المنبر الاعلامي الحر

لماذا يبحث “أردوغان” عن عملية جديدة في شمال سوريا؟

يمني برس:

بعد مقتل شرطيين تركيين خلال اشتباك مع قوات سوريا الديمقراطية (قسد) في شمال البلاد، أكد “رجب طيب أردوغان” عقب إنتهاءه من صلاة الجمعة في 15 أكتوبر 2021، على أن صبره قد نفذ بسبب تحركات حزب العمال الكردستاني في شمال سوريا، وأشار إلى إمكانية شن عمليات جديدة في تلك المنطقة. وفي الوقت نفسه، نقلت “رويترز” عن مسؤولين تركيين في الدفاع والأمن قولهما إن نشر العديد من الكوماندوز ونقل العديد من ناقلات الأفراد والمعدات العسكرية إلى الحدود السورية دليل على جدية “أردوغان”. ومن المقرر أن يلتقي “أردوغان” بالرئيس الأمريكي “جو بايدن” والرئيس الروسي “فلاديمير بوتين” على هامش قمة مجموعة العشرين في روما بإيطاليا نهاية الشهر الجاري، وعقب عقد هذه المحادثات، قد يؤجل “أردوغان” قراره النهائي إلى وقت لاحق. ومع وضع هذا في الاعتبار، أصبح دافع “أردوغان” لشن جولة جديدة من العمليات العسكرية في شمال سوريا والمواقف المحتملة لمختلف الجهات الفاعلة في مواجهة الهجمات المحتملة قضية خطيرة تحتاج إلى تحليل.

 

ثلاث فرضيات حول أسباب خطة “أردوغان” الجديدة لغزو شمال سوريا

يمكن طرح ثلاث فرضيات حول سبب ظهور خطة “أردوغان” الجديدة لغزو شمال سوريا. الفرضية الأولى هي أن خطة مهاجمة شمال سوريا هي ورقة ضغط الرئيس التركي الجديدة للضغط على حكومة “بايدن”. ففي الوقت زمنذ وصول إدارة “بايدن” إلى السلطة في الولايات المتحدة، كانت الحكومة التركية غاضبة للغاية من “بايدن”. ولقد أدى هذا إلى فساد العلاقات بين البلدين، ولم تسفر زيارة “أردوغان” الأخيرة للولايات المتحدة في منتصف سبتمبر من هذا العام عن أي إنجاز بالنسبة له. لذلك، تكهن بعض المراقبين السياسيين بأن “أردوغان” ربما يحاول تهدئة موقف واشنطن ضده من خلال الدعاية لغزو شمال سوريا، وأنه ليس لديه في الأساس خطط لشن عمليات عسكرية جديدة. إن زيارة “أردوغان” إلى “سوتشي” والاجتماع مع “فلاديمير بوتين” في 29 سبتمبر 2021، جاءت عقب اجتماع رئيسي روسيا وسوريا وهذه هي فرضية مهمة أخرى يمكن من خلالها الاستفادة من الاتفاق بين أنقرة وموسكو، كأساس لتخطيط تركيا الجديد لمهاجمة شرق الفرات.

 

والفرضية المهمة الأخرى حول سبب خطة “أردوغان” لمهاجمة شمال سوريا تتعلق بالشؤون الداخلية لتركيا ومحاولة حزب العدالة والتنمية أن يصبح بطلاً من أجل كسب أصوات المواطنين في الانتخابات البرلمانية والرئاسية المقبلة. والحقيقة هي أنه في الوضع الحالي أصبح الاقتصاد التركي ضعيفًا للغاية؛ ولقد تجاوز كل دولار أمريكي في تركيا قيمة 9 ليرات، ويواجه المواطنون موجة إحباط من حالة الحكم. وفي مثل هذا الوضع، يحاول “أردوغان” حشد القوميين في الداخل وصرف الرأي العام عن المشاكل الاقتصادية بمغامرة جديدة في سوريا لتمهيد الطريق لصدمة للمجتمع، حتى يتمكن حزب العدالة والتنمية من البقاء في السلطة.

 

ولقد أشارت صحيفة “ملييت” التركية، إلى أن القوات التركية أصبحت في حالة تأهب، بعد هجوم الوحدات الكردية المسلحة في منطقة عمليات “درع الفرات”، مشيرة إلى أنه يجري عن كثب مراقبة ورصد الأنشطة العسكرية لـ”المنظمة الإرهابية” في تل رفعت. ولفتت إلى أن مواقع الجماعات المسلحة في تلك المنطقة تتعرض لقصف مدفعي وصاروخي من القوات التركية التي عززت من تواجدها في القواعد العسكرية. وأشارت إلى أن تصريحات الرئيس التركي الأخيرة، فسرت على عزم أنقرة تنفيذ عملية عسكرية محدودة لوقف الهجمات التي تنفذ على القوات التركية والجيش الوطني السوري من الوحدات الكردية المسلحة، ولإنشاء منطقة آمنة في مقاطعة الشهباء التي تقع فيها تل رفعت شمال غرب حلب. وأوضحت أنه في العملية العسكرية المحتملة، تخطط القوات التركية للسيطرة على الممرات التي تربط المنظمة الكردية في تل رفعت وعفرين. ولفتت إلى أن أنقرة عززت من القوات على طول الخط الحدودي الذي يفصل ما بين تل رفعت وعفرين، في حين يتم مراقبة “الجبهات المضادة” من الطائرات التركية المسيرة لمواجهة أي هجمات محتملة، فيما أرسلت مدرعات لتعزيز الوحدات العسكرية هناك.

