بعد انهيار تدفقات النفط عبر باب المندب.. هل تملك الرياض خياراً غير الاتفاق مع صنعاء؟
يمني برس | تقرير
لعقود مضت، والسفن النفطية السعودية تسرح وتمرح أنّى تريد ومتى تريد، معتمدة على وهم الحماية الأمريكية والمال السعودي. ومع ذروة التصعيد في مضيف هرمز اعتقدت المملكة أن موانئها في البحر الأحمر ستكون طوق نجاة لنفطها، غير مدركة للصدمة التي تحضّرها القوات المسلحة اليمنية، فما إن أعلن اليمن في العشرين من يوليو الماضي فرض حظر بحري شامل على الملاحة السعودية في البحر الأحمر ومضيق باب المندب وجدت الرياض نفسها في مأزق حقيقي، فهذا الإعلان كان إيذاناً ببدء اختبار استراتيجي حقيقي لمعادلة القوة في المنطقة، وسحباً للبساط من تحت أقدام قوة كانت تُقدِّم نفسها -لعقود- كركيزة لا غنى عنها لإمدادات الطاقة العالمية.
من انهيار شبه كامل لتدفقات النفط عبر باب المندب، إلى امتداد نطاق التهديد شمالاً حتى ميناء ينبع، وصولاً إلى أزمة تأمين غير مسبوقة وعزلة متزايدة في الأسواق العالمية، تحوّل الحظر اليمني من خطوة ضغط محدودة إلى اختبار استراتيجي شامل لحدود القدرة السعودية. وبينما حاولت الرياض البحث عن مسارات بديلة وعن تحالفات جديدة، بدا المشهد أقرب إلى محاولات للهروب من أزمة لا يمكن تجاوزها دون معالجة أسبابها الجذرية، وعلى رأسها الحرب والحصار المفروضان على اليمن.
يستعرض هذا المقال -استناداً إلى تقارير وتحليلات نشرتها مؤسسات إعلامية وبحثية دولية- كيف كشفت العمليات العسكرية اليمنية في البحر الأحمر حدود قدرة السعودية على الصمود كمورِّد رئيس للنفط، وكيف تمددت آثار هذا الحصار من الجغرافيا إلى الاقتصاد، ومن التأمين إلى التحالفات الإقليمية، وصولاً إلى السؤال الجوهري الذي بات مطروحاً بقوة: هل تملك الرياض من الخيارات ما يكفي لمواصلة مسار التصعيد، أم أن العودة إلى طاولة الاتفاق مع صنعاء أصبحت الخيار الواقعي الوحيد؟
قبل الحظر اليمني، كانت تدفقات النفط السعودي عبر مضيق باب المندب تصل إلى قرابة أربعة ملايين برميل يومياً، بل إن بعض البيانات أشارت إلى مستويات قاربت الخمسة ملايين برميل يومياً عبر البحر الأحمر. كان هذا المسار الحيوي يمثل الشريان الأقصر والأقل تكلفة لصادرات المملكة إلى الأسواق الآسيوية والأوروبية على حد سواء، لكن، ووفق بيانات شركة “كبلر” المتخصصة في تتبع حركة الناقلات، فإن هذه التدفقات انهارت بشكل شبه كامل بعد فرض الحظر.
هذا الانهيار مثّل خسارة لمسار لوجستي، وضربة مباشرة لاستراتيجية الأمن القومي السعودي التي لطالما اعتمدت على ترسيخ مكانة المملكة كمورد موثوق للنفط في أوقات الأزمات. وبينما حاولت الرياض الالتفاف على الحصار عبر خط أنابيب “سوميد” إلى البحر المتوسط، حيث ارتفعت التدفقات في أغسطس إلى 1.9 مليون برميل يومياً مقارنة بـ650 ألف برميل في يونيو، فإن هذه الزيادة —التي تشمل شحنات من دول أخرى أيضاً— تبقى أقل بكثير من نصف ما كانت تصدره المملكة عبر باب المندب قبل الحظر.
