ركعت أمريكا.. وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ
يمني برس | بقلم: عبدالرحمن حسين العابد
في 28 فبراير 2026، أطلق ترامب وإسرائيل عدوانهما على إيران. طلب ترامب يومها بغرور: “استسلام غير مشروط”. بعد 38 يوماً، أعلن قبوله مرغماً بـ”النقاط العشر” الإيرانية كأساس للتفاوض، واصفاً إياها بأنها “أساس قابل لعمل التفاوض”.
هذه ليست مجرد مفارقة لفظية، بل هي اعتراف بأكبر هزيمة استراتيجية في التاريخ الأمريكي الحديث.. ما كان يفترض أن تكون “حرباً خاطفة” تنتهي بإسقاط النظام خلال أيام، تحولت إلى مستنقع كشفت حدود القوة الأمريكية المهترئة على نحو لم يسبق له مثيل.
وسأصحبكم في هذه الرحلة لتتأكدوا
فشل الردع العسكري
الحقيقة التي لا تقبل الجدل: أمريكا لم تخسر الحرب لأنها أضعف من إيران عسكرياً، بل لأن إيران ابتكرت معادلة تكلفة كسرت ظهر أمريكا.
التكلفة اليومية للعمليات الأمريكية بلغت ما نحو و1.43 مليار دولار يومياً، بينما تراجعت تكلفة إيران اليومية للذخائر من 264 مليوناً في البداية إلى نحو 62-82 مليوناً فقط .
السر في “اقتصاد المقاومة”:
إيران قللت استخدام صواريخها الباليستية متوسطة المدى (التي يكلف كل منها 1 – 3 ملايين دولار) بنسبة 90%، وعوّضت ذلك بتكثيف استخدام طائرات “شاهد-136” المسيرة التي لا يتجاوز سعر الواحدة منها 20-50 ألف دولار .
عندما تستخدم أمريكا اعتراضية THAAD بقيمة 12.7 مليون دولار لأسقاط مسيرة بـ50 ألف دولار، فإنها تخسر التبادل الاقتصادي بنسبة 250:1. وهذا ليس مجرد رقم، بل هو معادلة إفلاس بطيء.
والنتيجة؟ مخزون أمريكا من الاعتراضيات ينضب بمعدل ينذر بالخطر. التقديرات تشير إلى أن المخزون الأمريكي بأكمله قد ينفد خلال 4 – 5 أسابيع فقط.
هذا هو “سقف الاعتراضيات” الذي تحدث عنه المحللون العسكريون: الجيش الأمريكي لا ينفد منه المال، بل ينفد منه المعدات التي يحتاجها للبقاء في القتال.
الخسائر البشرية والمادية بين التصريحات والواقع
بينما يرفع ترامب شعارات النصر، تتحدث الأرقام بلغة مختلفة. وما اعلن عنه من مقتل 13 جندياً أمريكياً، وإصابة 200 آخرين لا تغطي المشهد الحقيقي، فالأرقام أكبر بكثير.
يضاف إلى ذلك تعرض طائرات F-15 وF-35 لأضرار بالغة. كلفة طائرة F-35 واحدة اضطرت للهبوط الاضطراري تقدر بنحو 100 مليون دولار .
ونحو خمس بطاريات THAAD على الأقل منتشرة في المنطقة تم إصابة جميعها، وتعطلت أنظمة رادار AN/TPY-2، التي تعتبر من الأكثر تطوراً في المخزون الأمريكي.
لكن المال ليس كل شيء، فقد كُسر شرف أمريكا.. وانهارت صورة الردع الأكثر كلفة
لعل الأكثر إحراجاً لواشنطن هو أن القوات الأمريكية اضطرت للانسحاب من قواعدها الأمامية إلى مواقع أكثر بعداً في المحيط الهندي وشرق المتوسط، مما قلص معدل طلعاتها الجوية بنسبة 35 – 50%. هذا الانسحاب القسري لم يعلن عنه ترامب، لكنه واقع أثبته الاستهداف اليومي للقواعد.
ولكم أن تتخيلوا نظرة اتباع أمريكا وهم يشاهدونها تموء من بعيد كالقطط بعد أن كانت قديماً تزمجر.
وبينما كانت الأنظار متجهة إلى إيران، كان “حزب الله” يمارس دوره الطبيعي، والعالم يشاهد مقاومة الوعد الصادق تتعافى وتثور كبركان في وجه الصهاينة.
