المنبر الاعلامي الحر

من تهريب “السيدور” إلى وهم “القرابين”.. العدو الإسرائيلي يستبيح الأقصى ويختبر “النبض العربي” بغطاء أمني

من تهريب “السيدور” إلى وهم “القرابين”.. العدو الإسرائيلي يستبيح الأقصى ويختبر “النبض العربي” بغطاء أمني

يمني برس |
في ظل صمت عربي وإسلامي مُطبق، يتحول المسجد الأقصى المبارك، من ساحة اقتحامات متقطعة إلى مختبر مفتوح لطقوس “الهيكل” المزعوم. فلم تعد الاعتداءات الإسرائيلية على أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين مجرد تجاوزات عابرة لمستوطنين متطرفين، بل تحولت إلى سياسة ممنهجة، تتخذ من مواسم الأعياد اليهودية غطاءً لتكثيف الاستباحة، وفرض وقائع جديدة على الأرض تهدف إلى طمس الهوية العربية الإسلامية للحرم القدسي بالقوة الغاشمة.

وقد كشفت الممارسات الأخيرة عن قفزة نوعية في مخططات التهويد؛ فالعدو لم يعد يكتفي بالاقتحامات الصامتة أو التواجد المؤقت، بل بات يشرّع أبواب الأقصى لتهريب “كتب الصلاة” (السيدور)، وتسهيل أداء طقوس “السجود التلمودي”، وصولاً إلى الترويج لأوهام “القرابين النباتية”..إنها خطوات مدروسة ومترابطة لكسر حاجز الزمن والمكان، في انتهاك صارخ للوضع التاريخي والقانوني القائم الذي يحظر على غير المسلمين ممارسة أي طقوس داخل الحرم القدسي ، باعتبار الأقصى مكان عبادة خاص بالمسلمين.

لكن الأخطر من هذا التصعيد الميداني، هو “الاعتراف الإسرائيلي” الذي يكشف حجم الاستهانة بالموقفين العربي والإسلامي.

فقد أقرّ قائد منطقة القدس في شرطة الاحتلال، أفشالوم فيلد، بأن شرطة العدو أجرت مؤخرًا ما وصفها بـ”التجربة” أو “بالون الاختبار”، لقياس سقف الرد العربي والإسلامي على انتهاك حرمة المسجد وإدخال طقوس دينية محظورة.

وحين لم ترصد الشرطة أي رد فعل شعبي أو رسمي يرقى إلى مستوى “الخط الأحمر”، اعتبر قادة العدو ذلك “ضوءًا أخضر” للمضي قدمًا في مخططات التقسيم الزماني والمكاني؛ غافلين عن أن بركان الأقصى إذا ثار لن تُنفعهم حينها كل تجاربهم.

تجربة لقياس ردة الفعل

وكشف فيلد في مقابلة مع صحيفة “يديعوت أحرونوت” العبرية نشرت الجمعة الماضية، أن التجربة شملت اختيار 15 شخصًا لإدخال كتاب “سيدور” الديني اليهودي الذي يجمع الصلوات، إلى الأقصى خلال اقتحامهم له، رغم أن إدخال الكتب والرموز لغير المسلمين ممنوع.

وقال فيلد: “أجرينا تجربة. تم اختيار 15 شخصًا يصعدون إلى جبل الهيكل ومعهم سيدور، ثم جلسنا مع الشاباك لتلخيص التجربة”، وعندما سئل عن فحوى الملخص رد بأن التجربة “لم تحدث ضجيجًا”.

ويزعم فيلد أن ما يسمى “الوضع القائم” لم ينصف اليهود، متهمًا دائرة الأوقاف الإسلامية بالتسبب في تآكله، مشيرًا إلى أنه منذ تولي ما يسمى وزير الأمن القومي المتطرف إيتمار بن غفير منصبه، تم تخفيف شروط الاقتحامات.

وأضاف: “الشرطة لا تمنع إدخال أوراق صلاة، ولا تمنع أيضا الانبطاح، على الأقل في جزء من الجبل. وبالمقابل، هي تمنع، على الأقل في الوقت الحالي، استخدام رموز أكثر بروزًا، مثل حمل أسفار التوراة ووضع التفلين أو التغطي بالطاليتات”، لكنه لم يستبعد أن يتحقق ذلك أيضًا.