هنا تكمن المفارقة المركزية التي أشار إليها نيل كويليام، الخبير في معهد “تشاتام هاوس”، حين قال: إن الحظر اليمني “يسلط الضوء على حدود قدرة السعودية على الصمود”، فالمملكة تحاول أن تفعل ما يُتوقع من أي مورد موثوق: البحث عن طرق بديلة، لكن “حتى أهم مصدر للنفط في العالم لا يمكنه الهروب تماماً من عواقب تهديد نقاط الاختناق البحرية المتعددة في وقت واحد”. فالمسار البديل عبر سوميد ليس حلاً سحرياً؛ إذ يخضع لقيود سعة خط الأنابيب وقناة السويس، ويضطر المشترون الآسيويون (وهم الزبائن الرئيسيون للنفط السعودي) إلى الالتفاف حول أفريقيا في رحلات تضيف شهراً كاملاً من التأخير وما لا يقل عن خمسة دولارات على تكلفة كل برميل.
بعد أسابيع من الحصار، بدا أن الرياض ربما تجد متنفساً في ميناء ينبع الواقع على الساحل الشمالي للبحر الأحمر، بعيداً عن المياه المتاخمة لليمن، غير أن هذا المتنفس سرعان ما تحول إلى فخ جديد، ففي منتصف أغسطس نجحت القوات المسلحة اليمنية في استهداف الناقلة السعودية “أمزان” بصاروخ باليستي على بعد نحو 63 ميلاً بحرياً غرب ميناء ينبع، وأشعلت فيها حريقاً، وهي الناقلة التي كانت قادمة من ميناء العين السخنة المصري ضمن المسار البديل لضخ النفط شمالاً.
كان لهذا الهجوم دلالة عملياتية واستراتيجية هائلة، فكما لاحظت شركة “ماريسكس” اليونانية لإدارة المخاطر، فإن الضربة “تُظهر أن التهديد الموجه ضد الملاحة المرتبطة بالسعودية لا يقتصر على باب المندب أو المياه المتاخمة مباشرة لليمن، بل يمكن أن يمتد شمالاً”، وبعبارة أخرى، لم يعد هناك ملاذ آمن للسفن السعودية في البحر الأحمر بأكمله. وقد عززت شركة “أتلانتك باسيفيك” هذا التقييم بقولها: إن “شركات النقل ستحتاج الآن إلى الثقة في أمن المسار بأكمله بدلاً من أجزاء محددة منه”.
والأخطر من ذلك أن الناقلة “أمزان” كانت قد أطفأت أجهزة التعريف الآلي الخاصة بها أثناء الإبحار في محاولة للتخفي، لكن ذلك لم يمنع استهدافها. هذا يعني أن القوات المسلحة اليمنية تمتلك قدرات استخباراتية ورصدية تتجاوز مجرد تتبع الإشارات التقليدية، وأنها قادرة على تحديد وتتبع السفن المرتبطة بالسعودية حتى في المياه المفتوحة البعيدة عن الساحل اليمني بأكثر من ألف كيلومتر، وقد انعكس ذلك فوراً على سلوك السفن؛ إذ انخفضت زيارات الناقلات إلى ميناء ينبع بنحو 35% خلال الشهر الأول من الحظر، وبدأت جميع السفن التي تزور الميناء في إطفاء أجهزة التعريف الآلي، وهي ممارسة تزيد من مخاطر الملاحة وتكلفة التأمين.
إذا كانت الهجمات الصاروخية هي الوجه العسكري للحصار، فإن أزمة التأمين تمثل وجهه المالي الخفي، فوفق صحيفة “فايننشال تايمز”، أجرت السعودية محادثات مع وسطاء تأمين في لندن حول خطة مدعومة من الدولة لتوفير تغطية للسفن ضد مخاطر الحرب، حيث بحثت وزارة المالية خطة يمكن بموجبها تقديم تغطية تصل إلى 700 مليون ريال سعودي لكل حدث مؤمّن عليه، لكن المشكلة الجوهرية ليست في حجم التغطية، بل في أن مكتتبي التأمين أصبحوا يتعاملون مع السفن المرتبطة بالسعودية “بشكل أشبه بالأصول الإسرائيلية والأمريكية عالية المخاطر”.