العمليات العسكرية لحزب الله لم تتوقف لحظة واحدة، وأثخنت في القوات الإسرائيلية قتلاً وتدميراً للمعدات.
أما الكيان الصهيوني نفسه، فدخل الحرب تحت وطأة 55 مليار دولار من الإنفاق الحربي من عام 2025، ويقدر خبراء الاقتصاد أن كلفتها في هذه الحرب وحدها بلغت نحو 25 مليار دولار إضافية.
صندوق التعويضات الإسرائيلي لم يتبق منه سوى 2.9 مليار دولار، مما يعني أن إسرائيل تواجه “ضغطاً مالياً”. وهذا يفسر لماذا كان نتنياهو وسموتريتش يشحتان الأموال علناً.
العزلة الدولية وصورة أمريكا المنهارة
أكثر المشاهد إحراجاً لترامب لم تكن في ساحات القتال، بل في قنوات الدبلوماسية. طلب ترامب من 7 دول إرسال سفن لفتح مضيق هرمز.
والنتيجة: رفضت بريطانيا وفرنسا والصين واليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا.
الرئيس الصيني لم يرسل سفينة واحدة.
رئيس الوزراء الياباني قال بكل وضوح: “لا نملك خططاً لإرسال أي سفن”.
وزير أسترالي رد: “هذا ليس شيئاً يطلب منا أو نساهم فيه”.
حتى حلفاء الناتو خذلوه.
المستشار الألماني استبعد المشاركة العسكرية، مشدداً على أن الناتو “تحالف دفاعي” وليس “تحالف تدخل”.
وزيرة الدفاع الفرنسية كاثرين فوتران قالت إن باريس تفضل المبادرات الدبلوماسية.
مبعوثة الاتحاد الأوروبي كايا كالاس صرحت بعد اجتماع وزراء خارجية الدول الـ27: “لا توجد شهية لدى الاتحاد الأوروبي للانضمام إلى تحالف ترامب. هذه ليست حرب أوروبا”.
عندما يَئِس ترامب من الإقناع، انتقل للتهديد. قال إن مستقبل الناتو سيكون “سيئاً جداً” إذا لم يساعد الحلفاء.
وصف الناتو أنه “نمر من ورق”. لكن التهديدات لم تغير شيئاً. صحيفة “لاريبوبليكا” الإيطالية وصفت المبادرة الأمريكية بأنها “مهمة مستحيلة”. الإعلام الفرنسي قال إن طلب أمريكا هو علامة على استراتيجية فاشلة.
في النهاية، اضطر ترامب للتراجع والقول: “نحن لا نحتاج مساعدة أي شخص!”. لكن.. الجميع كان يعلم أن هذه الكلمات مجرد غطاء للهزيمة الدبلوماسية.
وهنا تأتي المفاجأة التي فضحت التبعية العربية.
منذ 28 فبراير، تعرضت القواعد العسكرية والمصالح الأمريكية في دول الخليج لـ4,391 هجوماً إيرانياً بالصواريخ والمسيرات.
الإمارات كانت الأكثر تضرراً بـ2,156 هجوماً استهدف مطار دبي الدولي وميناء جبل علي ونخلة جميرا.
الكويت اعترفت رسمياً ب 709 مسيرات و327 صاروخاً بالستياً و9 صواريخ كروز.
وإيران أعلنت رسمياً أنها تستهدف المنشآت التي تخدم القواعد الأمريكية أو الشركات الأمريكية.
وعندما قصفوا منشآت الطاقة في السعودية، لم يكن ذلك “عدواناً عشوائياً”، بل كان رسالة: “أنتم جزء من الحرب لأن قواعدكم مفتوحة لأمريكا”.
والأدهى أن ترامب قال بعد كل هذا إنه “يمثل دول الشرق الأوسط” في المفاوضات ، معترفاً بأن هذه الدول مجرد أدوات لا صوت لها.
دول الخليج “الحريم، وترامب “المحرم”
حتى بعد الهدنة.. إيران لم تتوقف
أعلن ترامب وقف إطلاق النار في 7 أبريل. بعد ساعات، أطلقت إيران صواريخ باتجاه إسرائيل ودبي والسعودية والبحرين والكويت.
الدفاعات الجوية الإماراتية أعلنت أنها “تتعامل مع ما أسمته اعتداءات صاروخية وطائرات مسيرة قادمة من إيران”.