وتابع أن الشرطة تتيح لليهود “الدخول مع أوراق صلاة، والسجود في الجهة الشرقية، وحتى الغناء قليلا” في الحرم، زاعمًا أنه “لا يرصد في الشبكات العربية أي همهمة غير اعتيادية في أعقاب هذه الخطوات”.

1271 مستوطنًا يتقدمهم بن غفير وكاتس

وجاء هذا الاعتراف الخطير متزامنًا مع تصعيد ميداني غير مسبوق. ففي ثالث أيام ما يسمى “عيد العرش” الذي بدأ السبت 26 سبتمبر، ويستمر حتى الجمعة 2 أكتوبر، اقتحم مئات المستوطنين يتقدمهم ما يسمى وزير الأمن القومي المتطرف إيتمار بن غفير، صباح اليوم الاثنين، باحات المسجد الأقصى من باب المغاربة بحماية مشددة من شرطة العدو.

وقالت محافظة القدس في تصريح نقلته وكالة “سند” الفلسطينية، إن 1271 مستوطنًا نفذوا اقتحاماتهم اليوم على شكل مجموعات متتالية، وأدوا طقوسًا دينية داخل الباحات، بالتزامن مع إجراءات أمنية مشددة في محيط المسجد.

وأوضحت المحافظة، أن المستوطنين أدوا صباح اليوم صلاة “الموساف” بصيغتها الخاصة بما يسمى “جبل الهيكل”، وتضمنت مضامين مرتبطة بقرابين الأعياد، وهي صلاة تحاكي طقوس العبادة اليهودية المرتبطة بالمعبد المزعوم، بما يعكس التعامل مع المسجد وباحاته كفضاء لإقامة تلك الطقوس، في انتهاك للوضع التاريخي ومحاولة لفرض واقع ديني جديد.

وتزامن اقتحام بن غفير للأقصى مع اقتحام وزير الجيش يسرائيل كاتس ، محيط المسجد برفقة آلاف المستوطنين، وسط انتشار واسع لشرطة العدو في البلدة القديمة ومحيط المسجد، وتشديد القيود على دخول المصلين الفلسطينيين وحركتهم.

وقال بن غفير من داخل المسجد في تصريحات استفزازية: “شعب إسرائيل في طريقه إلى النصر المطلق”، مضيفًا “نحن أصحاب المكان في الأقصى وفي السجون”.

ويأتي اقتحام اليوم غداة اقتحام نحو 1500 مستوطن وحاخامات للمسجد، أمس الأحد في اليوم الثاني لـ”عيد العرش”، وأدائهم طقوس تلمودية خاصة قرب باب القطانين، بمشاركة عضو كنيست العدو عميت هليفي.

وأفادت محافظة القدس بأن مقتحمي أمس أدخلوا ما يسمى “القرابين النباتية” أو “الأنواع الأربعة” إلى ساحات الأقصى، ورددوا الأناشيد وأقاموا حلقات رقص، وأدوا السجود الملحمي والانبطاح الجماعي.

ويضم “القربان النباتي” أربعة أصناف نباتية هي الأترج وسعف النخيل وورد الآس والصفصاف، تُجدل معا فيما يعرف بـ”السعفة”، وترتبط بطقوس عيد العرش بوصفه عيدًا للحصاد وفق المعتقدات اليهودية. ونشرت المحافظة صورة ترصد ترك أحد المستوطنين لهذه القرابين داخل المسجد بعد أداء الطقس، لتمكين آخرين من استخدامها لاحقا.

ويرى مختصون أن إدخال هذه الأصناف وأداء السجود والانبطاح يمثل انتقالًا من مجرد الاقتحامات إلى ممارسة طقوس دينية يهودية كاملة داخل المسجد.

بركة الكهنة وعقاب جماعي

وبالتوازي، شارك آلاف المستوطنين – بمشاركة وزراء وأعضاء كنيست وحاخامات كبار- فيما يسمى طقوس “بركة الكهنة” في ساحة حائط البراق غربي المسجد الأقصى، في مشهد اعتبرته هيئة علماء فلسطين، في تدوينة على منصة “إكس”، “تدنيسا متعمدا لحرمة المسجد وإهانة سافرة لأكثر من ملياري مسلم”.