هذا التحول في النظرة التأمينية له آثار تراكمية مدمرة، فقد كشفت مجلة “لويدز ليست” أن السفن السعودية تعرضت لاستبعاد شامل من برنامج جديد لتأمين مخاطر الحرب في المنطقة، وفي نهاية يوليو قامت لجنة الحرب المشتركة في لندن بتوسيع منطقة المخاطر العالية في البحر الأحمر بنحو 800 كيلومتر لتشمل معظم المياه السعودية، بما في ذلك موانئ جدة وينبع، والنتيجة المباشرة هي ارتفاع حاد في أقساط التأمين، أو رفض كامل لتغطية السفن المتجهة إلى الموانئ السعودية، ما يضاعف من عزلة المملكة التجارية.
هذه العزلة باتت تهدد جوهر الاقتصاد السعودي فوفق بيانات “بلومبرغ”، تراجعت صادرات السعودية المرصودة من النفط الخام في أغسطس إلى أدنى مستوى لها منذ تسع سنوات على الأقل، حيث بلغ متوسط إجمالي الصادرات عبر الخليج والبحر الأحمر 3.23 مليون برميل يومياً فقط خلال أول 23 يوماً من الشهر، مقارنة بأرقام كانت تفوق خمسة ملايين برميل يومياً في الظروف الطبيعية. ولم يعد الأمر مقتصراً على النفط الخام؛ فقد انخفضت صادرات الديزل الخليجية إلى أفريقيا —نصفها سعودي— إلى أدنى مستوى لها منذ تسع سنوات، مع توقف شحنات مصفاة جيزان إلى القارة السمراء بصورة كاملة بعد استهدافها في يوليو.
الحصار اليمني لم يقتصر على السعودية، فقد بات ورقة ضغط إقليمية تهدد مصالح قوى كبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة، فكما أشار تقرير لشبكة “سي إن إن” من جزيرة ميون عند مدخل البحر الأحمر، فإن سيناريو الإغلاق الكامل لمضيق باب المندب “سيكون له تداعيات سياسية مباشرة على الرئيس الأمريكي دونالد ترامب”، لأن إغلاق أهم طرق تصدير النفط الخليجي سيؤدي مباشرة إلى ارتفاع أسعار النفط، وهو ما “سيجعل ترامب عرضة للخطر السياسي، خاصة مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس”.
هذا الربط بين الحصار اليمني والانتخابات الأمريكية يعكس إدراكاً عميقاً من قبل صناع القرار في صنعاء لحساسية أسعار الطاقة في السياسة الأمريكية، وقد أظهر اليمنيون أنهم يمتلكون القدرة على تحويل حرب كان يُنظر إليها على أنها لن تغادر حدود اليمن الجغرافية، إلى حرب جيوسياسية ذات تداعيات عالمية مؤثرة، فقوتهم في البحر الأحمر -كما لاحظت “سي إن إن”- ليست في قدرتهم على الاستهداف المباشر للسفن فحسب، بل في إمكانية فرض معادلة جديدة تتجاوز آثارها ما يحدث في مضيق هرمز، خاصة إذا ما سيطروا على ما تبقى من ساحل البحر الأحمر وتحديداً جزيرة ميون الاستراتيجية.
وفي الوقت نفسه، تثير الموجة الأخيرة من الضربات الباليستية على ميناء المخاء قلقاً إسرائيلياً عميقاً، كما كشف موقع “ناتسيف نت” العبري المتخصص في الشؤون الاستخباراتية، فالتدمير الدقيق لمستودعات الذخيرة والأرصفة الملاحية في المخاء، والانفجارات الثانوية الواسعة، دفعت خبراء عسكريين دوليين إلى إعادة تقييم القفزة التكنولوجية النوعية في القدرات اليمنية الصاروخية. والأهم من ذلك، أن مستوى جودة المعلومات الاستخباراتية التي سبقت الضربة، والتي أدت إلى إصابات مباشرة ونقاط محددة بدقة متناهية، يثير تساؤلات حول تحول بنيوي في قواعد الاشتباك وتكامل التحالفات الميدانية في المنطقة.
في مواجهة هذا الضغط المتصاعد، حاولت السعودية تفعيل خيارات متعددة، من تشكيل تحالفات بحرية دفاعية مع دول أوروبية والولايات المتحدة، إلى البحث عن تفاهمات مع تركيا وباكستان. لكن كما أشار موقع “هورن ريفيو”، فإن بعض المسؤولين الغربيين أبدوا تردداً ومماطلة حيال المشاركة، مطالبين بمزيد من الوضوح بشأن طبيعة العضوية والمهام. وفي ما يتعلق بالتحالف السعودي التركي الباكستاني، اعتبرت مجلة “فورين بوليسي” أنه لا يملك أي أساس عملياتي ولا حتى قاعدة فعلية على أرض الواقع، بل هو مجرد أسلوب استعراضي “للنفخ في بالونة هذا التحالف”، يقابلها على الأرض محدودية في إمكانية تطبيق أي من بنوده.