الرسالة كانت واضحة: حتى في لحظة إعلان “السلام”، إيران هي من تتحكم بالإيقاع، وليس أمريكا.
الاقتصاد العالمي كان يدفع الثمن
إغلاق مضيق هرمز أوقف مرور نحو 20% من إمدادات النفط العالمية، حوالي 20 مليون برميل يومياً.
النتيجة قفزة في أسعار النفط إلى 114 دولاراً للبرميل، وتقديرات تشير إلى أن سقف 220 دولار كان محتملاً لو استمر الإغلاق.
الخسائر في الأسواق العالمية في الأسبوع الأول وحده بلغت 3.5 تريليونات دولار .
الدول التي راهنت على أمريكا كانت الخاسر الأكبر.
اليابان وكوريا الجنوبية، اللتان تعتمدان بشكل شبه كامل على نفط الخليج، شهدتا ارتفاع أسعار الديزل والبنزين بنسبة 50 – 100%. الهند، التي تعتمد على 40% من احتياجاتها النفطية عبر هرمز، تأثرت بشدة.
حتى أوروبا، التي لم تشارك في الحرب، دفعت الثمن: أسعار الديزل ارتفعت 0.50-1.00 يورو لكل لتر.
في المقابل، الصين كانت المستثنى الوحيد: إيران سمحت لناقلاتها بالمرور، الفارق أن الصين لم تكن طرفاً في الحرب لأنها لم تضع قواعدها تحت تصرف أمريكا.
الصورة النهائية لترامب المهزوم
لا يحتاج المرء إلى ذكاء ليرى تناقضات ترامب:
– قال بداية الحرب: “استسلام غير مشروط”. في النهاية: قبل بشروط إيران العشر.
– قال: “سندمر البرنامج النووي”. في النهاية: اعترف بحق إيران في تخصيب اليوبانيوم.
– قال: “نحن ننتصر كل يوم”. في النهاية: أعلن عن وقف إطلاق النار، وإعلام إسرائيل وصفه بـ”الاستسلام”.
– قال: “سألقي بهم في الجحيم”. في النهاية: هو الذي يواجه العزل والهزيمة.
– قال: “سأدير مضيق هرمز مع آية الله”. في النهاية: وافق على أن تفرض إيران رسوماً على مرور السفن.
أضحوكة السياسة الأمريكية
النائب الديمقراطي جيم ماكغفرن سخر منه علناً: “سيتوقف عن قصف إيران من أجل إعادة فتح مضيق هرمز، الذي كان مفتوحاً أصلاً قبل أن يبدأ بقصف إيران.
هذا التصريح وحده يلخص عبقرية الهزيمة.
حتى من حزبه، بدأت أصوات الانتقاد ترتفع. النائب الديمقراطي غريغ لاندسمان، الذي صوت ضد قرار إنهاء التورط العسكري في بداية الحرب، طالب الآن بإنهائها قائلاً: “هذا كان يجب أن يستغرق أسابيع وليس أشهر. تعامل ترامب مع التواصل كان سيئاً للغاية”.
كيف تغيرت معادلة الردع
في 28 فبراير، كانت معادلة الردع: أمريكا تهدد، وإيران تتراجع.
في 7 أبريل، أصبحت المعادلة: إيران تفرض شروطها، وأمريكا تقبل.
العبرة ليست في أن أمريكا خسرت حرباً، بل في أنها خسرتها أمام خصم استعد للوصول إلى أبعد مدى “للضربة النووية” ولم يتراجع.
أمام خصم أيقن أن أمريكا لن تجروء بحرب برية، ولن تتحمل خسائر بشرية فادحة، ولن تبقى في مستنقعٍ بلا حلفاء.
“سيُهزَمُ الجمعُ ويُولُّونَ الدُّبُرَ”
كانت وصفاً دقيقاً لمشهد ترامب وهو يعلن “الهدنة” بينما صواريخ إيران لا تزال تتساقط على حلفائه.بينما كان الإيرانيون يحتفلون في شوارع طهران بما وصفوه “نصراً تاريخياً”.
أمريكا رُكّعت، ليس فقط أمام إيران، بل أمام حقيقة أن زمن الهيمنة الأحادية قد ولى، وأن معادلة الردع الجديدة في المنطقة لم تعد تُكتب في واشنطن.
#عبدالرحمن_العابد
Comments are closed.