أكثر من 15 مليار دولار خسائر.. العدوان والحصار السعودي يفتكان بالقطاع السمكي اليمني ويحوّلان البحر الأحمر إلى ساحة عسكرية
يمني برس || تقرير_ خاص:
لم يكن القطاع السمكي اليمني بمنأى عن تداعيات العدوان والحصار السعودي الأمريكي الإماراتي الإسرائيلي، بل كان واحداً من أكثر القطاعات الاقتصادية والإنتاجية تعرضاً للاستهداف المباشر وغير المباشر، في محاولة ألحقت أضراراً واسعة بمصادر رزق آلاف الصيادين، وأضعفت مقومات الأمن الغذائي، واستنزفت مورداً وطنياً كان يمثل أحد أهم روافد الاقتصاد اليمني.
وعلى مدى سنوات العدوان والحصار الـ12 الماضية، تحولت السواحل والمياه الإقليمية اليمنية إلى مسرح للعمليات العسكرية والملاحقة والاعتقال والاستهداف، بالتوازي مع تدمير المنشآت السمكية وفرض القيود على حركة الصيادين، وفتح المجال أمام عمليات صيد جائر ونهب منظم للثروة البحرية، الأمر الذي أنتج خسائر اقتصادية وإنسانية وبيئية هائلة.
15 مليار دولار.. فاتورة مباشرة وغير مباشرة للدمار:
تكشف الأرقام الرسمية حجم الكارثة التي لحقت بالقطاع السمكي؛ إذ أكد وزارة الزراعة والثروة السمكية والموارد المائية في تقرير لها: أن الخسائر المباشرة وغير المباشرة للقطاع السمكي في اليمن تجاوزت 15 مليار دولار.
وبحسب التقرير فقد توزعت هذه الخسائر بين تدمير البنية التحتية، وتعطيل عمليات الاصطياد والإنتاج، وفقدان عوائد التصدير، وتوقف مشاريع استثمارية تقدر قيمتها بنحو ملياري دولار فضلاً عن مليارات الدولارات الناجمة عن أعمال الصيد الجائر والمنظم التي مارستها سفن أجنبية في المياه الإقليمية اليمنية.
ولم تكن الخسارة اقتصادية فحسب، بل امتدت إلى سلسلة القيمة الكاملة للقطاع، من الصياد وميناء الإنزال، مروراً بالنقل والتخزين والتصنيع، وصولاً إلى الأسواق المحلية والخارجية.
العدوان استهدف 11 ميناءً ومركز إنزال سمكي:
ووفق التقرير فقد استهدف العدوان السعودي بصورة مباشرة مقومات البنية التحتية للقطاع السمكي، حيث طال القصف نحو 11 ميناءً ومركز إنزال سمكي من أبرزها ميناء الاصطياد في محافظة الحديدة.
كما تعرضت مختبرات الجودة ومنشآت التصدير ومرافق خدمية وإنتاجية أخرى لأضرار بالغة، ما أدى إلى إضعاف قدرة القطاع على استقبال الإنتاج وحفظه وتسويقه وتصديره، ورفع كلفة العمليات السمكية في وقت كان فيه الصيادون يواجهون أصلاً أعباء الحرب والحصار وارتفاع أسعار الوقود.
وأدى تدمير هذه المنشآت إلى تعطيل جزء مهم من دورة الإنتاج السمكي، وقلّص فرص الاستثمار والتصنيع المحلي، وحرم الاقتصاد الوطني من عوائد كان يمكن أن تسهم في دعم الخزينة العامة وتحسين الأمن الغذائي.
أكثر من 490 صياداً بين شهيد وجريح:
لم يتوقف الاستهداف عند المنشآت والمرافق، بل امتد إلى الصيادين أنفسهم، الذين وجدوا أنفسهم في مواجهة مباشرة مع المخاطر في عرض البحر.
وبحسب البيانات الواردة في التقرير، أسفرت الاعتداءات عن استشهاد أكثر من 272 صياداً وإصابة أكثر من 214 آخرين بما يرفع عدد الضحايا إلى أكثر من 486 شهيداً وجريحاً فضلاً عن جرائم الاعتقال والاختطاف والملاحقة.