هذا الفشل في بناء تحالفات فاعلة يعيد طرح السؤال الجوهري: ما هو الخيار الواقعي المتبقي أمام الرياض؟ وفق موقع “ذا ناشيونال”، فإن الخيار الأكثر واقعية هو “التوصل إلى اتفاق مع صنعاء”. فاتساع نطاق الضغط اليمني ليشمل مختلف السلع السعودية المنقولة بحراً —وليس فقط النفط— سيفرض تحديات كبيرة على الاقتصاد السعودي، ويمنح صنعاء ورقة نفوذ إضافية يمكن توظيفها في أي مفاوضات مستقبلية. وقد ذهبت “فورين بوليسي” في الاتجاه نفسه، مشيرة إلى أن ما تحتاجه الرياض ليس “الاستمرار في الهروب إلى الأمام عبر تفريخ المزيد من التحالفات المفرغة من مضمونها”، بل “محاولة معالجة الأسباب الحقيقية للتوتر والصراع في المنطقة”، وفي مقدمتها الحصار على اليمن الذي كان نتيجة تحالف سابق أنشأته الرياض قبل اثني عشر عاماً.
في ذات السياق، أكدت صحيفة “لوموند” الفرنسية أن النظام السعودي بات عالقاً بشكل عميق في مستنقع حرب اليمن، ويواجه طريقاً مسدوداً وسط عجز تام عن وقف الهجمات الموجعة التي تنفذها القوات المسلحة اليمنية. وأوضحت الصحيفة أن الرياض، التي حاولت طوال السنوات الماضية الهروب من فاتورة الاستنزاف العسكري عبر المناورات الدبلوماسية ودعم أدوات الارتزاق في الجنوب، وجدت نفسها منجرفة رغماً عنها نحو دوامة مواجهة مباشرة وخاسرة مع القوات المسلحة اليمنية. ولفتت “لوموند” إلى أن العمليات الاستباقية والضربات الصاروخية وبالطائرات المسيرة التي تستهدف العمق السعودي -كاستهداف مصفاة جيزان وسفن العدوان الحربية في البحر الأحمر- أربكت حسابات النظام السعودي، ووضعته أمام معضلة حقيقية بين تجنب حرب مدمرة تفوق قدراته، وبين الخشية من الإقرار بوجود دولة يمنية قوية ومستقلة تقف بصلابة في وجه الهيمنة الأمريكية والغربية على حدودها.
في التحليل النهائي، كشف الحصار البحري اليمني حدوداً جوهرية للقوة السعودية، حدوداً لوجستية تتمثل في عدم القدرة على تعويض انهيار مسار باب المندب؛ وحدوداً تأمينية تعكس تحول المملكة إلى كيان عالي المخاطر في نظر شركات التأمين العالمية؛ وحدوداً جيوسياسية تتجلى في عجزها عن تشكيل تحالفات فاعلة لحماية مصالحها؛ وأخيراً حدوداً استراتيجية تتمثل في اضطرارها إلى مواجهة خصم يمتلك أوراق ضغط تتجاوز مسرح العمليات اليمني لتصل إلى قلب الاقتصاد العالمي.
والأهم من ذلك كله، أن هذا الحصار أثبت قاعدة أساسية في العلاقات الدولية: أن القوة الحقيقية لا تُقاس بحجم الترسانة العسكرية أو الثروة النفطية فحسب، بل بمدى القدرة على التأثير في نقاط الاختناق الحرجة للنظام العالمي. واليمن الذي كان يُصوَّر كطرف هامشي في معادلة إقليمية كبرى، نجح في تحويل موقعه الجغرافي على أحد أهم الممرات المائية في العالم إلى سلاح استراتيجي من الطراز الأول، وأجبر الجميع —من الرياض إلى واشنطن— على إعادة حساباتهم من الصفر.
Comments are closed.