من هدي القصص القرآني: موسى وصناعة الخلاص في قلب الطغيان
من هدي القصص القرآني: موسى وصناعة الخلاص في قلب الطغيان
يمني برس – بقلم – عبدالمؤمن محمد جحاف
في المحاضرة الرمضانية السادسة، يواصل السيد القائد استنطاق قصة نبي الله موسى (عليه السلام)، لا بوصفها حكاية تاريخية، بل؛ باعتبَارها سنّة إلهية متكرّرة في حركة الصراع بين الطغيان والحق، وبين الاستكبار والمستضعفين.
عند قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إلى أم مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ…﴾ تتجلى أولى صور الرعاية الإلهية المباشرة، حَيثُ يتحول الخوف إلى تكليف، والقلق إلى وعد، والمحنة إلى بشارة: ﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾.
الرعاية الإلهية.. سُنّة للمهام المقدّسة
يشير السيد القائد إلى أن هذه الرعاية ليست حالة استثنائية، بل هي سنّة الله في أنبيائه ورسله؛ فالمهمة الرسالية تستوجب عناية خَاصَّة لأن الله يريد بها رحمة عباده.
أم موسى، المرأة الضعيفة في ظاهر الأمر، تُكلّف بمهمة تعصف بالقلب: أن تُلقي فلذة كبدها في اليمّ! لكنها تمضي بثبات؛ لأن الوعد الإلهي كان أقوى من الخوف.
وهنا تتجلى عظمة الإيمان حين يتحول إلى فعل، لا إلى عاطفة ساكنة.
الخلاص من قلب المنظومة
ثم يأتي المشهد المدهش: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾.
إنه التدبير الإلهي العجيب؛ الطاغية الذي كان يقتل الأطفال خوفًا على ملكه، يتكفل بيده بتربية من سيكون سبب زوال سلطانه.
الله قد يصنع خلاص المستضعفين من داخل منظومة الطغيان نفسها؛ فقد أُحيط موسى بأحسن الرعاية داخل قصر فرعون، ونُفِق عليه من خزائن الدولة الطاغية، ليكون في النهاية خصمها الذي يقوّض بنيانها.
لماذا يسقط الطغاة؟
يطرح السيد القائد سؤالًا جوهريًا: لماذا يتخذ الله إجراءات حاسمة تؤدي إلى سقوط كيانات ضخمة؟ الجواب القرآني واضح: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَأمان وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ﴾.
الخطيئة المنظومية: الخطيئة هنا ليست مُجَـرّد خطأ فردي، بل منظومة ظلم وفساد.
الضرورة العدلية: حين يتحول كَيان الاحتلال إلى أدَاة طغيان شامل، يصبح سقوطه ضرورة في ميزان الربوبية.
بذور السقوط: كُـلّ كيان يسلك مسلك الاستعلاء يحمل في داخله بذور زواله.
امرأة فرعون.. التدبير عبر الأسباب
ومن أبرز مشاهد التدبير ما يتعلق بدور امرأة فرعون التي قالت: ﴿قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ﴾.
هنا يتجلى بُعد تثبيت المشاعر وإلقاء المحبة في القلوب من داخل بيت الطاغية.
إن التدبير الإلهي لا يأتي دائمًا عبر معجزات خارقة للنواميس، بل كَثيرًا ما يتحَرّك في إطار الأسباب اليومية، ويوجه المسارات نحو نتائج لم يكن البشر يتوقعونها.
صناعة الأمل
يرسم القائد في المحاضرة صورة قرآنية عميقة: الله لا يترك عباده المستضعفين بلا تدبير.
من اليمّ يبدأ الطريق، ومن قصر الطاغية تتشكل ملامح السقوط.
الطغاة محكومون بسنن السقوط، ويد العناية الإلهية تعمل بصمت حتى يحين موعد الوعد.
Comments are closed.