دويلات الخليج في وجه المدفع
يمني برس || مقالات رأي:
لا شك أن الخاسر الأكبر من الحرب العدوانية الظالمة على إيران، من الناحية السياسية والأمنية، هي دول مجلس التعاون الخليجي باستثناء سلطنة عمان، والسبب أنها – إن صحت تسميتها دولاً – قد ظلت تراهن على أمريكا عقوداً من الزمن، وتعتقد بأنها أصبحت تحت حمايتها وفي مأمن من أية أخطار قد تطالها، طالما وهي تسير في فلكها.
ومن شدة ثقتها المطلقة بأمريكا، استعدت كل من حولها ولم تبق لها صديقاً واحداً من ذوي القربى، منفذة للسياسة الأمريكية العدائية ضد من يعترض عليها بكل حذافيرها، بل وسخرت كل ثرواتها لإنفاقها من أجل تحقيق أهدافها الخبيثة، غير مدركة أن رهن نفسها في خدمة أمريكا قد لا يشكل لها حماية، وإنما يضعها في مرمى من يكن لها العداء نتيجة لما تقوم به من أفعال ارتدت إليها في هذه الحرب كسهام ملتهبة أثرت على مصالح شعوبها وكشفت عن سوءاتها.
ومن المفارقات أن دول الخليج كانت ولا زالت تنظر إلى القواعد العسكرية الأمريكية الموجودة في أراضيها كطوق يمنع عنها أي أذى، رغم كل التحذيرات التي وجهت لها ممن يحبون لها ولشعوبها الخير، طالبة منها ألا تضع كل ثقلها في الحضن الأمريكي وتسمح له بابتزازها، خاصة في عهد المعتوه ترمب، الذي لم يبق لها شيئاً من السيادة في اتخاذ قرارها، مستبيحاً منها كل ما يريده دون اعتراض، لدرجة أنه خلال زيارة قصيرة لها في فترة سابقة استمرت ثلاثة أيام، حصد من ثرواتها خمسة تريليونات دولار. ولو أنفقت منها هذه الأنظمة الثرية تريليوناً واحداً مساعدة للشعوب الفقيرة في العالم الإسلامي لحلت كل مشاكلها، ولكنها لم تصغِ لأية نصيحة قدمت لها، وضربت بها عرض الحائط، حتى أتى اليوم الذي أصابها فيه ما أصابها، وأصبحت نادمة أشد الندم، وإن لم تظهر ذلك حفاظاً على ماء وجهها أمام شعوبها.
وعندما شن ترمب حربه على إيران في 28 فبراير المنصرم مع شريكه الوقح النتن ياهو، وجدت هذه الدول الخليجية نفسها في فم المدفع، بل ووضعت تحت الإذلال والاستغلال، لأن أمريكا فرضت عليها أن تكون القواعد العسكرية الموجودة في أراضيها منطلقاً للعدوان على إيران، ولم تجرؤ على الاعتراض، على الأقل لتتخذ موقفاً محايداً من هذه الحرب اللعينة يجنبها ما سيترتب عليها من تداعيات ستلحق بها الأذى. ففي الكويت، على سبيل المثال، قال الجانب الأمريكي للكويتي: نحن أصحاب الأمر. وللتأكيد على شراكتها الأساسية في الحرب، رغم تظاهرها بالبراءة والحياد، فقد تم شكرها من قبل ترمب نفسه، ومن قبل قيادة الأركان الأمريكية على ما قامت به من دور، وتم ذكرها بالاسم، وهذا دليل على إقحام نفسها حتى لو لم تكن راضية، ثم تتباكى وتقول إن إيران اعتدت عليها.
وعليه، فإن الدول الخليجية، وفي مقدمتها السعودية، سيكون وضعها مختلفًا تمامًا عقب انتهاء العدوان على إيران وتحقيق السلام في المنطقة؛ فلا أمريكا سيكون لها وجود في أراضيها كما كان قبل الحرب، ولا إيران ستثق فيها بعد أن كشفت عن قبح دورها، وأثبتت أنها من أكبر المحرضين لأمريكا لمواصلة الحرب على إيران حتى إسقاط النظام كما كانوا يحلمون، فشكلت بذلك الوجه الآخر لإسرائيل التي تسعى للتطبيع وتشكيل حلف معها، ولا نعتقد أن هذا المسعى سيتحقق بعد أن خلطت الحرب على إيران كل الأمور وأسقطت أوراق التوت التي كانت دول الخليج الثرية تتستر بها.
إن حرب الأربعين يوماً على إيران، التي دخلت في هدنة يوم الأربعاء الماضي لمدة أسبوعين بوساطة باكستانية ودعم صيني، بعد قبول ترمب للنقاط العشر الإيرانية كأساس للتفاوض، قد تفتح الطريق للوصول إلى تحقيق السلام إذا ما حسنت النيات ولم تتراجع الإدارة الأمريكية كعادتها في الخداع، وهو ما يعد انتصاراً لإيران انعكس سلباً على قادة الكيان الصهيوني، فقاموا بصب جام غضبهم على لبنان، حيث دمروا البنية التحتية في مناطق كثيرة من لبنان، بما فيها بيروت العاصمة، وذلك في نفس يوم إعلان الهدنة، وقتلوا وجرحوا المئات من المواطنين الأبرياء، وكل ذلك بهدف تخريب الوساطة الباكستانية، لأن ترمب أدرك بأن نتنياهو خدعه بتوريطه في هذه الحرب العدوانية التي رفضها رؤساء سابقون. وقد أكد هذه الحقيقة جون كيري، وزير الخارجية الأسبق، عندما قال في تصريح له: “إن الرؤساء الثلاثة بوش وأوباما وبايدن رفضوا سابقاً طلب نتنياهو مهاجمة إيران، بينما الوحيد الذي وافق هو الرئيس ترمب”. ولا شك أن سبب قبول ترمب بشن الحرب على إيران يتمثل في نقاط الضعف التي يهدده بها جهاز الموساد الصهيوني، والكشف عنها إذا لم ينصع لطلب النتن ياهو، وقد فضل ترمب التورط وربما التضحية بمستقبله السياسي وخضوعه للمحاسبة، لخطورة ما يهدده به الموساد والكشف عنه، فوضعه تحت ذلة مفروضة عليه من نتنياهو.
بقلم/احمد الشريف*
Comments are closed.