المنبر الاعلامي الحر

 الشهيد ..الإنسان.. المدرسة: محمد يحيى المنصور

كتب / عبدالقوي محب الدين
——–
بعيداً عن أوجاع الفقد.. وبعيداً عن مصطلحات الرثاء.. وقريباً من جوهره الإنساني النقي…. أكتب جزءاً يسيرا من ذكرياتي مع الانسان المدرسة/ محمد يحيى المنصور “رحمه الله”.
عندما أصيب الشهيد/ عبدالكريم الخيواني “رضوان الله عليه” بوعكة صحية نقل على اثرها الى المستشفى،، نصحه أحد زواره قائلا: يا استاذ أما آن لك أن تقلع عن التدخين؟.. نخشى أن تموت بسبب افراطك في التدخين..!!
فأجابه الشهيد: “يأبى الله لي -وقد أفنيت عمري مدافعا عن قضايا المستضعفين وجابهت الطغاة- يأبى الله أن تكون نهايتي بسبب التدخين.. والله لن أموت بالسيجارة” .. وقد أبره الله .
وكذلك الحال بالنسبة لاستاذنا الشهيد/ محمد يحيى المنصور.. وهو صديق الخيواني ورفيقه.. المنصور مدرسة متكاملة في العطاء الانساني والادبي والسياسي .. مدرسة في نضاله الوطني ومناصرة المستضعفين والوقوف بوجه الطغاة والظالمين.
لم تكن لتفتك به سوائل الرئة لولا سرطان العدوان الذي حولها بحصاره إلى سرطان قاتل.. وهو حال آلاف المرضى الذين استشهدوا بمعاناتهم وأمراضهم ، ولم يتمكنوا من مغادرة البلاد للعلاج في الخارج.
ولهذا لم يمت محمد المنصور.. بل استشهد وقد ملئت رئتاه بأوجاع وهموم بلد بأسره.. وحملها وظل يمارس عمله ونضاله إلى آخر يوم في حياته.. كاتبا وموجها وناصحا ومجاهدا في سبيل الله.

لم أنتهك حرمة عيني بالدموع أمام الآخرين إلا لرحيل ثلاثة: والدي ، والشهيد الخيواني ، والشهيد محمد المنصور.. رحمهم الله جميعا…
غير أن رحيل الأخير كان بمثابة مهرجان لانتهاك حرمات عيون الكثير من محبيه وزملائه وتلاميذه…!!
..
كان استاذنا المنصور “رحمه الله” مدرسة حية لكل فنون الحياة وقيمها،، في تواضعه وأخلاقه في عطاءاته اللامحدودة… أنيق في حديثه، شريف في خصومته مع أعدائه، يثق في الجميع إلا من يثبت أنه غير أهل للثقة..!!
وبحكم قربي منه خلال العشر السنوات الأخيرة .. من صحيفة الأمة وحزب الحق الى مؤسسة الثورة فوكالة الأنباء اليمنية سبأ،، سأذكر نماذج صغيرة جدا من أخلاقيات الراحل العملاق..

كلفني “رحمه الله” مديرا لتحرير صحيفة الأمة ونائبا لرئيس الدائرة الاعلامية لحزب الحق.. ومعي صديقنا وزميلنا ابراهيم السراجي سكرتيرا للتحرير ، ومنذ لحظة التكليف كانت لنا الحرية المطلقة في اختيار المواد وحذف واضافة ما نشاء.. لم يتدخل الا بما يدعم هذين الصحفيين القادمين من دهاليز الشعر والأدب الى أروقة صاحبة الجلالة، وفي ذروة الصراعات السياسية وزحمة المطبوعات الصحفية الأصلية والمستنسخة .. استطاعا بالثقة الممنوحة لهما أن يحجزا لنفسيهما ولصحيفة الأمة مكانة مرموقة في سوق الصحافة.
وفي صحيفة الأمة أيضا.. فتح المنصور أبوابها وأبواب مقرها للمناضلين المستضعفين الأحرار، وأخرج “مقر الزراعة” أسماء كبيرة في المجال الاعلامي والسياسي والادبي والجهادي بشكل عام.
ومن المواقف والدروس النبيلة التي تعلمناها من استاذنا المنصور “رحمه الله” في صحيفة الأمة…. انه في نهاية كل شهر وعند موعد صرف المرتبات.. كان يضع مرتب كل شخص في مظروف ويلسمها لي قائلا: ” سلمها للاخوان.. واعتذر لي منهم جميعا.. المبالغ لا تليق بكم ولا بما تقومون به.. وباذن الله تتحسن الظروف قريبا”.
كانت هذه الكلمات -وحدها- شهريا كفيلة بغسل عناء الشهر من أرواحنا، وكانت تنعكس في وجوه وقلوب الجميع فرحا وفخرا اننا نعمل في فريق يقوده هذا الانسان النبيل..!!

