المنبر الاعلامي الحر

ثورة 21 سبتمبر تفرض حقيقة الدولة وتعرّي زيف “الشرعية” المستوردة

ثورة 21 سبتمبر تفرض حقيقة الدولة وتعرّي زيف “الشرعية” المستوردة

يمني برس | تقرير | وديع العبسي

صالوا وجالوا. عقدوا المؤتمرات المعلنة، وجلسات الغرف السرية، ووضعوا مخططاتهم. ثم قصفوا وقتلوا ودمروا. وشكلوا الكيانات الواحد تلو الآخر، سمّوا هذا “شرعية” لتعويض الشعور بالنقص والتلاشي، ومنحوا تلك مسميات عسكرية على أمل أن تكون في مستوى الغزوات ونيل الانتصار والعودة بتاريخ اليمن إلى ما قبل ثورة 21 سبتمبر 2014. غير أن كل التحركات والرهانات الخائبة اصطدمت بجدار صلب؛ إذ منحت ثورة 21 سبتمبر للشعب اليمني الحر عنفوانا ايمانيا وجهاديا استثنائيا في مواجهة كل أشكال الاستهداف، وربطها كل يمني ضمن بيانات هويته، فاستحال على أعداء الثورة، بما فيهم الرباعية (الأمريكية، البريطانية، السعودية، “الإسرائيلية”)، التكيف مع هذا النموذج الاستثنائي في رفض المغريات، والاستماتة في امتلاك القرار السيادي على كامل الجغرافيا اليمنية، ولفظ النتوءات الغازية والمحتلة.

وحين استيأس تحالف العدوان من محاولات وأد الثورة قبل أن تشبّ، رأى المَخرَج في صنع كيان موازٍ في المحافظات المحتلة، فصدّر للعالم ما أسموها بـ”الشرعية”؛ إلا أن نتائج هذا التحرك المتشنج جاءت على عكس ما اشتهوا وعلى غير المألوف لدى العالم أجمع؛ إذ شوه هذا الكيان الوليد تقاليد الدولة ووظائفها السيادية.

فبينما قدمت المحافظات الحرة نموذجاً حقيقياً للدولة بإدارة وتماسك مؤسسي وأمني تجاوز العدوان وواجه الحصار والضغط المالي الخانق، قدمت حكومتهم المُشكلة لإدارة المحافظات المحتلة نموذجاً سلطوياً مفككاً يعاني من التشرذم الأمني وصراع مراكز القرار، رغم كل ما حظيت به من دعم مالي وغطاء دبلوماسي أممي وتسهيلات دولية.

حنكة إدارية وانضباط مؤسسي رغم أزمة الموارد
وانعكاساً لهذا الفارق بين النموذجَيْن، كشف المسار الإداري والأمني في المحافظات الحرة عن قدرة استثنائية على التكيف مع أزمات الموارد الشديدة والاعتماد على الذات. فعقب نقل وظائف البنك المركزي عام 2016 إلى عدن المحتلة وتوقف صرف مرتبات موظفي الدولة وتجفيف منابع النفط والغاز وحظر المنافذ، اتجه الثوار إلى تفعيل آليات إدارة الأزمات والضبط المالي عبر الاعتماد على الإيرادات الذاتية المحلية.

وعلى نحو لافت نجحت هذه السياسة الرشيدة في حماية أجهزة الدولة الهيكلية من الانهيار، وفرض استقرار أمني شامل في المحافظات الحرة ذات الكثافة السكانية الأكبر في البلاد، وإنهاء أنشطة الجماعات التكفيرية والإرهابية. فكان ذلك أول شاهد على حنكة التقدير في استيعاب الواقع وتحديد متطلبات إدارته وفق مفهوم الدولة القائمة على الجغرافيا والمجتمع وما توفر من الموارد، ليحظي هذا النجاح في الحفاظ على التماسك المؤسسي، بتقدير واسع في الأدبيات السياسية والتحليلية الدولية.

في هذا السياق، يذكر تقرير لمعهد “تثام هاوس البريطاني أن “صنعاء أثبتت قدرة عالية على بناء هيكل حوكمة وأمن صارم يمارس وظائف الدولة السيادية بكفاءة عالية، ما جعلها السلطة الأكثر تماسكاً وضبطاً على المستوى الإداري والتنظيمي في تاريخ اليمن الحديث رغم الظروف الاقتصادية الخانقة والعزلة الدبلوماسية المفتعلة”.

كما ألقت وكالة “بلومبرغ” الضوء على هذا الواقع الميداني بالقول إن “السلطات في صنعاء أظهرت قدرة تنظيمة ومؤسسية تتجاوز بكثير ما تمتلكه الحكومة المعترف بها دولياً، حيث استطاعت فرض سلطتها المباشرة وإدارة الاقتصاد بأدوات سيادية رغم القيود المفروضة عليها”.

