المنبر الاعلامي الحر

مفاهيم ومصطلحات استعمارية .. «القاعدة» وأخواتها

مفاهيم ومصطلحات استعمارية .. «القاعدة» وأخواتها

261

يمني برس: بقلم – إبراهيم محمد الهمداني

 

مما لا شك فيه أن “القاعدة” أداة/وسيلة الإمبريالية في إكمال خطة “الربيع العربي”، وتفتيت العالم العربي، ليتسنى للإمبريالية إعادة رسم خارطة “الشرق الأوسط” الجديد.

 

ويمكن القول إلى حد ما إن نشأة “القاعدة” ـ كتنظيم له حضور سياسي ـ انطلاقا من مبدأ الجهاد في سبيل الله، كانت نشأة إسلامية إنسانية، تهدف إلى التحرر والاستقلال، أو على الأقل كان هذا طابعها المبدئي وصورتها الأولية التي آمن بها منتسبوها الأوائل من المجاهدين وبعض القادة الذين انطلت عليهم الخدعة الأمريكية، وأسكرتهم العاطفة الدينية ونشوة الحلم التحرّري الزائد.

 

تبث “القاعدة” أيديولوجيا دينية متشددة، تتنافى مع عدالة الإسلام ووسطيته وإنسانيته وتسامحه، من خلال تسخير وتجيير النص الديني لفكرة مسبقة، وتأويله قسراً واعتسافاً، وإفراغه من محتواه، وتقنينه ليصبح ـ في ما بعد ـ مرجعية أساس في تنفيذ سياسة العنف و”الإرهاب”.

 

قد تكون القوة مطلوبة واللجوء إليها ـ كاستراتيجية رئيسة ـ أمرأ حتميا وضرورةً لا بد منها، لقيام واستمرارية جماعة ثائرة أو متمردة أو مهمشة، وتريد أن تفرض وجودها، غير أن ذلك لا يتجاوز مرحلة البدايات والنضال الأولي، وما إن يستتب لها الأمر، حتى تعود إلى ما يجبُ أن تكون عليه من مرونة وتسامح وانفتاح على الآخر والقبول به واحتوائه، مع مراعاة ما تقتضيه الضرورة من الحزم في مواضع معينة لا يتعداها إلى سواها ولا يغلو في استخدام الحزم فيها.

 

غير أن الملاحظ على تنظيم “القاعدة” عكس ذلك، حيث تبنى العنف والتشدد و”الإرهاب” مبدأً أساساً لا محيص عنه، في كل الأحوال والظروف والأمكنة والأزمنة، اعتمادا على التأويل المتعسف للنص القرآني المقدس، مستقياً معظم أفكاره وأُسسه من الفكر الوهابي، المعروف بتشدُّده وعقمة وانحرافه عن جوهر الإسلام الحنيف؛ ولذلك كان اختيار أسامة بن لادن قائدا لذلك التنظيم؛ لأنه ابن ذلك الفكر المتطرف وصنيعته نشأة وعقيدة، وكذلك الأمر بالنسبة للمكان – أفغانستان – التي تعتنق المذهب السني، وترى في السعودية ـ مهد الوهابية ـ مرجعيتها الدينية المقدسة، نظرا لمكانة أرض الحرمين دينياً في الوجدان الشعبي الجمعي.

 

ملخص لما سبق:

 

استقى تنظيم “القاعدة” معظم أفكاره وأُسسه من الفكر الوهابي، ولذلك كان اختيار أسامة بن لادن قائدا للتنظيم؛ لأنه ابن ذلك الفكر المتطرف وصنيعته، وكذلك الأمر بالنسبة للمكان (أفغانستان) التي ترى في السعودية (مهد الوهابية) مرجعيتها الدينية المقدسة، إضافة إلى اعتبارات أخرى تتعلق رسميا على الصعيد السياسي بالمساعدات المالية من السعودية لأفغانستان، وعلى الصعيد الاجتماعي بعمل الجمعيات الخيرية والدعوية السعودية هناك.

 

خاض تنظيم “القاعدة” في أفغانستان حربا بالوكالة نيابة عن أمريكا ضد روسيا، وسواء أكان أولئك المجاهدون يعرفون ذلك أم لا فقد كان هدفهم الأساس – في الظاهر – هو التحرر من هيمنة الروس الملاحدة، حسب وصفهم، وتأسيس دولة إسلامية مستقلة وإعلاء كلمة الله على أرضه، وإذا كان ذلك قد تحقق لهم ظاهريا، حسب التوصيف الأمريكي، فإنهم في المقابل حققوا لأمريكا حلما باهظ الثمن، وهو انهيار الاتحاد السوفيتي، وتفرد أمريكا ـ كقطب وحيد ـ بقيادة العالم والسيطرة عليه.

 

وحين انكشف لهم الخداع الإمبريالي الأمريكي، قرروا النيل من حليف الأمس والثأر لكرامتهم الضائعة ووطنهم السليب، لكنهم ذهبوا في انتقامهم وفق مخطط رسمته لهم أمريكا، لم يخرجوا عنه قيد أنملة، متناسبا مع طبيعة فكرهم “الإرهابي” المتطرف، وكان ما كان من أمر الـ11 من سبتمبر وتداعياته، وتحمل الإسلام كدین عالمي ومنهج حياة إنساني، تبعات تطرفهم وحماقاتهم، وجعلتهم أمريكا ذريعة لاحتلال جميع بلدان العالم العربي والإسلامي، وكانت هذه هي الخدمة الثانية التي قدموها للمستعمر، فتسنى له من خلالهم النيل من الإسلام بوصفه فكرا متطرفاً حاملا لجينات “الإرهاب”.

 

بعد ما نالهم ونال الإسلام بسببهم، أصبحوا منبوذين تماما على المستوى الداخلي من أبناء دينهم وجلدتهم، وعلى المستوى الخارجي من الآخر المختلف دينياً وفكرياً، وأصبحوا نموذجا مشوها يشار إلى الإسلام من خلاله، وبعد تلك الحالة من القطيعة والرفض الشامل من الجميع لهم، قامت المخابرات الأمريكية بإعادة إنتاجهم تحت مسمى “داعش” ليكملوا مهمة تفكيك الوطن العربي والإسلامي التي لم ينجح في تحقيقها تماما ما يسمى “الربيع العربي”، وهكذا عادت “القاعدة” لتحقيق مخططات وأهداف ومصالح أمريكا الاستعمارية، لكن عدوهم هذه المرة ليس الروس الملاحدة، بل العرب المسلمون إخوانهم في الدين والأرض والدم والنسب.