المنبر الاعلامي الحر

في ستة أيام.. واستوى الحفاة على خشم الملك

في ستة أيام.. واستوى الحفاة على خشم الملك

347

يمني برس: بقلم – صلاح الدكاك

 

قف واحصِ الكواكب والنجوم التي تعبر قيد بوصات من ناظريك، فأنت واحد بين قلةٍ من المحظوظين الذين دفع بهم القدر عالياً عالياً إلى واحدة من مجرات “رجال الرجال”، حيث الخوارق والمعجزات حطمت قضبان وأسيجة القوانين، وتمظهرت في فضاء رأي العين وعين اليقين.

 

إنها مجرة “نهم البنيان المرصوص” الذي لايزال جريان سيل عرمه دافقاً تتهاوى حصون وقلاع تحالف العدوان الكوني أمامه تباعاً، وفي لمح أبصار رجال الرجال المدروزين في الصخور كالصخور، والراسين في الذرى والسفوح كالرواسي، والعابرين كالكواكب والنجوم بالقرب منك على متن الدراجات النارية يلقون عليك التحية فتضطرم مساماتك بقشعريرة فخار وزهو.

 

“ارحبوا يا رجال…”… تشعر في مهب عبارة كهذه للمرة الأولى بأنك رجل، وأن للرجولة معاني مغايرة لتلك المعاني الشائعة التي لا تتمظهر من خلالها الرجولة إلا بقهر المستضعفين من الرجال والنساء والولدان، أو فوق فراش امرأة نهوضاً على روافع “خلطة الحريو وعقاقير الفحولة” المشحوذة من الصيدليات.

 

للرجولة هنا في هيجاء رجال الرجال مصاديقها من حولك ومن بين يديك وحيث نظرت ويممت.. إنها هؤلاء الذين يشعلون النار في ديباج ملوك البترودولار وحرير البيت الأبيض وشرفات باكنغهام النائية، ثم يمرون أمامك كنسمات باردة متواضعة مثل قمر في صفحة بحيرة ساكنة.

 

الرجولة هي هؤلاء الزلازل والبراكين الذين ينسفون مستقر الطواغيت من الرياض إلى واشنطن ومن أبوظبي إلى لندن وتل أبيب، ثم ينكفئون إلى متاريسهم المؤثثة بالكراتين هادئين بشوشين بوجوه مضيافة تشاطرك زادها الشحيح على أنقاض مليارات الملوك المتناثرة من حولك حديداً ودروعاً وديباجاً ومركبات وأسرَّة فخمة تحولت جذاذاً بزناد بندقية معصوبة بالخرق.

 

كم ليثاً صنع هذا المد العالي من الزئير في هذه الهيجاء المترامية التي كانت قبيل 6 أيام محتقنة بصديد كل شواذ الأرض، قبل أن تطهرها جرة زناد من إصبع مؤمنة موصولة بيد الله، ويستوي على عرشها المجاهدون الربانيون المحاربون رافعين إلى الله أكفاً لينةً حامدة شاكرة، خافضين جباهاً مخبتة له عصية على جبروت تحالف الجبابرة والمستكبرين.

 

في ستة أيام…

 

– 6 أيام واستوى مجاهدو جيشنا ولجاننا الشعبية على مساحة تقدر بأكثر من 2500 كيلومتر مربع كان عملاء ومرتزقة تحالف العدوان الأمريكي السعودي الإماراتي يتحصنون في جبالها وتبابها وأوديتها وجروفها وكهوفها طيلة 4 أعوام.

 

نحتوا من جبالها مقرات منيعة، وكدسوا العتاد الأحدث والأفتك، ودفعوا بالعديد البشري جحفلاً بعد جحفل، وسيَّروا الزحوفات بالمئات تحت شعار “قادمون يا صنعاء”، فتكسرت مجاديف أطماعهم كل مرة على صلابة كعب بندقية مجاهد وحفاه بلا عزاء.

 

ثم كانت عملية “البنيان المرصوص” التي استدرجت معظم عديد وعتاد تحالف العدوان إلى محرقة أتقن رجالنا صناعة تنورها الرهيب، فكانت القاضية، وانقلب سحر تحالف السحرة والأفاكين الكونيين على الساحر والحاخام الأمريكي والصهيوني وأفاعيه المموهة بجلود عربية ويمنية، والتي تلقفتها “عصا موسى”، وسحقتها أقدام الحفاة وأبطلت كيدها، وظلت صنعاء برجالها بعيدة كما كانت قبل قاضية “البنيان المرصوص” وبعدها، وبالنقيض بات جحر جحور الارتزاق والعمالة الأكبر على مرمى قدم مؤمنة، واقترب وعد مأرب، وألقى هدهد الوعيد برسالته في عقر اللئام أولي العهر الشديد غير الحكماء، ودقت ساعة استنقاذ “بلقيس سليمان” من حظيرة قطعان سلمان وشُذاذ الآفاق ويهود السبت والجمعة.