نموذج فنادق الرياض فوضى وتآكل
وفي المقابل القاتم لهذا النموذج المتماسك، ظهر نموذج حكومة التحالف في فنادق الرياض باعتباره تجسيداً صارخاً لأزمة “الشرعية الموازية” المفصولة عن الواقع الميداني والاجتماعي. فرغم حيازة هذا النموذج للأختام الدبلوماسية ولجميع عائدات النفط والغاز والتسهيلات المالية الدولية والودائع الإقليمية، إلا أنه عجز تماماً عن تقديم نموذج يستوفي مقومات الدولة الأساسية أو يوفر الحد الأدنى من الخدمات للمواطنين.

وبدلاً من بناء المؤسسات، تسببت العشوائية وتعدد الولاءات للتشكيلات العسكرية والأمنية في بروز مراكز نفوذ متعددة وأجهزة أمنية متصارعة، أدت إلى جولات اقتتال داخلي متعاقبة في عدن ولحج وشبوة وأبين، وأخرى، فضلاً عن تعطيل عمل المؤسسات الخدمية وتدني مستويات المعيشة وانقطاع التيار الكهربائي واستفحال الأزمات البيئية والصحية إلى مستويات قياسية.

ولم يأتِ هذا الرصد من خارج جغرافيا المشهد الذي تسيطر عليه قوى التحالف، إذ كان هو ما وثقته التقارير الدورية لفريق الخبراء التابع لمجلس الأمن الدولي، حيث أكد الفريق -في عدة تقارير سنوية- أن من يمنحهم التحالف السعودي الأمريكي الاعتراف الدولي يعانون من تآكل وتضارب حاد في السلطات والقرارات، وأن تشكيل ما يسمى بـ”مجلس القيادة الرئاسي” لم يفلح في ردم الفجوة السياسية أو إنهاء الانقسام المسلح بين مكوناته الخاضعة للتأثيرات الإقليمية المتباينة وتجاذبات الفصائل.

وقد علقت شبكة “أكسيوس” (Axios) الأمريكية على هذا الانقسام الميداني بالقول إن “الحكومة المدعومة من التحالف تعاني من انقسامات داخلية عميقة جعلت من إدارتها للمناطق الجنوبية مجرد عنوان بلا فاعلية حقيقية، وسط صراع الأجندات الإقليمية وتفكك الأجهزة الأمنية”.

استقرار نقدي في صنعاء وانهيار في عدن
ولم يقف تباين النموذجين عند حدود الأداء الإداري والأمني فحسب، بل امتد إلى الملف الأكثر مساساً بحياة المواطنين، والذي يشكل الفارق الجوهري الدال على التعامل بجدية مع الدولة واستحقاقات إدارتها، والمتمثل بالملف الاقتصادي واستقرار العملة الوطنية والقوة الشرائية. ففي الوقت الذي فرضت فيه صنعاء سياسات نقدية صارمة وحظرت تداول العملة المطبوعة دون غطاء مالي، وأنشأت لجنة اقتصادية عليا لإدارة السيولة، ما حافظ على استقرار نسبي للقوة الشرائية وسعر صرف الريال في المحافظات الحرة، شهدت عدن والمحافظات الخاضعة للاحتلال انهياراً تاريخياً ومتواصلاً في قيمة العملة نتيجة الطباعة المفرطة وسوء الإدارة المالية واستشراء الفساد الإداري والمالي.

وقد اعترفت تقارير صادرة عن “مجموعة الأزمات الدولية” (ICG) بهذه الفجوة الاقتصادية، مؤكدة أن “الانضباط المالي والصرامة التنظيمية في صنعاء نجحا في تحييد العديد من أزمات التضخم الحاد مقارنة بالمناطق الجنوبية التي تحولت فيها السياسات النقدية إلى أداة لمزيد من الإفقار المجتمعي وتعميق الأزمة الإنسانية وتشتيت الدورة الاقتصادية للبلاد”.

وفي تحليل نشرته مجلة “فورين بوليسي”، أشارت إلى أن “التباين في السيطرة النقدية بين صنعاء وعدن يعكس الفرق بين سلطة تمتلك رؤية وسيادة حقيقية على المورد النقدي، وسلطة أخرى اعتمدت على إغراق السوق بالطباعة مكشوفة الغطاء، ما أدى إلى فقدان الثقة التام بالعملة الصادرة من عدن”.

