفيه ووضعه على الأرض، ثم بدأ ينزع ملابسه قطعة تلو الأخرى حتى بقي بملابسه الداخلية فقط، منفذاً الأوامر بآلية من فقد الإرادة. في تلك اللحظة الفاصلة، فُصل الأب عن ابنه الرضيع، وتقدم أسامة نحو الجنود المختبئين، وبقي الطفل جواد وحيداً خلفه، قبل أن يختفي الاثنان، تاركين العائلة في عذاب الانتظار والخوف والهلع طوال ساعات النهار.

 

وبقيت عائلة أبو نصار في حالة من الرعب والقلق طوال ذلك اليوم الطويل، حيث اختفى الابن والحفيد دون أي معلومة عن مصيرهما أو مكانهما، في حالة تتكرر -تقريباً- يومياً في غزة ضمن سياسة الإخفاء القسري التي يمارسها العدو الإسرائيلي كأداة للضغط النفسي على العائلات الفلسطينية. وعند العاشرة مساءً، بعد نحو اثنتي عشرة ساعة من الحادثة، تلقت العائلة اتصالاً من ممثلي اللجنة الدولية للصليب الأحمر يفيد بأن قوات العدو الإسرائيلي سلمتهم الطفل الرضيع، وأبلغتهم بأن الأب أسامة مصاب بطلق ناري في الكتف ولا يزال محتجزاً. توجه الجد محمد إلى سوق المخيم للقاء حفيده حسب التنسيق مع “الصليب الأحمر”، وهناك تسلم الطفل ملفوفاً بغطاء خفيف يشبه ورق التغليف الشفاف “السوليفان”، وحين حمله بين ذراعيه لاحظ آثار دماء على ملابسه الصغيرة، فسأل عن مصدرها فأبلغه ممثل اللجنة الدولية أنها دماء والده المصاب في كتفه، عاد الجد بالطفل إلى المنزل حيث كانت والدته تنتظر بفارغ الصبر، وما إن حملته الأم بين ذراعيها حتى بدأ الطفل بالصراخ، لكن لم يكن بكاءً عادياً لطفل عاد بعد غياب ساعات، بل كان صراخاً متواصلاً حاداً يعكس ألماً جسدياً ونفسياً عميقاً.

 

وعند تفحص الطفل بدقة، لاحظت العائلة إصابات واضحة ومروعة في قدميه الصغيرتين: نزيف، جروح، حروق، وآثار لم يستطيعوا تفسيرها في البداية، اعتقدوا في اللحظات الأولى أنها قد تكون نتيجة رصاص أو شظايا، لكن عند نقل الطفل إلى مستشفى شهداء الأقصى وإجراء الفحوصات الطبية اللازمة، أظهرت النتائج صورة مختلفة تماماً وأكثر إيلاماً، فقد أكد الأطباء الذين فحصوا الطفل لذويه أنه لا توجد شظايا ولا رصاص في جسده، بل آثار تعذيب مقصودة. وبحسب شهادة الجد محمد، فقد أخبره الأطباء بأن قدمي الطفل تحملان حروقاً واضحة جراء التعرض لنيران يعتقد أنها صادرة عن ولاعة أو أعقاب سجائر مشتعلة، بالإضافة إلى ثقب عميق “مدخل ومخرج” في سمانة الساق، جراء إدخال آلة حادة بشكل متعمد، وهو تقرير طبي يُعد دليلاً دامغاً على وحشية لا توصف، وعلى تعذيب متعمد لطفل رضيع لا يتجاوز عمره العامين، لا ذنب له إلا أنه وُلد فلسطينياً في أرض يحتلها عدو يهودي مؤدلج بوحشية الحقد ضد المسلمين والعرب، ولا يفرّق أو يرحم صغيراً ولا كبيراً.

 

 

 

لكن لماذا توجّه والد الطفل صوب العدو؟

جد الطفل جواد “والد أسامة” يروي السبب..

 

بدأت تفاصيل هذه الجريمة عندما انطلق محمد أبو نصار، الرجل الستيني، في طريقه نحو السوق لشراء بعض مصاريف العيد، ليقطع رنين الهاتف الرحلة حاملاً خبراً مفزعاً: “ابنك أسامة يتجه شرقاً باتجاه الخط الأصفر ومعه ابنه الصغير”. لم يحتج الجد إلى مزيد من الشرح، فالجميع في غزة يدركون ما يعنيه “الشرق” في هذه المنطقة، وما يمثله “الخط الأصفر” الذي ليس مجرد علامة على خريطة، بل هو حد فاصل بين الحياة والموت، رسمه العدو الإسرائيلي بمكعبات خرسانية صفراء متباعدة، كتحذير صارم ومميت: “لا تتجاوزوا هذه النقطة، وكل من يقترب سيُقتل فوراً”. هذه المنطقة المكشوفة -التي لا تبعد عن بيوت المخيم سوى مائتي متر- تحولت إلى حقل للموت تمارس فيه قوات العدو سياسة “إطلاق النار بهدف القتل” ضد كل من يقترب، بغض النظر عن هويته أو نيته أو حالته النفسية.