 

تحصينات 5 نجوم

 

عند منعطف جبلي حصين أسفل نقيل فرضة نهم، يشرف على مفرق الجوف – مأرب، ضرب الغزاة السعوديون معسكرهم، وسيّجوا مرافقه المبنية من الطوب بالسواتر الترابية العملاقة المضفورة بأحزمة بلاستيكية سميكة وصلبة.. متاريس يتجاوز قُطرها وارتفاعها الثلاثة أمتار، ومؤثثة بالأسرَّة الوثيرة والبُسط وأجهزة التكييف والسخانات والمناشف الفخمة وشفرات ومعاجين الحلاقة والأدوية وصنوف المشاريب والسجائر، تاركين العراء للمرتزقة المحليين يتموضعون فيه كمصدات بشرية وكلاب حراسة تبسط أذرعتها تحت الخيام القماشية وخلف متاريس في الجهة المكشوفة أعلى المنعطف وأسفله.

 

يشير أحد المجاهدين إلى مسرح المفارقة الفاضحة والشاخصة لعياننا، قائلاً بنبرة متهكمة ساخرة ومتأسفة معاً: “هذا للسعاودة وهاذاك للمرتزقة اللي باعوا شرفهم بالريال السعودي”.

 

كانت جولتنا الاستطلاعية لمرافق المعسكر الحصين قد استغرقتنا فضولاً ونبشاً في محتوياتها وتعليقاتٍ ساخرة، عندما غمغم جهاز اللاسلكي بصوت يحذرنا من غارة متوقعة لطيران العدو على الموقع… على الفور لوح دليلنا بكفه من جوار متراس في طرف المعسكر القصي، هاتفاً: “غارة غارة… موهوا موهوا”… غير أن عواء الطائرة فوقنا كان أبلغ من تحذير الدليل الذي لم أتبين مغزاه بنباهة كافية لترجمته سريعاً.. إنها ثانية زلة مكلفة ثمنها الحياة بالعادة هنا في هيجاء الاشتباك الضروس… وحيث تقرأ خلال تنقلاتك بين الحين والآخر عبارة توعوية صادمة مكتوبة بالأحمر: “لا تكن صيداً سهلاً للعدو”.

 

قواعد اشتباك جديدة وقاسية

 

لم يتوقف طيران تحالف العدوان عن شن غاراته على الجغرافيا المحررة والممتدة من فرضة نهم إلى مجزر ورغوان مأرب إلى المتون والغيل ومشارف حزم الجوف حيث تدور في الأخيرة الاشتباكات حالياً… على أن تحالف العدوان بات يحسب حساباً للكلفة المترتبة على كل غارة يشنها، فقواعد الاشتباك التي يفرضها رجال الرجال في جيشنا ولجاننا اليوم على مسرح المواجهة المديد، تختلف عن سابقاتها بالأمس، حين كان طيرانه ينثر غاراته بإسراف على العمق المأهول من المدن والأحياء السكنية وفي مسرح المواجهة المباشرة، دون حسابات من أي نوع أو خشية من أثمان مرتدة على فلتان وحوشه الجوية ودوران دواليب الموت الطيارة على مدار الساعة فوق رؤوس البشر والحجر.

 

عقب ضربة “أرامكو” القاصمة الكبرى باتت المعادلة بالنقيض، وأضحت الغارة الواحدة للعدوان تعني صلية باليستية وسرب مسيّرات تنسف تصاعدياً أهدافاً حيوية في عمق المملكة السعودية، وهذا ما حدث بالفعل خلال أيام التحرير الست لعملية “البنيان المرصوص”، فصواريخنا ومسيراتنا عاودت زياراتها المميتة لمطارات “خميس مشيط وأبها وأرامكو” والمدن الاقتصادية والعسكرية لجنوب المملكة، واعتبر السياسي الأعلى تغطية العدو الجوية لزحف مرتزقته على نهم “إنهاء لمبادرة التهدئة أحادية الجانب” التي أطلقتها صنعاء ولم تثمنها الرياض حق تثمينها، وماطلت في الرد عليها بصيغ مراوغة من قبيل الاكتفاء بـ”مناطق خفض تصعيد…”، لتقع في فخ زحف “نهم” الأخير بتداعياته المرتدة، والذي يرى مراقبون أنه يوشك أن يسلب الرياض ورقتها الكبرى المتمثلة في مأرب كمقر رئيس لقيادة مشروع العدوان عسكرياً واقتصادياً على صنعاء، بينما أطلقت هذه الحماقة يد صنعاء الطولى لتعاود دك صفيحة القوة الاقتصادية والعسكرية للمملكة مجدداً، كرد على خرقها قواعد الاشتباك المسكوت عنها في ظل كواليس التفاوض.