سقوط الرهانات الغربية أمام الحقائق
وأمام هذه الحقائق الصلبة، أسقطت المقارنات الميدانية والمؤسسية بين النموذجَيْن الرهانَ الغربي والإقليمي الذي استمر سنوات على إمكانية إحلال كيان سياسي بمسمى “الشرعية” بديلاً عن الواقع المؤسسي المتشكل على الأرض في المحافظات الحرة. فقد أظهرت التجربة المباشرة للبعثات والمنظمات الدولية وممثلي الأمم المتحدة أن السيطرة الفعلية والقدرة على حماية المرافئ والممر المائي في البحر الأحمر وإدارة شؤون أكثر من 80% من السكان تقع حصرياً في يد القيادة في صنعاء. وقد انعكس هذا الواقع بوضوح في تصريحات المبعوثين الدوليين المتعاقبين، وإحاطات مجلس الأمن التي باتت تشدد على أن معالجة الملف اليمني لا يمكن أن تتم عبر القفز على الواقع السياسي والإداري القائم في المحافظات الحرة، وأن الاستمرار في تغذية نموذج “الشرعية الموازية” المعزولة لن يؤدي إلا إلى استمرار حالة الفوضى والانقسام وتأخير التسوية الشاملة.

الاستقلالية وبناء الذات مقابل التفكك
تأسست هذه النتيجة على توجه استراتيجي واضح؛ إذ إن المتأمل في مسار الأحداث يجد أن صنعاء نجحت في استغلال حالة الحصار لتحويل الأزمة إلى فرصة لإعادة بناء عقيدة الوظيفة العامة والعمل الإداري على أسس تعتمد الاستقلالية والاعتماد على الذات. وعوضاً عن انتظار المنح والقروض الخارجية (التي غالباً ما تأتي مشروطة بإملاءات سياسية وأجندات تضر بالسيادة والأمن القومي) عملت المؤسسات الخدمية والأمنية والعسكرية في المحافظات الحرة على الابتكار والتطوير الداخلي؛ وظهر ذلك جلياً في قطاعات الأمن العام، التصنيع العسكري، الزراعة، والاقتصاد والربط الشبكي لإدارة الإيرادات، ما أضفى على المؤسسات اقتداراً استثنائياً لم تستطع السلطات المُعينة من قبل القوى الخارجية تحقيق ولو جزء يسير منه.

وعلى الصعيد الاجتماعي، قدمت المحافظات الحرة نموذجاً متماسكاً في إدارة العدالة والتنسيق القبلي والاجتماعي، إذ جرى إنهاء النزاعات الثأرية القديمة وتوحيد الجبهة الداخلية لمواجهة العدوان والأخطار الخارجية، ما عزز السلم الأهلي وفرض حالة من الأمان للمواطنين والزوار والبعثات الدولية.

وعلى النقيض من ذلك تماماً، عانت المناطق الخاضعة للتحالف السعودي الأمريكي من تفكك نسيجها الاجتماعي، وانتشار العصابات المسلحة، وتردي الوضع الأمني الذي وصل إلى حد اغتيال الكوادر الدينية والأكاديمية والسياسية، واستهداف الناشطين، ونهب الممتلكات العامة والخاصة تحت مرأى ومسمع من أجهزة السلطة المحلية والعسكرية الموازية.

الشرعية لا تُصنع في أروقة العواصم الغربية
إن النتيجة الحتمية التي أثبتتها التجربة الواقعية بشواهدها الصلبة منذ عام 2014 هي أن مفهوم الشرعية الوطنية لا يُصنع في أروقة العواصم الغربية ولا يُمنح عبر بيانات التأييد المعزولة عن تطلعات الشعوب. فالشرعية الحقيقية ليست مجرد ختم دبلوماسي يُستورد من الخارج، ولا حبر يُسكب على ورق القرارات الدولية، بل هي تجسيد حي للممارسة الفاعلة على الأرض، وبناء مؤسسات قادرة على فرض السيادة وحماية الأمن القومي.

وبينما ارتهن الطرف الآخر للرعاية الخارجية وتفتت تحت ثقل الصراعات بين الفصائل والكيانات، انطلقت صنعاء من الاستحقاق الميداني الذي يعبر عن إرادة المجتمع وثبات الجغرافيا؛ فكانت النتيجة تشكيل مركز ثقل سياسي وإداري يفرض حقيقته على الخريطة الإقليمية والدولية.

ولا شك بإن بقاء الدول واستمرار مؤسساتها في أحلك الظروف الجيوسياسية مرهون بالاستقلال النابع من الذات، في حين تظل أي هياكل موازية تُصنع في الفنادق مجرد أوراق هشة تتهاوى وتتلاشى أمام صخرة الإرادة الوطنية الصلبة التي تفرضها الشعوب الحرة على أرضها.
نقلا عن موقع أنصار الله

Comments are closed.