انخفاض تاريخي في غاز السعودية.. صادرات ينبع من الغاز تتهاوى بنسبة 69%
انخفاض تاريخي في غاز السعودية.. صادرات ينبع من الغاز تتهاوى بنسبة 69%
يمني برس – تقرير – كامل المعمري
بعد سنوات من العدوان والحصار والضغوط الاقتصادية المفروضة على اليمن، تبدو العمليات البحرية اليمنية اليوم جزءاً من معادلة ردع جديدة تسعى إلى نقل كلفة الصراع إلى الطرف الذي يمتلك الموانئ والمنشآت النفطية وطرق التصدير الحساسة.
وفي مؤشر واضح إلى فاعلية هذا الضغط، أفادت خدمة معلومات أسعار النفط «أوبيس» OPIS بأن عمليات تحميل غاز البترول المسال في محطة ينبع التابعة لأرامكو السعودية تباطأت منذ أواخر يوليو/تموز، في ظل حالة عدم اليقين التي أعقبت الهجمات اليمنية على السفن في البحر الأحمر.
ووفقاً لمصادر في قطاع الشحن نقلت عنها الوكالة، كانت ناقلة الغاز العملاقة «نيويورك لورد» آخر سفينة معروفة حمّلت شحنة من ينبع في 28 يوليو/تموز، قبل أن تغير مسارها شمالاً عبر قناة السويس لتجنب المنطقة التي باتت شركات الملاحة تصنفها عالية الخطورة.
وتشير «أوبيس» إلى عدم تسجيل شحنات جديدة من ينبع بعد ذلك التاريخ، وإلى غياب مناقشات تجارية جديدة لترتيب شحنات إضافية من المحطة.
وتكشف هذه المعطيات أن تأثير العمليات اليمنية لا يتوقف عند حدود إصابة سفينة أو تهديد مسار بعينه، بل يمتد إلى تعطيل القرارات التجارية ذاتها، إذ يصبح مجرد احتمال الاستهداف كافياً لدفع الناقلات إلى تغيير مسارها، وإجبار الشركات على مراجعة جداول التحميل، ورفع تكاليف التأمين والنقل.
ولا يعني ذلك بالضرورة أن ميناء ينبع خرج كلياً من الخدمة، لكنه يعني أن المحطة لم تعد تعمل بالمرونة نفسها التي كانت تتمتع بها قبل التصعيد. ومن منظور اقتصادي، قد يكون توقف التجار عن مناقشة شحنات جديدة أكثر دلالة من توقف تقني مؤقت، لأن السوق يتحرك وفق تقدير المخاطر المستقبلية، ولايكتفي بسلامة الأرصفة والأنابيب في لحظة محددة فقط.
وتزداد أهمية هذا التطور لأن ينبع كانت تمثل المنفذ البديل الذي تعتمد عليه السعودية لتعويض النقص الناتج عن تعطل صادرات غاز البترول المسال من منشأة الجعيمة على الساحل الشرقي. وبعد توقف الجعيمة في فبراير/شباط، رفعت محطة ينبع عمليات التحميل إلى نحو خمس أو ست شحنات شهرياً، لتتحول من منفذ احتياطي إلى ركيزة رئيسية في شبكة التصدير السعودية.
لكن التصعيد في البحر الأحمر أصاب هذا البديل نفسه. فقد نقلت «أوبيس» عن بيانات شركة «فورتيكسا» أن صادرات غاز البترول المسال من ينبع تُقدّر بنحو 91.5 ألف طن في أغسطس/آب، مقارنة بـ296.9 ألف طن في يوليو/تموز، أي بانخفاض يقترب من 69%. وهذا التراجع الحاد يمنح العمليات اليمنية وزناً يتجاوز بعدها العسكري، لأنها باتت تؤثر في قدرة الرياض على استخدام ساحلها الغربي بوصفه ممراً آمناً لتجاوز أزمات الخليج ومضيق هرمز.
وكانت خمس شحنات قد حُمّلت من ينبع خلال يوليو/تموز، إلا أن معظمها غادر في النصف الأول من الشهر، قبل تصاعد الهجمات اليمنية ويشير ذلك إلى أن الانخفاض لم ينتج عن ضعف الطلب وحده، وانما ارتبط بتغير البيئة الأمنية بعد إعلان الجيش اليمني توسيع نطاق عملياته البحرية ضد المصالح السعودية.
ومن منظور صنعاء يمثل هذا التطور ترجمة عملية لرسالتهم السياسية القائلة إن استمرار الحصار المفروض على اليمن لن يبقى بلا ثمن واليمن تؤكد أنها اضطرت إلى استخدام الضغط البحري بعدما رفضت السعودية الاستجابة لمطالب تتعلق بفتح المطارات والموانئ، وصرف المرتبات، وتمكين اليمن من موارده السيادية، ومعالجة الملفات الإنسانية والأسرى.
وبذلك تسعى صنعاء إلى فرض معادلة تقوم على أن أمن الصادرات السعودية لا يمكن فصله عن رفع القيود المفروضة على اليمن.
ولم يقتصر الأثر على محطة ينبع. فقد أفادت «أوبيس» أيضاً بتراجع المناقشات المتعلقة بنقل الشحنات من سفينة إلى أخرى منذ منتصف يوليو/تموز، بالتزامن مع تصاعد التوترات الإقليمية. واضطر المشترون الآسيويون إلى الاعتماد بدرجة أكبر على مناقصات التسليم التي تصدرها مؤسسة البترول الكويتية، بحيث تنتقل مخاطر الشحن من المشترين إلى البائعين.