 

يقول أحد المجاهدين: “لم يعد بإمكان طيران العدوان استهداف موقع واحد بأكثر من غارة… دفاعاتنا الجوية أرغمت طائراته على الفرار مذعورة أكثر من مرة”… وأما مسيرات ودرون العدو فأضحت صيداً سهلاً لدفاعاتنا تسقطها تباعاً وبصورة ممنهجة مقتدرة بـ”السلاح المناسب والناجع”.

 

ثعبان الفولاذ الضخم والممزق

 

رغم كل ما تم الكشف عنه من تفاصيل عملية “البنيان المرصوص”، إلا أن الكثير من أسرار العملية الصادمة لحسابات العدو ومعه المجتمع الدولي المنافق، لاتزال طي الكتمان، ويكتفي المجاهدون بعبارة “توفيق الله وتسديده” في تأويل المعجزة، ورداً على السؤال: كيف حدث هذا وفي غضون أيام؟! كيف انهارت أرصدة وقلاع وحصون وعتاد وعديد العدو ومكتسباته لأربعة أعوام في 6 أيام حسوماً؟!

 

وكيف تحولت كل التحضيرات لاجتياح صنعاء الواقعة على بعد قرابة 60 كيلومتراً من جحفل الغزاة، إلى هشيم محتضر وأطلال مشروع احتلال كان وشيكاً؟!

 

كثعبان فولاذي ضخم وممزق تتكوم مدرعات ودبابات ومؤللات العدو ومركباته العسكرية الضخمة على قارعة الطريق الإسفلتي الطويل الممتد من رأس الفرضة حيث يقع اللواءان العسكريان “312 و310” التابعان للعدو، إلى المنعطف الأخير من نقيل الفرضة حيث يقع مفرق الجوف على بعد قرابة 10-15 كيلومتراً… عدا عن ثعابين الفولاذ المجندلة الأوصال الواقعة على طول وعرض وعمق وجبال مسرح العملية البطولية الكبرى لرجالنا، والبالغة مساحته أكثر من 2500 كيلومتر مربع.

 

أجل، إنه توفيق الله وإيمان المجاهدين بعدالة قضيتهم وصوابية بوصلتهم و… وهذا هو الأهم بعد توفيق الله: “فذاذة العقل العسكري الملهم واستثنائية القيادة الثورية والقائد… سيد اللحظة اليمانية الكونية المنتصرة السيد عبدالملك الحوثي”.

 

يعوزك أكثر من شهر لتنفيذ زيارة استطلاعية تستهدف الإلمام العابر بمشهد الأطلال العسكرية الباذخ والمديد الذي ثبت رجال الرجال أقدامهم الحافية عليه في 6 أيام.

 

أكاديمية الفرضة

 

المجاهد أبو قيس المبحر على نهاية الـ60 عاماً، والرابض على أنقاض فردوس المعسكر السعودي كليث يشعرك بالقزامة وبأنك محض عجوز أمام قامته المتوسطة وصلابته وفتوة روحه… يجلجل في ذاكرتك مقطع من زامل شهير لعيسى الليث: “ذي ما لحق فالآن يلحق يلحق.. ربي ينادي كل مؤمن صادق”… لربما لم يتسنّ لأبو قيس سماع هذا الزامل والإمعان في دعوته الحاثة والمستنفرة طاقات السامعين الأحرار، لكنه لبى نداء العقيدة والتراب والشرف والوطن والعرض، ولم يبرر لقعوده بكبر السن، فبأية ذريعة نلوذ أمام هذا الطود المتحدر من صلب مالك الأشتر وعمار والأزدي، نحن الذين سمعنا ولم نلبِّ النداء، ولم نتسابق إلى هيجاء البطولة لنتطهر من أدران المكوث بغبار المعركة ونقع البارود وضرام اللهب وزهو الوقوف على حافة الشهادة والنصر معاً.