ومن بين أبشع الوقائع التي شهدتها السواحل اليمنية مجزرتا عقبان وكدمان في أكتوبر 2015م اللتان أودتا بحياة نحو 100 صياد، في واحدة من أكثر الجرائم دموية بحق العاملين في مهنة الصيد.
1458 قارباً محتجزاً و493 قارباً تعرض للقصف:
تكشف بيانات الفترة الممتدة بين 2015 و2023 عن نمط واسع من الانتهاكات التي طالت الصيادين وقواربهم، حيث سُجلت نحو 1458 حالة احتجاز للقوارب، و181 حالة اعتراض فيما تعرض 493 قارباً للقصف المباشر.
كما تضرر 571 بحاراً في حين أدت تداعيات العدوان والقيود المفروضة على المناطق الساحلية إلى تهجير نحو 50 ألف شخص من مناطقهم، وفقدان أكثر من 21 ألفاً و600 شخص لمصادر دخلهم الأساسية.
وتعني هذه الأرقام أن الضرر لم يصب الصياد وحده، وإنما امتد إلى أسرته والمجتمع الساحلي بأكمله، خصوصاً أن الصيد يمثل المصدر الرئيسي للدخل بالنسبة لآلاف الأسر اليمنية.
العدوان السعودي يعسكر البحر الأحمر:
واحدة من أخطر تداعيات العدوان تمثلت في عسكرة المياه الإقليمية اليمنية وتحويل أجزاء واسعة منها إلى مناطق شديدة الخطورة على الصيادين، في وقت بات فيه الوصول إلى مناطق الاصطياد محفوفاً بالمخاطر.
وبحسب المعطيات الواردة، استُخدمت الثروة السمكية لخدمة القوات الأجنبية الموجودة في المنطقة، في الوقت الذي مُنع فيه الصياد اليمني من الوصول بحرية إلى مناطق رزقه، وتعرض للملاحقة والاحتجاز والاستهداف.
وتشكل هذه الممارسات، وفق ما يورده القطاع السمكي اليمني، صورة من صور الخنق الاقتصادي الذي يستهدف مصدر رزق مباشر لمئات الآلاف من اليمنيين، ويحول دون استفادة البلاد من ثروتها البحرية لصالح اقتصادها الوطني.
نهب منظم للثروة البحرية وتدمير للبيئة:
لم تقتصر تداعيات عسكرة البحر على الجانب الأمني والاقتصادي، بل امتدت إلى البيئة البحرية نفسها.
فقد أسهمت أنشطة السفن الأجنبية والمرتبطة بالقوى المتدخلة في المنطقة، وفق المعطيات الواردة، في جرف الشعاب المرجانية واستنزاف المخزون السمكي والتخلص من مخلفات ملوثة في المياه الإقليمية، بما يهدد التوازن البيئي البحري ويقوض قدرة المصائد الطبيعية على التجدد.
وفي الوقت ذاته، أدى السماح لسفن أجنبية بممارسة الصيد الجائر وغير القانوني والمنظم إلى استنزاف جزء من الثروة البحرية اليمنية، في ظل حرمان الصياد المحلي من الوصول الآمن إلى مناطق الاصطياد.
وهنا تتجاوز القضية مجرد خسائر آنية، لتتحول إلى خطر طويل الأمد على المخزون السمكي والبيئة البحرية وحق الأجيال القادمة في الاستفادة من الموارد الطبيعية لبلادها.
83.7% نسبة التراجع في الصادرات السمكية:
انعكس تدمير الموانئ والحصار والمخاطر البحرية بصورة مباشرة على التجارة الخارجية للقطاع.
فقد تراجعت الصادرات السمكية بنسبة بلغت 83.7 بالمائة لتنخفض من 46 ألفاً و300 طن عام 2014م إلى نحو 7521 طناً فقط عام 2025م.
وتكتسب هذه الخسارة أهمية استثنائية بالنظر إلى أن المنتجات السمكية كانت تمثل ثاني أكبر مصدر للصادرات الوطنية بعد النفط والغاز وكانت الأسواق الخارجية تستوعب أكثر من 60 بالمائة من الإنتاج السمكي اليمني، بما فيها أسواق السعودية.
ويمثل هذا الانهيار في الصادرات ضربة مزدوجة للاقتصاد اليمني، إذ يحرم البلاد من النقد الأجنبي من جهة، ويضعف دورة الإنتاج والتصنيع والتسويق من جهة أخرى.