وحذرت محافظة القدس من خطورة استغلال الأعياد لفرض وقائع جديدة وتعطيل حياة المقدسيين.

وأوضحت أن قوات العدو أغلقت منذ صباح اليوم مفرق وادي الربابة في سلوان بالتزامن مع توجه الطلبة لمدارسهم، ما تسبب باختناقات، كما أغلقت شارع باب الأسباط باتجاه مقبرة باب الرحمة وباب المغاربة، وسط توقع امتداد الإغلاقات لتأمين حركة المستوطنين.

وأكدت أن هذه الإجراءات ليست ترتيبات أمنية عابرة، بل عقاب جماعي وتقييد ممنهج لحركة المقدسيين وتسخير للمدينة وشوارعها لخدمة طقوس المستوطنين، محذرة من أن استمرارها يهدد بتفجير الأوضاع في القدس والمنطقة برمتها.

وشددت على أن الأقصى ليس ساحة مفتوحة لتجارب العدو الصهيوني ولا مكانا لإعادة إنتاج طقوس مزعومة على حساب هويته الإسلامية، داعية المجتمع الدولي والعربي والإسلامي لتحمل مسؤولياته القانونية والتحرك الفوري لوقف الاقتحامات.

أرقام غير مسبوقة وتحذيرات فلسطينية

وتشير المعطيات إلى أرقام غير مسبوقة في حجم الاقتحامات. فبحسب الباحث في شؤون القدس علي إبراهيم، سجل العام العبري الأخير من سبتمبر 2025 إلى سبتمبر 2026 اقتحام نحو 69 ألف مستوطن للأقصى، وفق موقع الجزيرة نت.

وبحسب محافظة القدس، اقتحم 40 ألفا و661 مستوطنًا المسجد منذ بداية العام 2026 حتى نهاية أغسطس، فيما صدرت نحو 800 قرار إبعاد بحق مقدسيين عن المسجد منذ بداية العام حتى أوائل سبتمبر في محاولة لتفريغ المسجد من أهله.

وشهد سبتمبر الجاري موجات متكررة، بينها اقتحام 480 مستوطنًا في 13 سبتمبر خلال “رأس السنة العبرية”، ونحو 1678 مستوطنًا خلال يومي 20 و21 سبتمبر بالتزامن مع “عيد الغفران”، ثم 1500 مستوطن أمس الأحد و1271 اليوم الاثنين، أي نحو 2771 مستوطنا خلال يومين فقط من “عيد العرش”.

وأمام هذا التصعيد، حذرت حركة “حماس” من خطورة التجربة التي أجراها العدو لقياس ردة الفعل.

وقال رئيس مكتب شؤون القدس في الحركة هارون ناصر الدين إن “تعاظم اعتداءات العدو ومحاولات تهويده المتصاعدة تستدعي النفير الواسع لحمايته”.

وأكدت “حماس” أن تحويل القدس إلى ثكنة عسكرية وتشديد قبضته على أهلها ومقدساتها، وتوفير الحماية لاقتحامات بن غفير وكاتس والمستوطنين، يعكس حجم العدوان المتواصل على هوية المدينة، داعية المرابطين في القدس والضفة والداخل المحتل إلى مواصلة الرباط وشد الرحال والتصدي للمخططات التهويدية، مطالبة الأمتين العربية والإسلامية بالتحرك العاجل.

وختاما.. فإن ما يجري في المسجد الأقصى اليوم لم يعد مجرد خروقات فردية، بل هو مشروع تهويدي متكامل تقوده حكومة العدو الإسرائيلي الأكثر تطرفًا، يبدأ بتجربة كتاب صلاة ولا ينتهي عند محاكاة الهيكل المزعوم.

وفي ظل رهان العدو على صمت عربي وإسلامي اختزله في “عدم وجود همهمة غير اعتيادية”، فإن الاكتفاء بالشجب لم يعد كافيًا، بل يتطلب موقفًا موحدًا وضاغطًا يترجم الرباط وشد الرحال إلى فعل سياسي ودبلوماسي وشعبي يردع العدو عن مخطط تقسيم الأقصى زمانيًا ومكانيًا.

Comments are closed.