المنبر الاعلامي الحر

حال العلاقات بين واشنطن والرياض عقب انسحاب الولايات المتحدة من أفغانستان

يمني برس:

لطالما تورطت العلاقات بين واشنطن والرياض في سلسلة من القضايا مثل الحرب اليمنية، واغتيال الصحفي السعودي المعارض “جمال خاشقجي”، وفتح ملف قضية 11 سبتمبر، وتأجيل زيارة وزير الدفاع الأمريكي “لويد أوستن” إلى المملكة العربية السعودية. ولقد أصبحت العلاقة بين الجانبين، بعد قرار الولايات المتحدة بمغادرة الشرق الأوسط على وشك الانهيار. وفقًا لموقع Yahoo News، فإن العلاقة الاستراتيجية بين الأسرة الحاكمة السعودية والحكومة الأمريكية تتدهور يومًا بعد يوم بسبب التغييرات المتكررة غير المتوقعة في نهج الرئيس الأمريكي “جو بايدن” تجاه المملكة العربية السعودية. ولقد تسبب الانسحاب العسكري الأمريكي الأخير في أفغانستان في توتر وقلق واسع النطاق في أذهان القادة العرب. وبينما قالت واشنطن مرارًا إن الانسحاب من أفغانستان ليس مرتبطًا بالوجود العسكري والاقتصادي الأمريكي في منطقة الشرق الأوسط، إلا أن الفوضى التي حدثت في مطار كابول الأفغاني، أصابت السعودية والإمارات ومصر وحتى قطر بالصدمة.

 

ويبدو أن تصرفات واشنطن أحادية الجانب في أفغانستان أضرت بشكل خطير بأسس النفوذ الأمريكي في الخليج الفارسي. وإذا اعتبرنا التطورات في أفغانستان حدثًا حصل مرة واحدة فقط، فستكون له عواقب سلبية محدودة على السعودية والإمارات وحتى مصر، لكن بعض حلفاء واشنطن يعتقدون أن هذا الحدث هو بداية لعملية أكبر. إن الدول العربية فشلت الآن في تقييم الموقف الأمريكي في العراق وتدخلها النشط في سوريا وليبيا، وتتوقع أن يكون للجيش الأمريكي انسحابًا شاملاً في الأشهر المقبلة من منطقة الشرق الاوسط. وتجد هذه الدول أن التطورات مقلقة حقًا، على الرغم من الخطاب الدبلوماسي لإدارة “بايدن” حول التزام الولايات المتحدة تجاه نفسها. ومن المؤكد أن المملكة العربية السعودية وولي العهد السعودي الأمير “محمد بن سلمان” سيواجهان تغييرات حقيقية في الأسابيع المقبلة.

 

إن قرار الولايات المتحدة بالضغط على السعودية، والذي أثر على العلاقة الإستراتيجية طويلة الأمد بين الجانبين، كان قرار مفاجئ. وفي الأسابيع الأخيرة، سحبت الولايات المتحدة نظام دفاعها الصاروخي من الأراضي السعودية، على الرغم من إصرار القادة السعوديين على بقاءه للتصدي للطائرات المسيرة والصواريخ اليمنية. ولقد كان القرار الأمريكي الأحادي الجانب بإعادة نشر أنظمة صواريخ باتريوت وأنظمة مضادة للصواريخ في قاعدة الأمير “سلطان” الجوية خارج الرياض مهمًا، خاصتا وأنه جاء في الوقت الذي تزداد فيه مخاوف حلفاء الولايات المتحدة الخليجيين بشأن التطورات في أفغانستان.

 

ويراقب محللون في الرياض وأبو ظبي والبحرين بقلق بالغ خطة سحب عشرات الآلاف من القوات الأمريكية من المنطقة وتركيز حكومة “بايدن” على آسيا. وبالنسبة للدول العربية في الخليج الفارسي ومصر، تأتي تصرفات “بايدن” الجديدة في أعقاب تصرفات الرئيسين الأمريكيين السابقين “باراك أوباما ودونالد ترامب” لإنهاء التدخل العسكري والأمني ​​الأمريكي المحتمل في منطقة الشرق الاوسط. ومن المتوقع أن تكلف هذه التصرفات الأمريكية، التي أغضبت المملكة العربية السعودية، واشنطن الكثير على المدى الطويل، وانعدام الثقة في الولايات المتحدة سيؤدي إلى توجه تلك الدول العربية شرقاً؛ خاصتا بعدما أصبح موقف الولايات المتحدة ضعيفا للغاية، وتضاءل تأثير واشنطن بشكل واضح في المنطقة. وخلال الفترة الماضية، كشفت العديد من التقارير الاخبارية أن عددا من الدول العربية الغنية بالنفط بدأت تتجه نحو الصين وبدأت ترسم لنفسها تحالفات قوية مع التنين الصيني.

