المنبر الاعلامي الحر

لعبة “كسر العظم” في الشرق اليمني.. اتفاق الرياض وأبوظبي يضع السيادة اليمنية على مذبح المصالح

في الركن الشرقي من الخارطة اليمنية، تدور رحى حربٍ صامتة وأخرى معلنة، لا تهدف إلا إلى إعادة هندسة الجغرافيا والديموغرافيا لصالح قوى خارجية، متجاوزةً بذلك كل الشعارات البراقة التي رُفعت يوماً، المشهد اليوم في محافظتي المهرة وحضرموت يتجاوز كونه مجرد تحركات عسكرية روتينية؛ إنه فصلٌ دراماتيكي جديد من فصول المؤامرة الكبرى، حيث قرر “الرعاة” الإقليميون –الرياض وأبوظبي– الانتقال من مرحلة التنافس الخفي إلى مرحلة “التقاسم الوظيفي” المكشوف، تاركين لأدواتهم المحلية مهمة تنفيذ الأدوار المرسومة بدقة، وسط غياب تام للإرادة الوطنية لدى تلك المكونات المرتهنة للخارج.

يمني برس | يحيى الربيعي

تبدأ الحكاية من محافظة المهرة، البوابة الشرقية التي ظلت عصية لسنوات، حيث أسدل الستار مؤخراً على فصلٍ من فصول السيطرة، بإعلان ما يسمى بقوات “درع الوطن” –التشكيل العسكري الذي أنشأته وتموله السعودية ليكون ذراعها الطولي– تسلمها الكامل لزمام الأمور في مدينة الغيضة، مركز المحافظة. هذا الإعلان الذي جاء عبر المركز الإعلامي لتلك القوات، ليمثل إشعاراً رسمياً بإنهاء دور أدوات أخرى استنفدت أغراضها؛ فقد بسطت هذه القوات سيطرتها على مطار الغيضة الدولي بمرافقه الحيوية، وأحكمت قبضتها على شريان النقل البري الاستراتيجي في طريقي “العبر – الوديعة” و”العبر – الخشعة”، لتضمن بذلك الرياض ممراً آمناً ومباشراً يربط عمقها بأراضيها، متحكمةً في حركة التجارة والعبور، وواضعةً “المجلس الانتقالي” المدعوم إماراتياً في زاوية الانحسار الإجباري، بعد أن كان قد استلم هذه المواقع سابقاً في مشهدية استعراضية لم تدم طويلاً.

وبينما كانت الآليات العسكرية السعودية تعيد رسم خارطة النفوذ على الأرض، كانت الرياض تستدعي بيادقها السياسية لشرعنة هذا الواقع الجديد؛ إذ غادر رشاد العليمي، رئيس ما يسمى بمجلس القيادة الرئاسي، عاصمته المؤقتة عدن متوجهاً إلى الرياض رفقة رئيس حكومته، في استدعاء بدا وكأنه “أمر عمليات” أكثر منه زيارة بروتوكولية. العليمي، الذي لاذ بصمت القبور طيلة الفترة الماضية تجاه اشتعال الحرائق في حضرموت والمهرة، وجد صوته فجأة فور وصوله إلى المملكة، مطلقاً تصريحات تتبنى السردية السعودية بحذافيرها، ومعلناً عن تشكيل لجنة تحقيق في الانتهاكات، وهي خطوة قرأها المحللون على أنها محاولة لامتصاص الغضب الشعبي واستخدام ملف “حقوق الإنسان” كسوطٍ سياسي لجلد خصومه داخل معسكر التحالف، وتحديداً ما يسمى بالمجلس الانتقالي، لتقليص نفوذه في وادي حضرموت تمهيداً للمرحلة القادمة.