استهداف المنتج المحلي وإغراق السوق بالمنتجات المستوردة:
وفي مفارقة اقتصادية لافتة، يواجه المنتج السمكي اليمني تحدياً إضافياً يتمثل في تدفق المنتجات البحرية المصنعة إلى السوق المحلية، وعلى رأسها التونة المعلبة في وقت يمتلك فيه اليمن إمكانات بحرية كبيرة تؤهله لتطوير صناعة وطنية متقدمة في مجال تصنيع وتعليب المنتجات السمكية.
ويعكس هذا الوضع فجوة كبيرة في الصناعات التحويلية، إذ إن تصدير المواد الخام أو المنتجات غير المصنعة يحرم الاقتصاد من القيمة المضافة، بينما يؤدي استيراد المنتجات المصنعة إلى إضعاف المنتج المحلي وتقليص فرص توطين الصناعات السمكية.
الصياد اليمني.. الحلقة الأضعف في اقتصاد الحرب:
خلف هذه الأرقام يقف واقع معيشي قاسٍ يعيشه مئات الآلاف من الصيادين وأسرهم، بعدما تراجعت فرص العمل وارتفعت تكاليف الإنتاج بصورة حادة.
فالارتفاع الكبير في أسعار الوقود، وصعوبة الوصول إلى مناطق الصيد، وارتفاع تكلفة تشغيل القوارب وشراء مستلزمات الإنتاج، كلها عوامل ضاعفت كلفة الرحلات البحرية، ودفعت آلاف الأسر إلى دائرة من الديون والعجز المالي.
وفي المقابل، تراجعت المداخيل الشهرية للصيادين إلى مستويات متدنية لا تكفي لتغطية الاحتياجات الأساسية، لتتحول مهنة كانت توفر دخلاً مستقراً لآلاف الأسر إلى مصدر متزايد للمخاطر والخسائر.
تراجع الجمعيات السمكية وتغول الوسطاء:
ولم تسلم الجمعيات السمكية من تداعيات الأزمة، بعدما كانت تشكل لسنوات شبكة اقتصادية واجتماعية داعمة للصيادين.
وأدى شح التمويل وأزمة السيولة إلى إضعاف قدرة هذه الجمعيات على توفير الخدمات والمستلزمات، ما فتح المجال أمام الوسطاء وتجار الجملة لفرض شروطهم على السوق وسلاسل التوريد، وتحميل الصياد الجزء الأكبر من الخسائر.
وبذلك وجد الصياد نفسه محاصراً بين ارتفاع تكاليف الإنتاج من جهة، وضعف قدرته على تسويق إنتاجه والحصول على سعر عادل من جهة أخرى.
39.5 ألف طن.. القطاع السمكي يواصل الصمود
ورغم حجم الأضرار، لم يتوقف القطاع السمكي عن الإنتاج، بل واصل الصيادون العمل في ظروف بالغة الصعوبة، محافظين على أحد أهم مصادر الأمن الغذائي في البلاد.
وبحسب البيانات الواردة، بلغ إنتاج الصيد التقليدي في البحر الأحمر خلال عام 2025م نحو 39 ألفاً و549 طناً بقيمة بلغت 33 ملياراً و212 مليون ريال، وهو ما يعكس حجم الإمكانات التي لا يزال القطاع يحتفظ بها رغم سنوات الحرب والحصار.
كما شهدت السنوات الأخيرة خطوات لإعادة تنشيط القطاع وفق منهج سلاسل القيمة، شملت تشكيل المجاميع الإنتاجية، وتنفيذ مشاريع القروض الميسرة، وتمكين الصيادين، وتوفير القوارب والمحركات عبر الهيئة العامة للزكاة، إلى جانب إطلاق مشروع الصيد التعاقدي للمساعدة في تصريف الإنتاج ودعم استقرار الأسعار.
إعادة تأهيل ميناء الحديدة والتحول الرقمي:
وفي إطار معالجة آثار الدمار، جرى العمل على تأهيل ميناء الاصطياد في الحديدة وتعميق بوابته البحرية ورصف ساحاته وإنشاء مبانٍ إدارية ومراكز للإنزال.
