المنبر الاعلامي الحر

الإقتراب الجزائري من محور المقاومة

يمني برس:

 

الجزائر مصدر قلق حقيقي لإسرائيل والمغرب بسبب تقاربها مع إيران وقيادتها لحملات ضد الكيان الصهيوني في أروقة الاتحاد الافريقي”، هكذا علّق وزير الخارجية الإسرائيلي يائير لابيد من الرباط في رد على سؤال حول الجزائر.

 

يبدو أنّ العودة الدبلوماسية الجزائرية للساحة الدولية، وتحركاتها في اتجاه تفعيل علاقاتها الدبلوماسية مع حلفائها في المنطقة واقترابها من محور المقاومة وعلى رأسه روسيا والصين وإيران، أصبحت تزعج ما يسميهم النظام الجزائري “أعداء الجزائر” وخصوصا الجار المغربي من جهة الذي بدأ يتحرك على مختلف الصعد بمبادرات وتصريحات وتحركات مستفزة للجزائر بما يشكّل -وفقا للتصريحات الرسمية الجزائرية-تهديدا واضحا للأمن القومي والمجتمعي للبلاد، والكيان الصهيوني من جهة أخرى، الذي خرج وزير خارجيته من الرباط في المغرب اثناء زيارة رسمية ليقول كلاما عدائيا خطيرا موجّها للجزائر من أرض الجار المغربي المطبّع مؤخرا.

 

لم يفوّت وزير خارجية العدو الصهيوني فرصة تواجده في المغرب دون التعبير علانية عن العداء الواضح للجزائر وعن القلق الإسرائيلي من سياسة النظام الجزائري بالقول” نحن نتشارك القلق مع المغرب بشأن دولة الجزائر التي باتت أكثر قربا من إيران وهي تقوم حاليا بشنّ حملة ضد انضمام إسرائيل الى الاتحاد الافريقي بصفة مراقب”.

 

• موقف الجزائر من التطبيع مع الكيان الصهيوني:

 

في الوقت الذي أصبح فيه التقارب المغربي-الصهيوني أمرا عاديا وطبيعيا في المنطقة- عل الرغم من مخالفته لمبادرة الملك المغربي منذ فترة بفتح صفحة جديدة مع الجزائر وفتح الحدود بين البلدين- تعلن الجزائر أنها ستقف في وجه كل محاولات التطبيع مع الكيان الصهيوني في دول المغرب العربي، وأنها لن تقبل بدخول الكيان الى الاتحاد الافريقي.

 

فقد أكدت الدبلوماسية الجزائرية على أن قبول عضوية “إسرائيل” كمراقب في الاتحاد الافريقي لن يؤثر على دعم القضية الفلسطينية واتفقت مع 13 دولة افريقية وعربية وهي جنوب إفريقيا، تونس، أرتريا، السنغال، تنزانيا، النيجر، جزر القمر، الغابون، نيجيريا، زمبابوي، ليبيريا، مالي، السيشل على طرد الكيان الصهيوني نهائيا من الاتحاد الافريقي.

 

بدأت الجزائر رسميا بتشكيل طاقم افريقي لرفض هذا القرار حفاظا على مبادئ الاتحاد الافريقي ودعم القضية الفلسطينية. باركت الدول المنضمّة للطاقم الذي أعدته الجزائر أي خطوة ضد إسرائيل.

 

وأكدت دبلوماسية “الردع” الجزائرية تصديها لاي محاولة من قبل الكيان اختراق الاتحاد دون استشارة الدول الأعضاء. فقبول انضمام إسرائيل الى الاتحاد يهدف الى ضرب الجزائر واستقراره أولا وهو الرافض للتطبيع بكل اشكاله، وثانيا، تفعيل سياسة التمدد الصهيوني في القارة الافريقية التي تهدد مصالح الدول وامنها وامن شعوبها.

 

• دبلوماسية الردع الجزائرية لمواجهة خطر التطبيع:

 

بالمقابل وردّا على الاستفزاز الصهيوني-المغربي، تعمل الجزائر على تطوير علاقاتها مع حلفائها في المنطقة، حيث ستتقرب من كل من يعادي إسرائيل ويقف في وجه مخططاتها ومشاريعها، وعلى رأس هذا المحور، الجمهورية الإسلامية في إيران التي تعتبر التهديد الأكبر لإسرائيل ووجوده.

 

لم تقف الجزائر عند حد اعلان المواجهة مع الكيان والمطبعين معه، بل أعلن وزير خارجيتها قطع العلاقات الدبلوماسية مع المغرب، كردّ رسمي على الاستفزازات الصهيونية-المغربية الأخيرة والمتمثلة في محاولة سفير المغرب في الأمم المتحدة تمرير ورقة على هامش اجتماع مجلس الامن تقترح ضرورة النظر في إمكانية منح بعض الحركات الانفصالية في داخل الجزائر، حق تقرير المصير والانفصال على الدولة. اعتبر البعض هذا التحرك الدبلوماسي المغربي، تحركا استفزازيا يأتي ردّا على ما تعتبره المغرب تدخلا جزائريا في الشؤون الداخلية للمغرب، فيما يتعلق بموقف الجزائر الدائم من قضية الصحراء الغربية، ودعمها المتواصل لشعب الصحراء او ما يسمى جبهة البوليساريو ومساندتها لحق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره.