 

وهنا يمكن القول أن التأثير التدريجي للصين في منطقة الشرق الأوسط يمكن رؤيته مع حلفاء الولايات المتحدة مثل الإمارات والسعودية. إن بكين هي أكبر مستورد للنفط السعودي، وهذا هو السبب في أن الصينيين هم الشريك التجاري الأكبر للمملكة العربية السعودية. وسرعان ما أصبحت الصين مستهلكًا رئيسيًا للنفط السعودي، وقد دأبت المملكة العربية السعودية على توفير المزيد من الطاقة للصين أكثر من أي دولة أخرى. ومع نمو التجارة بين البلدين بشكل تدريجي، تُظهر المملكة العربية السعودية أيضًا اهتمامًا بتطوير محادثات رفيعة المستوى مع بكين. وفي عام 2019، خلال زيارة ولي العهد السعودي الأمير “محمد بن سلمان” إلى الصين، تم توقيع اتفاقية لبناء مصفاة ومجمع للبتروكيماويات في مقاطعة “لياونينغ” كمشروع مشترك بين المملكة العربية السعودية والصين. وبالإضافة إلى ذلك، تم تدريس اللغة الصينية كلغة ثانية في المدارس السعودية منذ العام الماضي. وفي ذلك الوقت، قال “محمد بن سلمان” في مقابلة أجريت معه: “أعلنت الصين اليوم أنها شريك استراتيجي للسعودية، مثل روسيا والهند. وبالطبع تظل الولايات المتحدة الشريك الاستراتيجي للسعودية. لكننا نعزز مصالحنا مع الجميع”. لقد سيطرت الولايات المتحدة على نصف الاقتصاد العالمي في الخمسينيات من القرن الماضي، لكن هذا الرقم انخفض ووصل الآن إلى 20٪.

 

ولكن النفوذ الاقتصادي للصين في الإمارات ربما يكون أكثر وضوحًا منه في الدول العربية الأخرى، خاصتا وأن الآلاف من الشركات الصينية العاملة في الإمارات، وعشرات الآلاف من الصينيين العاملين في دبي، وأجزاء كبيرة من التجارة البحرية للصين في موانئ الإمارات، والتعاون المكثف في مكافحة وباء كورونا وشراء معدات الحماية الشخصية لـ “محمد بن زايد” يمكن رؤيتها بشكل واضح. ومن ناحية أخرى، تم تنفيذ الآفاق الاقتصادية لمشيخات الخليج الفارسي مثل رؤية المملكة العربية السعودية وقطر والبحرين لعام 2030 ورؤية الإمارات العربية المتحدة لعام 2021 ورؤية الكويت لعام 2035 ورؤية عمان لعام 2040 بالتزامن مع المنافسة الاقتصادية بين بكين وواشنطن. وأيضًا، ونظرًا للتقدم الملحوظ الذي حققته الصين في التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، يرى العرب أن بكين وجهة جيدة للاستثمار في آفاقهم.

 

وإضافة إلى تضاؤل ​​ثقة حلفاء الولايات المتحدة في السياسات الأمريكية، يفسر الكثيرون هزيمة واشنطن في أفغانستان على أنها “تراجع للإمبراطورية الأمريكية”. ولهذا فهم الان في وسط معضلة حماية تحالفهم مع الولايات المتحدة أو الانسحاب التدريجي من هذا التحالف. وفي هذا السياق، يشير مركز دراسات الشرق الأوسط في مقال له إلى أن مخاطر الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والصين على الدول الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي ستكون أعلى بكثير مما هي عليه في أجزاء أخرى من العالم. ويرى العديد من المراقبين الأمريكيين أن الصين نقطة خلاف رئيسية مع دول الخليج عندما يتعلق الأمر بدور الصين في المنطقة. ويرى “جوناثان فولتون”، الخبير في العلاقات بين الصين ومنطقة الشرق الأوسط، أن علاقات دول الخليج مع الصين تشكل حاجزًا جيدًا أمام حكامها. ويعتقد الكتاب الغربيون أيضًا أن دول غرب آسيا، وخاصة العرب، رغم أنهم مجبرون على ما يبدو على الحفاظ على تحالفهم مع الولايات المتحدة؛ لكنهم يميلون أكثر إلى التحالف مع الصين، لأن هدف بكين الرئيسي هو توسيع النفوذ الاقتصادي والتجارة في جميع دول العالم، وعلى عكس الولايات المتحدة، لا علاقة لها بالهيكل السياسي والأمني ​​لتلك الدول.

الوقت