 

احتمال رد فعل غربي قوي ضد “أردوغان”

نفذ الجيش التركي حتى الآن ثلاث عمليات كبرى، درع الفرات (2016) وغصن الزيتون (2018) ونبع السلام (2019) في مناطق شمال سوريا، وسيطر على مناطق واسعة شمال سوريا، لكن في غضون ذلك، يُشار إلى أنه باستثناء عملية “نبع السلام” التي أثارت موجة معارضة من الدول الأوروبية، فقد اتخذت الدول الغربية، وخاصة الولايات المتحدة، موقفًا صامتًا وسلبيًا تجاه الهجمات التركية. وفي مثل هذه الظروف، يبدو أن أي هجوم عسكري تركي جديد على شمال سوريا سيثير رد فعل غربي قوي على شكل ضغط سياسي وعقوبات اقتصادية. وعلى عكس الماضي، لم يعد “ترامب” في السلطة في البيت الأبيض، وسيتبع “بايدن” بلا شك سياسة مختلفة وربما يفرض عقوبات على تركيا. وهذا الاحتمال مرتبط أيضًا بسياسات الاتحاد الأوروبي، وخاصة فرنسا.

 

الحكومة المركزية السورية ليست صامتة

انسجاما مع الغرب، لم تتخذ الحكومة السورية الشرعية أي إجراء يذكر ضد هجمات أنقرة ومرتزقتها السوريين في الماضي، وعلى الرغم من دافعها القوي لمقاومة هجمات الجيش التركي، لكن يبدو أنها أصبحت في وضع جديد على عكس ما كانت عليه في الماضي، وكما أكد مسؤولون سوريون في الأشهر الأخيرة، لن تظل دمشق صامتة في وجه أي محاولة تركية جديدة لاحتلال الاراضي السورية. وفي الوضع الجديد، يبدو أن حكومة “بشار الأسد” لن تقبل الصمت أو التقاعس ضد أنقرة، بل إنها ستواجه أيضًا الجيش التركي على الأرض. ومنذ نحو أسبوع تجاوزت الأنظار في شمال سوريا ما يجري في محافظة إدلب وتطوراتها الميدانية، إلى مناطق ريف محافظة حلب الشمالي، التي تعرف باسم مناطق “الإدارة التركية”، في تطورٍ يرى محللون أنه قد يمهد لتغييرات عسكرية ضمن الخريطة المقسّمة بين أطراف النفوذ. وتخضع مناطق ريف حلب لسيطرة تحالف “الجيش الوطني السوري” المدعوم من أنقرة، وشهدت خلال الساعات الـ48 الماضية أحداثا عدة، أبرزها مقتل شرطيين من القوات الخاصة التركية بهجوم بصاروخ مضاد للدروع، إلى جانب انفجار سيارة مفخخة في مدينة عفرين، أسفر عن مقتل مدنيين.

 

الأكراد ضد التهديد بالوجود والتعاون مع دمشق

سيكون الأكراد السوريون، كما كانوا في العديد من العمليات التركية السابقة، محور التركيز الرئيسي للهجمات المحتملة، والتي أعلن عنها “أردوغان” مؤخرًا. ولقد عانى الأكراد في الماضي من خسائر لا يمكن تعويضها بوضع كل بيضهم في السلة الأمريكية، وهو ما يمكن اعتباره رمزًا واضحًا لفقدان “عفرين” والتغير في التركيبة السكانية للمدينة. ولقد أصبح الأكراد الآن أقلية في “عفرين”، المدينة التي كانت الغالبية العظمى من السكان فيها من الأكراد. ومما لا شك أن الأكراد السوريين، الذين يقودون قوات سوريا الديمقراطية، سيكونون مرة أخرى الخاسرين الرئيسيين في المعادلات الميدانية في شمال سوريا إذا استمر نهجهم الخاطئ مرتبطًا بالسياسات الأمريكية. ولهذا فقد حان الوقت الآن لدخول الأكراد في مفاوضات واتفاقيات مع دمشق قبل أي خطوة جديدة من قبل “أردوغان”.

 

في المحصلة تبقى كل الاحتمالات مفتوحة وسط الإصرار التركي على شنّ عملية عسكرية مرتقبة على الرغم من خطورة الأمر وتداعياته على كل المستويات، ترجّح أنقرة خيار التنسيق والاقناع الدبلوماسي، ولكنها في ذات الوقت يبدو أنها باتت مقتنعة باستحالة منحها مكسباً جديداً على طول الحدود بلا مقابل، ووسط تمديد الإدارة الأمريكية لحالة الطوارئ يزداد المشهد تعقيداً، ولكن يمكن القول إن تركيا مصممة أكثر من أي وقت مضى على العملية العسكرية بصرف النظر عن المكان والحجم والجهة المُنفذة، ما يعني احتمال أن تعوّل أنقرة على الجيش الوطني السوري بشكل منفرد، وهذا خيار متاح وورقة رابحة يمكن الاعتماد عليها في تقليل حجم المخاطر بكون هذه القوة تُعتبر محلية وتشكيلاتها من أبناء المناطق السورية.

الوقت