 

لابد من التذكير هنا بأنّ الصراع المغربي-الجزائري حول ملف الصحراء الغربية وتداعياته على العلاقات الثنائية بين البلدين ليس جديدا بل هو خلاف تاريخي يمتدّ الى ما قبل اندلاع الحرب بين المغرب وجبهة البوليساريو في سبعينات القرن الماضي.

 

فقضية الصحراء الغربية والتي تعتبر من رواسب الاستعمار القديم لم تكن يوما محل اتفاق بين البلدين، الجديد اليوم، هو إعادة تحريك المغرب لملف الخلافات الثنائية من بوابة التدخل في الشؤون الداخلية للجزائر- بدعم صهيوني علني- وذلك بإعلان المساندة والدعم لبعض الحركات الانفصالية في الجزائر (حركتي ماك ورشاد) المعروفة بولائها لفرنسا وجهات خارجية أخرى وعلى راسها المغرب والكيان الصهيوني.

 

أبرز مظاهر التدخل المغربي-الصهيوني العلني في الشؤون الداخلية الجزائرية، الاحداث الأخيرة التي عاشتها الجزائر والمتمثلة في الحرائق التي أتت على غابات منطقة ” تيزي وزو ” وهي تابعة لمنطقة القبائل الامازيغ في شرق العاصمة الجزائر (المعروف عنهم معارضتهم للسلطة الحاكمة، وكانوا من ضمن المحرّكين والناشطين في الحراك الشعبي الذي عرفته الجزائر منذ سنتين تقريبا.

 

معظمهم مؤيد لفرنسا وسياساتها في الجزائر بحكم العلاقة التاريخية معها.. علما أن في منطقة القبائل يوجد الكثير من الوطنيين الاحرار الذين قدموا التضحيات والشهداء في الثورة الجزائرية).

 

اعتبر النظام الجزائري هذه الاحداث محاولة منسقة بين المخابرات الفرنسية التي تحارب النظام في الجزائر وترفض سياسات وتوجهات الدولة الجزائرية الرافضة للتدخل الفرنسي في شؤون البلاد من جهة، والمغرب والكيان الصهيوني وخاصة الموساد الإسرائيلي من جهة أخرى (تقول الأوساط الجزائرية أنّ التنسيق بين المغرب والموساد أصبح مكشوفا الان في منطقة المغرب العربي خاصة بعد اعلان المغرب التطبيع العلني مع الكيان، وأنّ المغرب تمثل اليوم مركز أساسي للموساد في المنطقة) الذي يتدخل لتأليب الرأي العام الامازيغي بعد أن فشلت خطة التخريب الصحي في ازمة وباء كورونا بأياد داخلية تمثلت في أزمة نفاذ الأوكسجين والتي حاول البعض استغلالها للتصويب على فشل الحكومة في مواجهة تداعيات انتشار الوباء.

 

تلتها عمليات التعبئة للعناصر التابعة للمشروع المتواجدة والمنتشرة بين اوساط الجالية الجزائرية بفرنسا لإرسال مركّزات الأوكسجين في محاولة للقول بأن الدولة فاشلة وأن التضامن بين” أفراد الشعب القبائلي” يجب تثمينه وتسجيل هذه الخصوصية، التي ستجعل مطلب الانفصال أو التسيير الذاتي واجهة.

 

أثار قرار الجزائر قطع العلاقات الدبلوماسية مع المغرب واغلاق الحدود بين البلدين موجة من الاهتمام، خاصة في ظل ما تشهده المنطقة اليوم من تحولات وتغييرات كثيرة إضافة الى حالة عدم الاستقرار السياسي في الدول المجاورة للجزائر خاصة في تونس وليبيا.

 

من الضروري التذكير أنّ قرار الاغلاق ليس جديدا، فمنذ 1994 بادرت الجزائر بإغلاق الحدود مع المغرب حين كان التطبيع سرّيا وليس علنيا كما هو عليه اليوم.

 

حملت الجزائر لسنوات لواء الدفاع عن القضية الفلسطينية وحقوق الشعب الفلسطيني، ولم يكن مقبولا ان يصدر عن بلد المليون ونصف شهيد أي مبادرة او خطوة او حتى شعار، قد يفهم منه قبول بشكل او باخر لتواجد الكيان الصهيوني في منطقة المغرب العربي، والاعتراف به كدولة أو حتى السماح لشعوب هذه الدول بالتعامل معه.

 

لم يكن الامر سهلا، فاعلان اتفاقيات أوسلو ودخول منظمة التحرير الفلسطينية مسار التفاوض المباشر مع الكيان المحتل وصولا الى الاعتراف به كان له وقع خاص، أربك الساحة الجزائرية والعربية على حد سواء، بين مبارك بالخطوة التي رأى فيها انطلاقة مهمة لعملية سلام مع الكيان بعد سنوات من الحرب، وبين من رفضها وندد بها ووقف في وجهها ولا يزال من حركات مقاومة وقوى وأحزاب وتيارات.