وفي خضم هذه التجاذبات السياسية، كان وادي حضرموت يشهد فصلاً مأساوياً من فصول الانتقام والفوضى، حيث كشفت الأحداث عن الوجه القبيح للمشروع الذي يحمله “المجلس الانتقالي”. فوفقاً لشهادات ميدانية واعترافات رسمية جاءت على لسان محافظ حضرموت سالم الخنبشي، انخرطت مليشيات “الانتقالي” في حملات نهب ممنهجة لمنازل ومحلات تجارية تعود لمواطنين من المحافظات الشمالية، مستخدمةً أسلوب العصابات في اقتحام المخازن وسرقة المواد الغذائية والأجهزة الكهربائية، في سلوكٍ يعكس عقلية “الغنيمة” التي تحكم هذه التشكيلات، ويفضح زيف شعارات “التحرير” التي تتشدق بها، لتظهر حقيقتها كمجموعات وظيفية تنفذ أجندة تفتيت النسيج الاجتماعي وخلق أحقاد مناطقية تخدم ديمومة الصراع.

ولم تقف المأساة عند حدود النهب، بل امتدت يد الغدر لتطال أبناء الأرض أنفسهم؛ ففي تطور خطير يكشف عن النوايا المبيتة تجاه القبائل الرافضة للخضوع، تعرض حلف قبائل حضرموت لطعنة غادرة في الهضبة النفطية. فبعد التوصل لاتفاق تهدئة رعته السلطة المحلية، وبينما كانت قوات الحلف تبدي حسن النية بالانسحاب التدريجي، انقضت عليها فصائل مسلحة “وافدة” –في إشارة لمليشيا “الانتقالي” القادمة من الضالع ويافع– بهجوم مباغت فجر الخميس، أسفر عن ارتقاء ستة شهداء وسقوط جرحى. بيان الحلف جاء مزلزلاً، موجهاً أصابع الاتهام مباشرة ولأول مرة بشكل صريح إلى “دولة الإمارات” بصفتها الراعي والممول لهذه الميليشيات، ومحملاً إياها مسؤولية الدماء التي سالت، في حين لجأ الشيخ عمرو بن حبريش إلى خيار إعادة التموضع العسكري في مناطق آمنة، مدركاً أن المعركة لم تعد مناوشات، بل حرب وجود تستهدف اقتلاع شوكة القبائل للسيطرة الكاملة على منابع الثروة.

هذا المشهد المعقد في الشرق اليمني لا يمكن قراءته بمعزل عن الدور الوظيفي للإمارات في المنطقة، والذي كشفته تقارير دولية حديثة وصفت أبوظبي بأنها “عاصمة اقتصاد المرتزقة” في العالم، مؤكدةً تورطها في تغذية الحرب الأهلية في السودان عبر شبكات تهريب معقدة. هذا الدور يتكامل تماماً مع ما يجري في اليمن، ويتماهى مع المشروع الصهيو-أمريكي في المنطقة، وهو ما أثبتته المشاهد القادمة من دبي، التي تحولت إلى “مستعمرة سياحية” للإسرائيليين، حيث تتدفق الآلاف منهم إليها وتُسيّر الرحلات الجوية بكثافة حتى في ذروة المجازر التي يرتكبها جيش الاحتلال الإسرائيلي في غزة، مما يؤكد أن الإمارات باتت منصة متقدمة لخدمة الأجندة الإسرائيلية، وأن أدواتها في اليمن ليست سوى ترس في هذه الآلة الجهنمية.

 

موقف استراتيجي ثابت

وفي مقابل هذا التيه والارتهان، يبرز صوت صنعاء كموقف استراتيجي ثابت، حيث جدد العميد محمد الشريف، مستشار وزارة الدفاع، الدعوة لـ”المغرر بهم” من الفصائل المسلحة، خاصة تلك المحسوبة على حزب الإصلاح في مأرب وحضرموت، للعودة إلى جادة الصواب والانخراط في مشروع الدفاع عن السيادة الوطنية. الشريف قدم تحليلاً عميقاً يربط بين ما يجري في المحافظات الشرقية وبين الفشل الأمريكي والإسرائيلي في البحر الأحمر، معتبراً أن تحريك الأدوات الداخلية وإشعال الفتن في مناطق الثروة هو محاولة يائسة من قوى الاستكبار للتعويض عن هزائمها البحرية، ومحذراً من أن اليمن بات يمتلك القوة والقدرة على خلط الأوراق وإفشال مخططات التقسيم.

