حرب الابادة تضرب عمق الاستقرار النفسي والاجتماعي داخل الأسر الفلسطينية في قطاع غزة
يمني برس | لا تتوقف آثار حرب الإبادة في قطاع غزة عند حدود التدمير المادي والجسدي، بل تمتد لتضرب عمق الاستقرار النفسي والاجتماعي داخل الأسرة الفلسطينية، والتي عانت على مدار قرابة ثلاثة أعوام من ضغوط حياتية ومعيشية غير مسبوقة.
ففي قراءة تخصصية للأبعاد الكارثية لاستمرار الحرب، صرحت المختصة في الصحة النفسية، تغريد شعفوط، لوكالة الأنباء اليمنية (سبأ) بأن الأسر في قطاع غزة تعيش منذ سنوات طويلة تحت ضغوط نفسية وحياتية متراكمة، تفاقمت بشكل هائل بسبب الحرب والنزوح وفقدان الأمان والاضطرابات الاقتصادية المستمرة، ما أدى لمشاكل اجتماعية وأُسرية متراكمة ومعقدة.
وقالت شعفوط: “إن الدماغ في قطاع غزة يعيش في حالة استنفار دائم ومستمر لمحاولة النجاة وتلبية الاحتياجات الأساسية، وبسبب هذا الضغط النفسي الكبير الذي يعيشه الآباء والأمهات، نلاحظ تراجعاً كبيراً في قدرتهم على تقديم الاحتواء العاطفي لأبنائهم، ليس لغياب الحب، بل بسبب الإنهاك النفسي”.
وأكدت شعفوط أن “التفكك الأسري يجعل الأسرة هشّة جداً وفاقدة للقدرة على مواجهة الصعوبات الحياتية.. وفي ظل هذه الظروف القاسية أصبحت الأسر شبيهة بالبيت المهدّم أو الهش جداً، وفقد الجميع -كباراً وصغاراً- القدرة على تحمل الضغوطات الحياتية”.
وتابعت المختصة في الصحة النفسية: “عندما يعيش الإنسان تحت ضغط نفسي مستمر، يصبح تركيزه منصبّاً فقط على تلبية الاحتياجات الأساسية والتعامل معها، مما يقلل من قدرته على التخطيط للمستقبل أو التفكير بهدوء ومنطقية”.
وحذرت شعفوط من التبعات السلوكية المباشرة لهذا القلق المستمر، موضحة أن القلق الدائم من المستقبل يزيد من مشاعر الخوف والتوتر، وينعكس مباشرة على أسلوب التعامل مع الآخرين؛ مما يؤدي إلى سرعة الانفعال، وتبني نظرة تشاؤمية للمستقبل، وصعوبة بالغة في حل المشكلات واتخاذ القرارات داخل الأسرة.
شهادة من الميدان.. عصبية زائدة وارتفاع نسب الطلاق
تنعكس هذه التصريحات التخصصية بشكل جلي وصادم على أرض الواقع في غزة؛ فلا تكاد تخلو أي رحلة انتقال من مكان لآخر في القطاع المدمر إلا وتلاحظ بعض الرجال يصرخون في أطفالهم أو زوجاتهم نتيجة لسوء الحال وعدم القدرة على التحمل أكثر.
ويروي المواطن عماد أبو هاشم لمراسل وكالة الأنباء اليمنية (سبأ) تفاصيل المعاناة اليومية المشحونة قائلًا: “الناس في غزة وصلت لمرحلة مش قادرة تتحمل فيها أي كلمة، العصبية الزائدة والتوتر صاروا هما السمة العامة في الشارع والبيوت”.
وأضاف أبو هاشم: الضغط المستمر، وقلة سبل العيش، والنزوح المتكرر خلّت النفوس مشحونة على الآخر، وما عاد فيه قدرة على استيعاب المزيد من الضغوطات.”
وحول انعكاس هذا الوضع على الاستقرار الأُسري، أكد أبو هاشم أن هذا الضغط النفسي الهائل انعكس بشكل مباشر على العلاقات الزوجية.
وأوضح: “للأسف، المحاكم اليوم بتشهد ارتفاع مخيف وغير مسبوق في حالات الطلاق، البيوت بتتفكك ؛ لأن الرابط الأسري أنهار تحت ثقل المشاكل المعيشية والنفسية اللي بنعيشها كل ثانية”.
ويأتي ذلك في وقت خلّفت فيه حرب الإبادة الجماعية المتواصلة على قطاع غزة كارثة بشرية وديموغرافية غير مسبوقة في التاريخ الحديث، حيث أسفرت الحصيلة الدامية عن ارتقاء أكثر من 71 ألف شهيد، وإصابة ما يزيد عن 171 ألف جريح، فضلاً عن وجود آلاف المفقودين تحت الأنقاض.
وترافق هذا النزيف البشري الحاد مع تهجير قسري ونزوح متكرر لقرابة مليوني مواطن طُردوا من منازلهم ليعيشوا في خيام ومراكز إيواء تفتقر للحد الأدنى من مقومات الحياة والأمان المائي والغذائي، مما أدى إلى انخفاض إجمالي عدد سكان القطاع بنسبة تجاوزت 10.6% نتيجة القتل والتهجير وتدهور الرعاية الصحية والانهيار شبه الكامل للمنظومة الطبية.
وعلى الصعيد المادي، تعرضت البنية التحتية والعمرانية في القطاع لعملية تدمير ممنهجة طالت ما بين 81% إلى 90% من إجمالي المباني والمنشآت الحيوية. وشمل هذا الدمار الشامل تدمير أغلب شبكات الطرق، والمستشفيات، والمساجد، والمدارس، والجامعات، بالإضافة إلى تجريف وتدمير أكثر من 94% من الأراضي والمزارع وشبكات المياه والكهرباء.
وقد تسبب هذا الشلل الاقتصادي التام في انكماش الناتج المحلي الإجمالي لغزة بنسبة مرعبة بلغت 84%، مع ارتفاع معدلات البطالة إلى نحو 78%، في حين تُقدّر تقارير الأمم المتحدة والجهات الحكومية الخسائر الاقتصادية المباشرة وتكلفة إعادة الإعمار الأولية بنحو 70 مليار دولار أمريكي.
Comments are closed.