 

• تفعيل العلاقات بين الجزائر ودول محور المقاومة في المنطقة:

 

في كل هذا المخاض الصعب والمعقّد ظلت السياسة الجزائرية، على عهدها تتعامل مع القضية الفلسطينية بنفس منطق المواجهة لمشاريع التهويد والتشويه للمقدسات والسلب لحقوق الشعب الفلسطيني، حاملة شعار كان قد أطلقه الرئيس الجزائري السابق المرحوم هواري بومدين بالقول” نحن مع فلسطين ظالمة او مظلومة”.

 

تخطو السياسة الجزائرية من خلال ” دبلوماسية الردع” التي تنتهجها خطوات مهمة نحو مواجهة مسار التطبيع العلني مع الكيان الصهيوني سواء مع المغرب والذي يبدو انه بدأ يأخذ مسارا خطيرا لاستهداف الجزائر وتونس وبقية دول منطقة المغرب العربي الرافضة للتطبيع والاعتراف بالكيان، او من خلال الضغوط التي تتعرض لها من قبل القوى الدولية وعلى رأسها الولايات المتحدة الامريكية وفرنسا.

 

في إطار دبلوماسية “الردع”، تتجه الجزائر اليوم الى تفعيل علاقاتها مع حلفائها المؤثرين على الساحة الدولية وعلى رأسهم الصين وروسيا وإيران في تموضع جديد في محور معادي وممانع لكل سياسات الهيمنة والسيطرة الغربية والأمريكية، وقد برزت هذه الخطوات جليّا في ظل توجه دبلوماسي ظهر مع عودة من يطلق عليه في الجزائر لقب “عراب تسوية بؤر التوتر الإقليمية”، وهو وزير الخارجية المخضرم رمطان لعمامرة، الذي وضع بصمته الأولى من خلال الاتصالات المفتوحة والمتنوعة مع مختلف العواصم خاصة طهران وبكين وموسكو.

 

تأكدت الخيارات الدبلوماسية الجزائرية في عدة شواهد أهمها مشاركة رئيس الوزراء الجزائري أيمن بن عبد الرحمن في حفل تنصيب الرئيس الإيراني السيد إبراهيم رئيسي رئيسا للجمهورية الإسلامية نيابة عن الرئيس الجزائري الى جانب العديد من الشخصيات الممثلة لقوى محور المقاومة في المنطقة -الذي يبدو أنها استفزت الكيان الصهيوني وقوى التطبيع العربي وعلى راسهم المغرب وبعض دول الخليج. كذلك اللقاء الثنائي بين الطرفين، الذي أكد على عمق العلاقات والخيارات بين البلدين.

 

يشير بعض المحللين الى أنه يبدو أن الزيارة تمهد لتفعيل “محور الممانعة” الذي تشكّل في المنطقة للوقوف في وجه المشاريع الاستكبارية وسياسات الهيمنة الأمريكي-الصهيونية، إضافة الى التقارب العربي – الإسرائيلي، لاسيما في ظل قلق الجزائر من الاعتراف الأميركي بمغربية الصحراء والتطبيع المسجل بين الرباط وتل أبيب.

 

كان ملفت التوجه الثوري والممانع في التصريح الذي قام به رئيس الوزراء الجزائري من طهران والذي أكد فيه بعد التنويه بأهمية العلاقات الثنائية مع الجمهورية الإسلامية والثناء على تعاطف الرئيس الإيراني مع الشعب الجزائري، “أن الجزائر قدمت في سبيل مقارعة الاستكبار أكثر من مليون و500 ألف شهيد”.

 

وأكد أن بلاده “وضعت سياساتها المبدئية على “حماية الشعوب المضطهدة في العالم”، ودون أن يسمي تلك الشعوب، كان واضحا أنّ التصريح يحمل رسائل تتعلق بدعم الجزائر لجبهة البوليساريو الانفصالية وللقضية الفلسطينية.

 

كما لفت إلى أن التحدي في الجزائر اليوم هو التفوق على المشاكل الاقتصادية وبذل الجهود الهادفة إلى توسيع العلاقات السياسية والاقتصادية مع سائر البلدان، وهو أساس رغبة المسؤولين الجزائريين في تنمية الأواصر مع إيران.

 

من هذا المنطلق، تتحرك الدبلوماسية الجزائرية اليوم بمنهجية جديدة تنبئ بتطورات كثيرة على مستوى الخيارات والسياسات والتوجهات التي ستعتمد عليها لمواجهة التحديات الكبرى وعلى رأسها خطر التطبيع مع الكيان الصهيوني ودخوله للساحة المغاربية والافريقية من بوابة المغرب، إضافة الى التحديات الاقتصادية ومشروع طريق الحرير الصيني الذي يبدو أنّ للجزائر نصيب فيه، وهي تعمل على توطيد العلاقات مع الصين للوصول الى تحقيق ذلك.

 

* إعداد فريق مركز الإتحاد للأبحاث والتطوير