 

سيناريوهات “الانفجار” و”إحلال القسري”

في ضوء المعطيات الراهنة والاتفاق “السعودي-الإماراتي” الأخير الذي يقضي بتقاسم النفوذ (الساحل للإمارات عبر النخبة، والوادي للسعودية عبر درع الوطن) وإخراج المنطقة العسكرية الأولى، يمكن يرسم محللون سياسيون وعسكريون ملامح المشهد العسكري القادم في وادي حضرموت وفق ثلاثة سيناريوهات رئيسية محتملة:

السيناريو السعودي.. “الإحلال القسري الناعم”

تشير التحركات إلى أن السعودية تسعى لتنفيذ عملية “تغيير جلد” للقوات العسكرية في الوادي دون الدخول في صدام واسع. يتمثل هذا السيناريو في تفكيك المنطقة العسكرية الأولى (المحسوبة على الإصلاح) ليس عبر طرد أفرادها، بل عبر إعادة هيكلتهم ودمج الوحدات الفعالة منها تحت مسمى “درع الوطن”، مع شراء ولاءات القيادات القبلية والعسكرية بالأموال. في هذا السيناريو، سيتم تحجيم مليشيا “الانتقالي” وحصرها في نقاط محددة أو إجبارها على العودة للساحل، مستخدمين ما يسمى بـ”الشرعية” (قرارات العليمي) كغطاء قانوني، و”لجنة التحقيق” كسيف مسلط على رقاب قيادات الانتقالي لتهديدهم بملفات الانتهاكات إذا ما فكروا في العرقلة. هذا السيناريو يهدف لجعل الوادي منطقة نفوذ سعودي خالص لتأمين خط أنبوب النفط المستقبلي ومنافذ الحدود.

سيناريو الفوضى.. “حرب الوكلاء والتمرد المسلح”

قد لا يستسلم المجلس “الانتقالي” (ومن خلفه الجناح المتشدد في أبوظبي) بسهولة لخسارة الوادي الغني بالنفط، خاصة وأن قواعده الشعبية مشحونة بشعارات “طرد القوات الشمالية”. هنا، قد تدفع الإمارات وكلاءها لرفض قرارات الإحلال، وافتعال مواجهات عسكرية مع “درع الوطن” أو مع القبائل الموالية للسعودية، تحت ذريعة “مكافحة الإرهاب” أو مزاعم “حماية الجنوب”. هذا السيناريو سيحول وادي حضرموت إلى ساحة حرب شوارع واغتيالات وتفجيرات، تستنزف جميع الأطراف، وتبرر للإمارات بقاءها كضرورة أمنية، مع احتمالية تحريك ورقة “القاعدة” لخلط الأوراق وإرباك الترتيبات السعودية.

سيناريو الصحوة القبلية والتحالفات الاضطرارية

وهو السيناريو الذي قد يقلب الطاولة على الجميع. استمرار عنجهية “الانتقالي” واستهدافه لحلف قبائل حضرموت (كما حدث في الهضبة)، بالتزامن مع إدراك القبائل أن السعودية تستبدل احتلالاً بآخر، قد يدفع حلف القبائل وكتلة “جامع حضرموت” إلى تشكيل جبهة عسكرية موحدة ترفض تواجد أي قوات غير حضرمية (سواء درع الوطن أو الانتقالي). الأقوى بالنسبة للتحالف في هذا السيناريو، هو احتمالية حدوث تقارب ميداني “غير معلن” أو تنسيق بين هذه القبائل وبين قوات صنعاء (أنصار الله) التي تمتلك حضوراً استخباراتياً وقبولاً متزايداً كقوة سيادية، أو حتى تحالف “الضرورة” مع بقايا قواعد “الإصلاح” للدفاع عن النفس.

 

الخلاصة:

المؤشرات ترجح أن تمضي الرياض في السيناريو الأول مدعومة بضوء أخضر أمريكي لترتيب وضع الطاقة في المنطقة، لكن السيناريو الثاني يظل قائماً بقوة نظراً لطبيعة الأدوات الإماراتية المنفلتة. أما السيناريو الثالث، فهو الورقة الخفية التي قد تعيد تعريف معادلات القوة، خاصة إذا ما قررت صنعاء التدخل بشكل مباشر أو غير مباشر لدعم خيارات أبناء المحافظة في رفض الوصاية الأجنبية بجميع أشكالها.

 

Comments are closed.