 

يا سيدي، هذه الصحيفة التي نعمل بها ويشرفنا أن تعمدها بين يديك… نحن خدامكم ويسرنا أن نكون ماسحي أحذية عند أقدامكم… بشديد خجل يتلقى أبو قيس عبارتي ويغمغم: “مابين أقراش يا ولدي.. و…”.. لهذا أنت هنا، ولهذا أنت رجل كامل الإنسانية… لأنك لا تقرأ صحائف ومناهج هزائمنا التي فقست كائنات داجنة مباهية بكساحها ومقدِّسة لخنوعها ومكتفية بشهادة كارتونية محنطة على جدار، عن كل طموح خلاق ونزوع تحرري نبيل ونهضوي.

 

إن القابض على زناد البندقية في هيجاء العزة والكرامة، هو أكاديميتنا التي نتمدرس فيها اليوم من جديد، لنعيد ترتيب جيناتنا وتصويب دخائلنا وأفكارنا، وندرك كنه هويتنا ومغزى وجودنا وتخوم فاعليتنا الممكنة والمهروسة بجنازير الاعتلاف البهيمي في حظائر سوق العولمة وفرامة أوهام الوجود المستريح الموسد على قارعة الأمم والشعوب كجثة نافقة تتنفس مزاعم وجود. بأبوقيس نطوي كساح أوهام العصرنة والحداثة الكارتونية وزمن الوصاية والاستلاب… بالحفاة نستعيد رؤوسنا ونخلع سريالية المشهد المهترئ الممزق والمقلوب رأساً على عقب.

 

نحن تلاميذك يا “أبوقيس” بصدق، ونحن أولى بالحرج والتلعثم من رجل بقامتك.

 

20 ألف فرسخ فوق الإف 16

 

بضع كعكات بالتمر مع الحليب كان فطوري، لكنني كنت أشعر بالتخمة طيلة الوقت الذي استغرقته زيارتنا لكوكب نهم البعيد جداً عن حضيض يومياتنا المدينية بحساب مجرياته الخلاقة وكثافة زمنه واستثنائية رجاله و.. القريب بحساب الجغرافيا.

 

هذه هي المرة الأولى التي أحس فيها بأن قدمي تحلق على ارتفاع 20 ألف فرسخ فوق أسراب الإف 16 و15، فطيلة زمن العدوان كنت أحاذي طيران العدو موقناً أن يد الله فوق أيدي الطيارين.. تسمع بالعادة حناجر المجاهدين وهي ترشق أسراب الطائرات بعبارات هازئة “ماهن إلا كراتين” فتتقزم هيبة وحوش الجو الطائرة في نظرك وتوقن بأنها “كراتين” بالفعل أمام ثبات المجاهدين الذين قهروا فيزياء المعركة خلال سنوات المواجهة الخمس كما لم يحدث في تاريخ الحروب وذاكرة المعارك منذ الرمح الحجري وحتى قاذفات القنابل العملاقة ومن حروب الهكسوس إلى الحربين العالميتين الثانية والثالثة.

 

نواقص عديدة تخللت برنامج زيارتنا، فحالت دون أن تكون مثلى من حيث الحصاد المطلوب.

 

“سيارتكم صيد سهل للطيران” مراراً لفت أنظارنا المجاهدون من رأس نقيل بن غيلان حيث مدخل الجبهة وحتى آخر منعطف في الفرضة… كنا عازمين على المضي قدماً باتجاه مفرق الجوف و.. في النقطة الواقعة على بعد منعطفين منه صاح أحد المرابطين، وكان جريحاً يغطي الضماد ثلثي وجهه: “انتشروا… هناك غارة قادمة..”… ركنا السيارة على منحدر صخري على جانب الطريق كإجراء غير كافٍ في حالة سيارتنا الفاضحة.. “التمويه ينبغي أن يشمل السيارة ومن ثم المكان المركونة فيه”… مكثنا قرابة نصف ساعة قبل أن نفرد قاماتنا بأريحية مع انقشاع التهديد الجوي مؤقتا… نهض المجاهد الجريح وقصد ظلة النقطة ولوح لنا بأكياس بلاستيكية قائلاً: ارحبوا يا مؤمنين.. وجبات الحاصل”… ثم أضاف: “سيارتكم صيد سهل للطيران. وإذا كنتم ستواصلون الطريق إلى الجوف فضروري تموهوها بلون صحراوي..”.

.
.
.
.
“للقصة بقية ولا نهاية لها”.
(صلاح الدكاك – رئيس تحرير صحيفة لا)
اعلان م السلة الغذائية لرعاية اسر الشهداء