خرق وقف إطلاق النار يكشف ملامح الغطرسة الإسرائيلية الدموية الشاملة!!
الحديث عن التصعيد المستمر وخروقات “وقف إطلاق النار” لا يمكن أن يكتمل دون تسليط الضوء على الدور المحوري والمدمر للإدارة الأمريكية، التي توفر للكيان الإسرائيلي غطاءً سياسياً وعسكرياً لا يقل ضراوة عن القنابل التي تسقط على غزة، فالجرائم الممنهجة وعمليات التطهير العرقي المستمرة التي تتسع من القطاع إلى الضفة الغربية وما وراءها، تجد ركيزتها الأساسية في هذا الدعم غير المشروط، الذي يتحوّل إلى مدخل قوي ومباشر لشرعنة وتوسيع نفوذ وسلطة الاحتلال.
يمني برس | يحيى الربيعي
لقد تجلّت ازدواجية المعايير الأمريكية على نحو فاضح؛ فبينما يطالب المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة ستيفان دوجاريك بضرورة السماح بإدخال المساعدات دون قيود، وتمكين المنظمات من إيصال الإمدادات، تستمر واشنطن في استخدام حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن لإجهاض أي قرار أممي يطالب بوقف حقيقي لإطلاق النار أو يفرض إدخال المساعدات بالقدر الكافي، هذا التعطيل المتعمد للآلية الدولية لا يمثل حماية دبلوماسية للكيان الإسرائيلي فحسب، بل هو مشاركة فعلية في تثبيت الحصار وإدامة الظروف الكارثية التي يعيشها سكان غزة، ومنع إيصال الـ6500 طن من مواد الإغاثة التي نسقتها الأمم المتحدة والمواد الأخرى الممنوعة من منظمات الإغاثة.
التحذير الذي أطلقه المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، الذي حمّل فيه الاحتلال “المسؤولية الكاملة عن جميع التداعيات الإنسانية والأمنية الناجمة عن هذه الانتهاكات”، يُسقط بدوره جزءاً من هذه المسؤولية على الأطراف الضامنة للاتفاق، وعلى رأسها الولايات المتحدة، التي يُطالبها المكتب الإعلامي بـ”التحرك الجاد والفاعل لوقف هذه الاعتداءات، ولجم الاحتلال”. لكن الموقف الأمريكي يشي بتجاهل كامل لهذه المطالب، إذ يرى الكيان الإسرائيلي في هذا الدعم ضوءاً أخضر مفتوحاً لمواصلة خرق اتفاق وقف إطلاق النار الذي تجاوزت خروقاته الـ591 خرقاً موثقاً.
الغطاء الأمريكي يتجاوز البعد السياسي ليصل إلى تمكين الاحتلال من استمرار تنفيذ مخططه للهيمنة الدموية، حيث يُنظر إلى واشنطن على أنها الشريك الأساسي في توسيع دائرة الاعتداء لتشمل الضفة الغربية، عبر إضفاء الشرعية على حملات القمع العسكرية والإعدامات خارج نطاق القضاء التي يُرحب بها قادة متطرفون مثل إيتامار بن غفير. كما يتيح هذا الغطاء للكيان الإسرائيلي التحرّك بـ”سيادة فائقة” في لبنان وجنوب سوريا، وشنّ الهجمات التي تُشرعن التوغل في أراضٍ لا يملك حقاً قانونياً فيها، دون الخشية من المساءلة الدولية الحقيقية.
كما أن الإصرار الأمريكي على تجاهل معايير القانون الدولي وإفشال الجهود الدبلوماسية يرسّخ قناعة مفادها أن وهم “وقف إطلاق النار” لن يتبدد إلا بوضع حدٍّ قسري لهذا التحالف العدواني الصهيو-أمريكي، الذي يمثل التحدي الأكبر أمام تحقيق الاستقرار في المنطقة برمتها.