وعندما تم تعيينه رئيسا لمجلس ادارة مؤسسة الثورة للصحافة والنشر.. كنا قد انقطعنا فترة بسبب العدوان ، وانشغالنا بالجبهة الثقافية.. وكنت كلما ألتقي بزميل يخبرني بأن الاستاذ محمد المنصور يقول لهم أنه لن يكلف أحدا مديرا لمكتبه سوى عبدالقوي محب الدين،، وما هي الا أيام حتى اتصل بي قائلا: “حان الوقت لانصافك ولتأخذ مكانك.. احتاجك للعمل معي”.
وعملنا معا في مؤسسة الثورة لأكتشف أبعادا أرقى وأجمل في شخص الاستاذ محمد المنصور،،
تمثلت في نزاهته وحرصه الشديد على انصاف المظلومين وهو في أوج انشغالاته بالجانب الصحفي …
وسأذكر هنا موقفين من مئات المواقف التي خلدتها ذاكرة مدير مكتبه .. وذاكرة كل من عمل مع محمد المنصور:..
الموقف الأول: بعد ستة أشهر من استلامي لعملي كمدير عام مكتب رئيس مجلس الادارة ، صرفت لي سيارة عهدة -بينما هو رفض استلام اي سيارة من مؤسسة الثورة حتى قدم استقالته- ، وعندما شكوت له أنني أقطع صنعاء من الجنوب الى الشمال ذهابا وايابا من بيتي الى المؤسسة طالبا صرف مخصص شهري من البترول،، أجاب متألما: يا سيدي لن أصرف لك لترا واحدا حتى أصرف لجميع مدراء العموم في المؤسسة… ولكن خذ حاجتك من مخصصي أنا…!!

بعد يومين من تقديم استقالته ، اتصل بي نائب وزير الاعلام يخبرني بأنه قادم مع القيادة الجديدة للمؤسسة… فاتصلت باستاذنا المنصور، فقال لي بكل هدوء: خذ اوراقي الخاصة ونظارتي ومسبحتي من على مكتبي وسلم لهم..!!
وعندما قدمت استقالتي بعده بأربعة أيام استاء مني كثيرا، وطالبني بالاستمرار في عملي ويذكرني بأنني موظف مع الدولة ولست موظفا معه… وبعد أن شرحت له حيثيات الاستقالة ومبرراتها رد عليّ مباشرة : وهل أعدت السيارة؟؟
قلت له أنا تلميذك سيدي… سلمتها وأخليت جميع عهدي وعهدك قبل الاستقالة..!!

في داخلي مئات المواقف ومئات الدروس التي تعلمتها ولمستها من العمل والقرب من صديقي واستاذي الشهيد محمد المنصور.. ولكن لا تحتملها السطور..!!
وبداخلي أيضا من الأوجاع والآلام برحيله ما لا تحتمله الصدور..!!
رحم الله استاذنا الشهيد الانسان ، وعزاؤنا أنه لا زال حياً في قلوبنا وفي سلوكنا وفي ما نحن فيه…
إنا لله وإنا إليه راجعون…