وأصدرت المؤسسة الكويتية مناقصة واحدة في أواخر يونيو/حزيران وسبع مناقصات خلال يوليو/تموز، ثم طرحت أول مناقصاتها في أغسطس/آب لشحنة من غاز البترول المسال تزن 44 ألف طن، مخصصة للتسليم في النصف الثاني من الشهر ضمن نطاق الأسواق الممتدة بين سنغافورة واليابان.
ويعكس هذا التحول بداية إعادة ترتيب إقليمية في سوق غاز البترول المسال، بعدما تراجعت مرونة الإمدادات السعودية وأصبح المشترون أكثر حذراً تجاه الشحنات المرتبطة بالبحر الأحمر.
وقد ظهرت الضغوط بصورة مباشرة في أسعار أرامكو السعودية لشهر أغسطس/آب، إذ رفعت الشركة سعر البروبان إلى 620 دولاراً للطن، مقابل 580 دولاراً في يوليو/تموز، كما رفعت سعر البيوتان من 600 إلى 640 دولاراً للطن.
وفسر مشاركون في السوق هذه الزيادة بتزامن ثلاثة عوامل: تعطل منشأة الجعيمة، وتباطؤ التحميل في ينبع، وانخفاض عمليات نقل الغاز من سفينة إلى أخرى.
وبذلك لا يقتصر أثر الضغط اليمني على حركة السفن،فقط فقد انتقل إلى الأسعار والعقود والأسواق الآسيوية والصناعات البتروكيميائية التي تعتمد على البروبان والبيوتان الخليجيين.
وهذا ما يمنح العمليات البحرية بعداً اقتصادياً واسعاً، إذ إن الهجوم أو التهديد لا يحتاج إلى إيقاف جميع السفن حتى يحقق أثراً ملموساً؛ يكفي أن يدفع الشركات إلى رفع تكاليفها، وأن يقلص مرونة التصدير، وأن يفرض علاوة مخاطر جديدة على الأسواق.
وتشير توقعات «فورتيكسا» إلى أن إجمالي صادرات غاز البترول المسال في الشرق الأوسط قد يبلغ نحو 1.73 مليون طن في أغسطس/آب، مقارنة بمتوسط شهري كان يتراوح بين 3.5 و4 ملايين طن قبل النزاع. ويعني ذلك انخفاضاً يقترب من النصف أو يتجاوزه، بما يكشف هشاشة منظومة الطاقة الإقليمية أمام اتساع رقعة المواجهة.
ولا تبدو الضغوط محصورة في ناقلات الغاز، إذ أظهرت بيانات بحرية تراجعاً في عمليات تحميل النفط الخام من ينبع، مع لجوء بعض السفن إلى إطفاء أجهزة التعريف الآلي عند الاقتراب من الميناء. كما بدأت شركات الشحن تبحث عن مسارات أكثر تعقيداً، من بينها نقل النفط عبر خط «سوميد» المصري من العين السخنة إلى سيدي كرير على البحر المتوسط، ثم إعادة شحنه حول رأس الرجاء الصالح نحو الأسواق الآسيوية.
غير أن هذا المسار البديل يفرض كلفة إضافية على الرياض، لأنه يطيل زمن الرحلة ويزيد استهلاك الوقود ورسوم التأمين واستئجار الناقلات، كما يتطلب عمليات تفريغ وإعادة تحميل. وهكذا نجح التهديد البحري اليمني في دفع جزء من الصادرات السعودية إلى طرق أطول وأكثر كلفة، حتى من دون إغلاق كامل للموانئ أو تدمير واسع للمنشآت.
ومن هذه الزاوية، تعكس عمليات البحر الأحمر تغيراً في ميزان الردع. فبعدما كانت السعودية قادرة على التأثير في الاقتصاد اليمني من خلال السيطرة على حركة الموانئ والمطارات والتحويلات والإيرادات، باتت صنعاء تمتلك وسيلة ضغط مقابلة تستهدف العصب الأكثر حساسية في الاقتصاد السعودي، أي صادرات الطاقة ومساراتها البحرية.
ولا يزال من المبكر القول إن استراتيجية التصدير السعودية انهارت بالكامل، فالمملكة تمتلك بنية تحتية واسعة وقدرة على تعديل المسارات واستخدام خطوط الأنابيب والموانئ البديلة.
إلا أن ما حدث في ينبع يثبت أن هذه البدائل ليست محصنة، وأن أمنها يعتمد بدرجة كبيرة على التوصل إلى تسوية سياسية في اليمن، لا على الإجراءات العسكرية والتأمينية وحدها.
وبينما تحاول الرياض وشركات الشحن احتواء التداعيات، تبدو الرسالة اليمنية واضحة: لا يمكن أن تستمر الملاحة السعودية بصورة طبيعية فيما يبقى اليمن تحت الحصار والقيود الاقتصادية. وفي حال استمر تجاهل المطالب اليمنية، فقد تتحول الضغوط الحالية من تباطؤ محدود في الشحن إلى إعادة هيكلة أوسع لمسارات الطاقة والتأمين والتجارة في المنطقة.
وعليه، فإن الأهمية الحقيقية لما يحدث هو تحويل البحر الأحمر إلى ورقة ضغط استراتيجية على السعودية. لقد باتت تكلفة استمرار الأزمة تُقاس الآن بأيام الرحلات الإضافية، وملايين الدولارات من رسوم التأمين، وانخفاض الصادرات، وارتفاع أسعار الغاز، وتراجع ثقة الناقلين في المسارات السعودية.
وبهذا المعنى، فإن تباطؤ تحميل غاز البترول المسال في ينبع يمثل نتيجة أولية لمعادلة جديدة فرضها اليمنيون: رفع الحصار عن اليمن ومعالجة ملفاته الاقتصادية والإنسانية، أو مواجهة اضطراب مستمر في الممرات التي تعتمد عليها السعودية لتصدير نفطها وغازها إلى العالم.
Comments are closed.