في خضمّ السردية الهشة التي تتحدث عن “وقف إطلاق نار” في قطاع غزة، تتكشف حقائق ميدانية دامية ترسم ملامح مخطط متصاعد للعدوان الصهيو-أمريكي يمتد من القطاع المحاصر إلى سائر الأراضي الفلسطينية المحتلة والمنطقة بأسرها. فقد أكدت صحيفة “الغارديان” أن وقف إطلاق النار لم يكن سوى “تخفيف من إطلاق النار، حيث يستمر الهجوم، وتُشن هجمات شبه يومية على القطاع”، موضحة أن الأرقام المتزايدة للضحايا تؤكد ذلك، إذ قُتل منذ بدء سريان الاتفاق أكثر من 300 شخص وجُرح ما يقرب من 1000 آخرين، وهي أرقام تبرهن على أن وقف إطلاق النار قد قلّل من الاهتمام والتدقيق العالميين في الوقت الذي تتضح فيه معالم المخطط الإسرائيلي الناشئ لـ”هيمنة دموية ليس فقط في غزة، بل في جميع أنحاء فلسطين والمنطقة ككل”.
وبهذا الوصف، يترسخ التحذير الذي أطلقته أغنيس كالامار، الأمينة العامة لمنظمة العفو الدولية، عندما وصفت الوضع في غزة بأنه “وهم خطير بأن الحياة في غزة تعود إلى طبيعتها”، مشددة على ضرورة “ألا ينخدع العالم”؛ لأن “الإبادة الجماعية الإسرائيلية لم تنتهِ بعد”.
وفي السياق ذاته، لم يتوقف جيش الاحتلال الإسرائيلي عن ارتكاب الخروقات الممنهجة لاتفاق وقف إطلاق النار، حيث وثّق المكتب الإعلامي الحكومي في غزة وقوع 591 خرقاً خلال 53يوماً منذ سريان الاتفاق، أسفرت عن استشهاد 357 مدنياً وإصابة 903 آخرين، واعتقال 38 مواطناً، وهي اعتداءات تنوعت بين إطلاق نار مباشر وعمليات توغل وقصف واستهداف لأحياء النازحين ونسف للمنازل، في جريمة ممنهجة تهدف إلى توسيع الدمار ومعاقبة السكان جماعياً، وهو ما يرقى إلى خرق جسيم لأحكام اتفاقيات جنيف، الأمر الذي يُحمِّل الاحتلال المسؤولية الكاملة عن تداعيات هذه الانتهاكات ويؤكد أن استمراره في هذا النهج العدواني سيفشل أي جهود دولية للحفاظ على التهدئة، حسب بيان المكتب الإعلامي.
حصار خانق وتفاقم الكارثة الإنسانية
تتفاقم الكارثة الإنسانية في قطاع غزة، حيث أكد ستيفان دوجاريك، المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة، أن نقص الإمدادات الأساسية والدمار الواسع للبنية التحتية يشكلان “عائقاً كبيراً” أمام توسيع الخدمات الصحية، واصفاً الوضع الإنساني بأنه “سيئ للغاية”. وتأتي هذه التصريحات في ظلّ استمرار سلطات الاحتلال في تقييد دخول المساعدات الحيوية، فقد مُنعت منذ وقف إطلاق النار في 10 أكتوبر من دخول ما يقرب من 6500 طن من مواد الإغاثة التي نسقتها الأمم المتحدة، إضافة إلى منع شحنات حيوية من المياه والغذاء والخيام والإمدادات الطبية تابعة لـ17 منظمة غير حكومية دولية خلال الأسبوعين اللذين تليا الاتفاق، وفقاً لمنظمة “أوكسفام”.
وفي هذا الصدد، شدّدت حركة المقاومة الإسلامية حماس على أن كميات الشاحنات التي يسمح الاحتلال بدخولها “لا تلبّي الحد الأدنى من الاحتياجات الأساسية”، مشيراً المتحدث باسم الحركة حازم قاسم إلى أن معظمها مخصّص للقطاع التجاري وتحمل مواد “تكميلية غير ضرورية” بينما يحتاج الأهالي بصورة عاجلة إلى مساعدات إغاثية أساسية، لا سيما مع اقتراب فصل الشتاء.
وحذرت حماس من أن مراكز الإيواء والخيام الحالية “غير صالحة للعيش” ومواجهة الظروف القاسية، داعية الوسطاء والدول المعنية إلى تحرك عاجل لإدخال البيوت المتنقلة (الكرفانات) لتفادي تكرار المآسي التي شهدتها مراكز الإيواء في الأعوام الماضية، وذلك في وقت أسفر فيه العدوان منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 عن أكثر من 238 ألف شهيد وجريح، معظمهم من النساء والأطفال، إضافة إلى تهجير مئات الآلاف وفرض مجاعة خطيرة.
جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية
يتضح أن ملامح الهيمنة الصهيونية لا تقتصر على غزة، بل تمتد بعمق لتشمل الضفة الغربية المحتلة، حيث تستمر حملة القمع العسكرية، التي اشتدت منذ السابع من أكتوبر 2023، لتصل إلى “حصَّار عسكري كامل”. وقد بيَّنت نسرين مالك أن هذا النمط من التهجير القسري الذي أُجبر بسببه عشرات الآلاف من الفلسطينيين على ترك منازلهم هذا العام، قد وصفته هيومن رايتس ووتش بأنه يرقى إلى “جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وتطهير عرقي.. يجب التحقيق فيها ومقاضاة مرتكبيها”.
لقد كشف مقطع فيديو صادم عن إعدام رجلين فلسطينيين في جنين على يد جنود الاحتلال بعد استسلامهما الظاهري، وهي جريمة لقيت دعماً صريحاً من وزير الأمن القومي اليميني المتطرف إيتامار بن غفير الذي أكد أن القوات “تصرفت تماماً كما هو متوقع منهم – يجب أن يموت الإرهابيون”.
هذه الأحداث، التي تُعد “نافذة صغيرة في لحظة تصوير نادرة على سفك الدماء”، تأتي في سياق مقتل أكثر من 1000 شخص على يد قوات الاحتلال والمستوطنين في الضفة الغربية خلال العامين الماضيين، ثُلثهم تقريباً من الأطفال، في حين يُشتبه في أن أكثر من 300 حالة كانت “إعداماً خارج نطاق القضاء”، كما نقلت نسرين مالك، لافتة إلى أن أكثر من 93% من التحقيقات في هجمات المستوطنين، التي سجلت الأمم المتحدة أكثر من 260 منها في تشرين الأول/أكتوبر وحده، تنتهي دون توجيه أي اتهامات.
في الوقت ذاته، تتسع حدود تفويض الكيان الإسرائيلي بالاعتداء والاستيلاء على الأراضي خارج الأراضي الفلسطينية المحتلة، حيث شنّت القوات الإسرائيلية توغلاً برياً في جنوب سوريا، أسفر عن مقتل 13 سورياً، بينهم أطفال، في خطوة أكدت بها تل أبيب “حقها” في الوصول إلى الأراضي السورية كما فعلت مرات عدة منذ غزوها واحتلالها للمنطقة العازلة، بينما اتهمت هيومن رايتس ووتش القوات الإسرائيلية بتطبيق أساليب استعمارية في الأراضي الفلسطينية وسوريا، تشمل “التهجير القسري، ومصادرة المنازل، وهدم المنازل، وقطع سبل العيش”.
وكذلك الحال في لبنان، حيث لا يزال 64 ألف شخص نازحين بعد حرب العام الماضي، وتكثفت الهجمات الإسرائيلية والقصف شبه اليومي على الرغم من مفاوضات اتفاق السلام، في إطار يكشف عن نفوذ إسرائيلي شامل و”سيادة فائقة” في المنطقة، وهو ما وصفه تقرير حديث لصحيفة نيويورك تايمز بالقول إن “الوضع في لبنان يقدم مثالاً قاطعاً على شرق أوسط جديد حيث يكون نفوذ إسرائيل في كل مكان تقريباً”.
وفي الختام، تتلاشى آمال الوسطاء والدبلوماسيين في تحقيق أي نوع من السلام في فلسطين أو الشرق الأوسط الأوسع، فالتساؤلات التي يفرضها واقع الحال: “أي نوع من وقف إطلاق النار هذا؟ أي نوع من الوضع الراهن هذا؟” تؤكد أن ما يجري هو وضع “متقلب وغير مستدام”، ولن يتحقق أي مستقبل مستقر ما لم يتم وضع حدٍّ فوري لـ”أعمال إسرائيل غير القانونية في أراضٍ لا تملك أي حق قانوني فيها”، فالوهم الخطير بعودة الحياة إلى طبيعتها لا ينطبق على غزة فحسب، بل على فلسطين والمنطقة بأسرها، وهو وهمٌ مصيره التبدد قريباً.
Comments are closed.