المنبر الاعلامي الحر

نجا من القصف بجراح عميقة وخسر ابنه.. مأساة أب في غزة

يمني برس | في غزة، لا يكتفي القصف “الإسرائيلي” بسرقة المنازل، بل يسرق أيضًا لحظات الأب الأخيرة مع أطفاله.

 

في ليلة تحولت فيها السماء إلى قنبلة متفجرة، كان محمد عوض أبو حميدان يحاول أن يفعل ما يفعله كل أب: يطمئن أولاده، ويخفف عنهم رعب الحرب. لكن الحرب لم تترك له حتى حقّ الخوف، فقد أخذت منه ما هو أغلى من حياته.. ابنه.

 

جلس محمد مع أسرته داخل البيت، يحاول تهدئة أطفاله، ويكرر لهم أن أصوات القصف ليست أكثر من رعود بعيدة. لكن البيت لم يكن ملجأً، بل فخًا محكمًا. فبينما كان يهمس لهم بأن الخوف عابر، كانت الحرب تقترب أكثر، لتدرك العائلة أن السلام لن يعود.

 

يقول محمد لـصحيفة (فلسطين)، بصوت يخنقه الحزن: “سمعت صوت الدبابات “الإسرائيلية” تقترب.. شعرت أن الخطر صار واضحًا، ولم أستطع الانتظار أكثر”.

 

مع أول دويّ للصواريخ، اتخذ قرارًا بدا منطقيًا في تلك اللحظة: أن يحمل أطفاله ويهرب بهم إلى برّ الأمان. وضعهم في سيارة المياه التي يعمل عليها، وانطلق في محاولة أخيرة للنجاة قبل أن يبتلعهم القصف، دون أن يعلم أن السماء كانت تترصدهم.

 

“حاولت إنقاذ أبنائي، لكن طائرة استطلاع صهيونية كانت تراقبنا، وأطلقت صاروخًا مباشرًا”، يروي محمد، بكلمات تثقل صدره.

 

تحولت محاولة النجاة إلى مأساة كاملة. أُصيب محمد وعائلته بإصابات متفاوتة، لكن الفقد الأكبر كان استشهاد ابنه المعتصم، الذي لم يتجاوز السابعة من عمره، وهو يهرب قبل أن يفهم لماذا تُلاحقه الحرب.

 

“أي وجع يمكن أن يُحكى؟ فقدان العين موجع، لكن فقدان الإبن.. هو الفقد الذي لا يُعوّض”، يقول محمد، متوقفًا طويلًا بين الكلمات، وكأن الوقت نفسه لا يملك عزاءً.

 

لم يتوقف الألم عند هذا الحد. حاولت سيارة إسعاف الوصول إلى المكان، لكنها تعرضت لإطلاق نار غير مباشر. ورغم الخطر، تمكن أحد المسعفين من الوصول إليهم وإنقاذ ما تبقى من حياة.

 

كانت إصابة محمد بالغة جدًا؛ إذ فقد عينه اليمنى، والطحال، وإحدى كليتيه، إضافة إلى استئصال جزء من معدته. ويقول إن فقدانه لعينيه كان بمثابة فقدان لحياته كلها: “بفقدي لعيني فقدت حياتي كلها. لا أستطيع العودة إلى عملي ولا إلى مصدر رزقي. وجع فقدان ابني لا تُسكّنه أدوية، ولولا ستر الله لكنت فقدت قدمي أيضًا، بعد ثلاث عمليات جراحية لإنقاذها”.

 

أما زوجته، فلم تكن أقل ألمًا. فقد أُصيبت في الدماغ، ما أثر على نطقها وحركتها، لتتحول أيامها إلى صراع دائم بين الألم ومسؤولية الأبناء واحتياجات البيت وزوجها الجريح.

 

وبعد ذلك، جاءت المأساة الثانية: البيت دُمّر، والإمكانات الطبية شبه معدومة. ومنذ يوم إصابتهم في 5 أكتوبر 2024 وحتى اليوم، لم تتلقَّ العائلة علاجًا كافيًا.

 

يقول محمد: “كل شيء هنا صعب ومكلف. أنفقت كل ما ادخرته على العلاج والنزوح، وحتى السفر للعلاج يحتاج معجزة وتحويلة طبية”.

 

قصة محمد ليست مجرد خبر عن إصابة أو خسارة، بل شهادة حية على أن الحرب “الإسرائيلية” لا تقتل الجسد فقط، بل تقتل المستقبل.

 

في غزة، تُدفن الأحلام قبل أن تُولد، وتُفقد العائلات أكثر من أسماء وأماكن، تُفقد حياة كاملة. وما تبقى من محمد اليوم ليس سوى جرح مفتوح، يذكّر العالم بأن كل رقم في الإحصائيات هو إنسان كان يحلم، وأطفال كانوا ينتظرون غدًا.

 

 

 

 

Comments are closed.