كما بدأ تنفيذ منظومة للتحول الرقمي في القطاع، تضمنت إصدار رخص الصيادين والتصاريح إلكترونياً، إلى جانب البدء بنظام البيع بالوزن، بما يهدف إلى تنظيم النشاط السمكي وتحسين إدارة الموارد وتعزيز الشفافية في عمليات التداول.
وفي المجال البحثي، أُنجزت دراسات وأدلة علمية لدعم تطوير الاستزراع السمكي والصناعات التحويلية، ومن بينها مشاريع تتعلق بتعليب الأسماك وإنتاج مسحوق وزيت السمك، بما يفتح المجال أمام زيادة القيمة المضافة للمنتج الوطني.
جمعية ساحل تهامة.. نموذج للصمود المجتمعي:
وتبرز جمعية ساحل تهامة التعاونية السمكية كنموذج لمحاولات بناء منظومة متكاملة لخدمة الصيادين، من خلال توفير محطات وقود ومصانع ثلج منخفضة التكلفة، وتفعيل وكالات التسويق في المحافظات.
وامتدت أنشطة الجمعية إلى مبادرات ذات طابع بيئي وخدمي وإنساني، بينها مشاتل المانجو ومحطات المياه والمبادرات التعليمية، بما يعكس أهمية الدور الذي يمكن أن تؤديه المؤسسات التعاونية في تخفيف الأعباء عن المجتمعات الساحلية.
ثروة بحرية قادرة على قيادة التعافي:
تكشف تجربة القطاع السمكي اليمني خلال سنوات العدوان والحصار مفارقة واضحة: ثروة بحرية هائلة من جهة، وخسائر واستنزاف وقيود من جهة أخرى
فاليمن يمتلك شريطاً ساحلياً واسعاً ومصائد متنوعة ومخزوناً سمكياً يمكن أن يشكل رافعة حقيقية للاقتصاد الوطني، ويوفر آلاف فرص العمل، ويدعم الأمن الغذائي، ويعزز الصادرات، ويفتح المجال أمام صناعات تحويلية واسعة.
غير أن تحقيق هذه الإمكانات يتطلب بيئة آمنة ومستقرة، وإعادة تأهيل الموانئ ومراكز الإنزال، وتوفير التمويل للصيادين، وحماية المياه الإقليمية من الصيد الجائر، وإنهاء المخاطر التي تعيق حركة الصيادين، فضلاً عن الاستثمار في التصنيع والتخزين والتسويق.
وخاتمأ: معركة الثروة البحرية لا تقل خطورة عن المعركة الاقتصادية
إن ما تعرض له القطاع السمكي اليمني خلال سنوات العدوان والحصار لا يمكن اختزاله في أضرار لحقت بقوارب أو موانئ، بل يمثل استنزافاً ممنهجاً لقطاع يرتبط مباشرة بالأمن الغذائي والاقتصاد الوطني ومصادر رزق مئات الآلاف من اليمنيين.
فبينما تعرضت البنية التحتية للقصف والتدمير، وقع الصيادون ضحايا للاستهداف والاعتقال والملاحقة، وانخفضت الصادرات بنسبة 83.7 بالمائة، وتجاوزت الخسائر الإجمالية 15 مليار دولار، تعرضت البيئة البحرية والثروة السمكية كذلك لضغوط الصيد الجائر والتلوث والاستنزاف.
وفي المقابل، يثبت استمرار الإنتاج السمكي ومشاريع إعادة التأهيل وتمكين الصيادين أن القطاع لا يزال يمتلك القدرة على التعافي والنهوض، وأن حماية البحر الأحمر والمياه الإقليمية اليمنية ليست قضية اقتصادية فحسب، بل قضية سيادة وأمن غذائي وحق وطني في استثمار الثروات الطبيعية.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى تحرك جاد لوقف الاعتداءات ورفع القيود المفروضة على الصيادين، وإنهاء عسكرة المياه الإقليمية، ووقف الصيد الجائر والاستنزاف الأجنبي، ودعم إعادة بناء الموانئ ومراكز الإنزال والصناعات التحويلية، بما يمكّن الثروة السمكية اليمنية من استعادة دورها كأحد محركات الاقتصاد الوطني ومصادر الأمن الغذائي والتنمية المستدامة.
Comments are closed.