 

وتزداد القصة إيلاماً وعمقاً بمعرفة أن أسامة أبو نصار (والد الطفل الرضيع جواد) لم يكن في وعيه الكامل حين اتخذ قراره بالسير نحو تلك المنطقة المحرمة، فوالده محمد يؤكد أن ابنه “لم يكن يدرك تماماً أين يتجه”، مشيراً إلى أن حالته النفسية كانت قد تدهورت بشكل ملحوظ في الأسابيع التي سبقت الحادثة، حيث كسر نوافذ المنزل وحطم أثاثه ودخل في مشادات مع الجيران وأفراد أسرته فاقداً كامل وعيه بما يفعل، ويعتقد أفراد العائلة أن سبب هذا التدهور النفسي الحاد يعود إلى مقتل حصان أسامة في قصف صهيوني استهدف المنطقة قبل شهرين تقريباً، ذلك الحصان الذي كان يمثل مصدر رزقه الوحيد ووسيلة كرامته وعمله، ومع فقده فَقَدَ أسامة قدرته على إعالة أسرته، وانزلق في دوامة من اليأس والاضطراب النفسي. هذه الخلفية الإنسانية الصعبة تثير تساؤلات جدية حول مدى استهداف العدو الإسرائيلي للمدنيين الفلسطينيين حتى في أحلك ظروفهم النفسية والاجتماعية وأبسط مصادر دخلهم وأرزاقهم التي يعتاشون وأسرهم منها، وكيف أن السياسات العسكرية الصهيونية لا تكتفي بتدمير البنية التحتية وسبل العيش، بل تمتد لتفاقم الأوضاع النفسية، وتدمر النسيج الاجتماعي، ثم تتعامل مع ضحايا هذه السياسات كتهديدات يجب القضاء عليها دون أي اعتبار لظروفهم الإنسانية أو حالتهم العقلية.

 

تعتقد عائلة أبو نصار -بناءً على معطيات الواقع وسلوك العدو الإسرائيلي المتكرر- أن الطفل جواد تعرض لهذا التعذيب الوحشي بغرض ابتزاز والده أسامة وإجباره على الاعتراف عن سبب وصوله للمنطقة، رغم أن الأب كان في حالة نفسية غير سليمة لا تؤهله للوعي بما يفعل أو الإدلاء بأي اعترافات ذات قيمة، وإذا صحت هذه الفرضية -وهي مدعومة بسجل حافل من انتهاكات العدو الموثقة- فإنها تكشف عن بُعد آخر أكثر ظلمة من وحشية العدو الإسرائيلي: استخدام الأطفال الأبرياء والرضع كأدوات للضغط والابتزاز النفسي، في انتهاك صارخ وفاضح لجميع المعاهدات والمواثيق الدولية التي تحمي الأطفال في زمن النزاعات المسلحة، وفي مقدمتها اتفاقية جنيف الرابعة، واتفاقية حقوق الطفل، فضلاً عن ذلك هي جريمة مستنكرة بالفطرة لا يقوى على تحمل سماعها قلب سليم، فكيف بمن يرتكبها!

 

ومنذ تلك الليلة المروعة، تغير سلوك الطفل جواد بشكل جذري ومؤلم: يعاني من آلام مستمرة لا تهدأ، يبـــــكي طوال الوقت نتيجة التهابات متكررة في جسده الغض، عدم قدرة على النوم، بكاء متواصل يمزق قلب والدته، ارتفاع متكرر في درجة الحرارة، وتقيؤ أحياناً من شدة الألم. وتقضي والدته ساعات الليل الطوال إلى جانبه، تضع كمادات ماء بارد على جبينه المحموم، تدهن قدميه الجريحتين بالمراهم، تعطيه المسكنات بجرعات يحددها الطبيب، وتنتظر بلهفة أن يخف الألم عن فلذة كبدها. وبينما تترقب العائلة خبراً ينهي حيرتها ويخفف من عذابها، خاصة في ما يتعلق بمصير الابن والأب أسامة الذي لا يزال مصيره مجهولاً خلف جدران الاختطاف الإسرائيلي، تظل تفاصيل ذلك اليوم المشؤوم عالقة في الأذهان: رحلة عيد بدأت للنزهة والفرح، وانتهت بفقدان الأب، وعودة الطفل الرضيع، ليس كما خرج، بل بجسد مُحطم وطفولة مسلوبة وبراءة مغتالة.

 

تأتي هذه الجريمة المروعة في سياق جرائم العدو الإسرائيلي المتواصلة في فلسطين، والتي لم تتوقف لحظة واحدة منذ احتلاله للأرض الفلسطينية، بل تتصاعد وتيرتها وتتنوع أساليبها في الوحشية والهمجية، في امتداد طبيعي لنهج دموي وفظيع وكارثي، وعقلية متعطشة للقتل ومؤدلجة بالوحشية، لا ترى في الفلسطيني إلا هدفاً “مشروعاً” للإبادة، ولا تعترف بحقه في الحياة أو الكرامة أو الطفولة الآمنة. ما حدث للطفل جواد ووالده أسامة هو تجلٍّ واضح وفاضح لعقيدة الصهاينة المشوّهة، والمشبعة بالحقد، والمدججة بالخبث، في حالة تشي بنفوس غير سوية ولا تمت للبشرية بصلة، وتؤكد كيف يمكن للتحريفات التلمودية أن تخلق عُقداً نفسية فوق ما يمكن تخيله من الحقد والكراهية.

 

 

Comments are closed.