رقصة الموت في الوادي والصحراء.. حضرموت تتحول إلى ساحة “كسر عظم” بين وكلاء الرياض وأبو ظبي!!
يمني برس | يحيى الربيعي
على وقع طبول الحرب، تعيش محافظة حضرموت، الخزان النفطي والشريان الاقتصادي الأكبر للبلاد، فصلاً دراماتيكياً من فصول الصراع الجيوسياسي الذي تجاوز مرحلة “التباين الخفي” بين قطبي التحالف، السعودية والإمارات، ليتحول إلى مواجهة مكشوفة على الأرض، أدواتها محلية وقرارها خارجي بامتياز، حيث ينذر المشهد بانزلاق “المحافظة المسالمة” نحو المجهول، في ظل تحشيد عسكري غير مسبوق يهدد بتمزيق النسيج الاجتماعي وتفجير الوضع عسكرياً.
وفي تطور ميداني متسارع يضع المحافظة على “حافة الهاوية”، شهدت الأيام القليلة الماضية سباقاً محموماً للسيطرة على الأرض، حيث دفع ما يسمى بالمجلس الانتقالي الجنوبي، مدفوعاً برغبة إماراتية جامحة، بتعزيزات عسكرية ضخمة من خارج المحافظة، مصحوبة بخطاب إعلامي ناري لوّح فيه القيادي “أبو علي الحضرمي” باستخدام القوة لفرض أمر واقع جديد، في رسالة بدت موجهة بالأساس لحلف قبائل حضرموت، الذي يقف أمام طموحات أبو ظبي في بسط نفوذها الكامل على الهضبة النفطية.
هذا التصعيد قوبل بردة فعل فورية وحاسمة من قبل حلف قبائل حضرموت، الذي يتمتع بغطاء سياسي وعسكري من الرياض؛ إذ سارع الحلف لعقد اجتماعات قبلية موسعة، أعلن فيها النفير العام، لرفض التمدد الانتقالي، ولقطع الطريق أمام أي محاولة لاختراق “الوادي والصحراء”.
وتُظهر التحركات الميدانية أن الحلف، المسنود بقوات المنطقة العسكرية الأولى (المحسوبة على الإصلاح والموالية للرياض)، قد انتقل من مربع الدفاع إلى الهجوم الاستباقي، حيث أحكمت القبائل سيطرتها على حقول النفط وقطاعاته الحيوية، وأغلقت منافذ مديريات الوادي، مما شكّل ضربة قاصمة لمساعي الانتقالي الذي كان يُعد العدة لإقامة فعالية جماهيرية في مدينة سيئون بمناسبة ذكرى 30 نوفمبر، بهدف إظهار حضوره الشعبي وفرض سيطرته السياسية.
ويشير إلغاء الفعالية التي كان يزمع عيدروس الزبيدي حضورها، وفقاً لمصادر “البوابة اليمنية”، إلى فشل ذريع للمجلس الانتقالي في اختراق الحصن السعودي في حضرموت، وهو ما يعده مراقبون “انتكاسة سياسية وعسكرية” للمشروع الإماراتي، الذي اصطدم هذه المرة بجدار صد سعودي صلب، تجلى بوضوح في الاستعراض العسكري الذي نفذته القوات السعودية في شوارع سيئون، مدعومة بالدبابات والمدرعات، في رسالة وصفها خبراء عسكريون بأنها “إنذار أخير” للحليف الإماراتي الصغير بأن “العبث في الحديقة الخلفية للمملكة خط أحمر”.
ولا يقتصر المشهد على التحركات العسكرية، بل يمتد ليعكس صراعاً عميقاً للأجندات؛ فبينما تسعى الإمارات عبر الانتقالي لفصل الجنوب والسيطرة على الموانئ والثروات لخدمة أطماعها الإقليمية، تعمل السعودية على ترسيخ نفوذها في الشرق اليمني لضمان منفذ استراتيجي لها ومنع أي تفرد إماراتي بالقرار.
ويرى محللون سياسيون أن الرياض، التي تخشى من تمدد كيان مسلح لا تديره بالكامل، وجدت في حلف قبائل حضرموت “القفاز المناسب” لتوجيه لكمات سياسية وعسكرية لأبو ظبي دون الدخول في مواجهة مباشرة، وهو ما يفسر الدعم اللوجستي والسياسي الكبير الذي يتلقاه الحلف، وتزامن ذلك مع تقارير إعلامية تحدثت عن طلب سعودي من واشنطن لفرض عقوبات على الإمارات بسبب تصعيدها في اليمن والسودان.
وفي خضم هذه المعركة، تبرز المناورات السياسية كجزء من أدوات الصراع، حيث جاء تعيين “سالم الخنبشي” محافظاً لحضرموت –وهو الشخصية المحسوبة حالياً على الرياض– كمحاولة لخلط الأوراق وسحب البساط من تحت أقدام المحافظ السابق “مبخوت بن ماضي” الموالي للإمارات، والذي فقد غطاءه الشرعي وقدرته على توفير المظلة لتحركات الانتقالي.
ورغم محاولات الزبيدي استمالة الخنبشي، إلا أن الوقائع على الأرض تشير إلى أن “الانتقالي” بات محاصراً سياسياً وشعبياً في الوادي، خاصة مع توعد الاستخبارات السعودية لعضو المجلس الرئاسي “فرج البحسني” بمصير مشابه لـ”أبو علي الحضرمي” في حال استمراره في الانحياز للمشروع الإماراتي، وفقاً لتسريبات نقلها الصحفي المقرب من الاستخبارات السعودية علي العريشي.
وتمتد شظايا هذا الصراع لتطال الجانب الاقتصادي، الذي يُعد المحرك الأساسي لهذه الحرب؛ إذ كشفت مصادر نفطية عن رفض محافظ شبوة الموالي لأبو ظبي، بتوجيهات إماراتية، تسليم قطاعات نفطية لشركات تديرها شخصيات محسوبة على الرياض، متمسكاً بإنشاء شركة “بتروشبوة” كواجهة للأطماع الإماراتية.
ويؤكد هذا التنافس المحموم على الموارد ما ذهب إليه المحللون من أن الثروة النفطية هي “لعنة حضرموت” ومغناطيس الصراع، حيث تحولت حقول المسيلة والقطاعات النفطية إلى “كعكة” تتقاسمها القوى الخارجية عبر وكلائها، بينما يكتوي المواطن الحضرمي بنار الغلاء وتردي الخدمات، ويدفع من سلمه الاجتماعي فاتورة باهظة لأطماع لا ناقة له فيها ولا جمل.
وفي سياق أوسع، يربط المستشار السياسي الإماراتي عبد الخالق عبد الله بين ما يجري في حضرموت وبين الملف السوداني، كاشفاً عن مقايضات تجري خلف الكواليس، حيث تبدو الإمارات مستعدة لتقديم تنازلات في ملفات معينة مقابل مكاسب في أخرى، إلا أن تعقد المشهد في حضرموت وفشل الانتقالي في حسم المعركة، قد يجبر أبو ظبي على إعادة حساباتها.
Comments are closed.