المنبر الاعلامي الحر

فخ المواجهة الشاملة: كيف دفن الابتزاز الصهيوني “هيبة واشنطن” في رمال طهران؟

يشهد العالم اليوم تحولاً دراماتيكياً في موازين القوة الدولية، حيث لم تعد الحروب التي تخوضها الولايات المتحدة في الخارج، بانخراطها المباشر إلى جانب الكيان الإسرائيلي، مجرد أحداث عسكرية تجري وراء البحار، بل تحولت إلى صاعق تفجير للأزمات البنيوية داخل المجتمع الأمريكي الذي بات يغلي على وقع المواجهة المفتوحة مع إيران، هذا الاتساع في رقعة الصراع الخارجي أفرز ملامح صدام موازٍ داخل الجغرافيا الأمريكية، حيث يتشكل مشهد من الانقسام الحاد والرفض الشعبي المتصاعد الذي يتخذ من الشوارع ساحة لتقويض شرعية القرارات السياسية، في لحظة تاريخية فارقة تعيد رسم علاقة الداخل بالخارج وفق معادلات القوة والضغط الشعبي، بالتزامن مع ولادة بنية ردع إقليمية صلبة حطمت احتكار القوة في المنطقة.

يمني برس | تقرير خاص

 

مأزق “لا ملوك والمكر الصهيوني في توظيف الفضائح

تجسد المظاهرات العارمة التي اجتاحت الولايات الأمريكية تحت شعار “لا ملوك” ذروة المأزق البنيوي الذي يواجه النظام السياسي، حيث تؤكد التقارير الميدانية والتقديرات الإحصائية خروج أكثر من 8 ملايين متظاهر في يوم واحد ضمن 3300 فعالية احتجاجية، في زلزال بشري غير مسبوق يكشف عن تحول استراتيجي في طبيعة الحراك الشعبي الذي انتقل من العفوية إلى التنظيم العابر للولايات.

هذا التدفق المليوني لم يحطم الجدران التقليدية بين التيارات السياسية فحسب، بل شكل جبهة موحدة ترفض الانزلاق نحو التفرد بالسلطة وتوريط البلاد في نزاعات استنزافية لخدمة أجندات الكيان الإسرائيلي؛ وهو ما يفسر تصاعد الانفجار السياسي في واشنطن كترجمة لحالة التخبط داخل مراكز صنع القرار التي باتت عاجزة عن إدارة ملفاتها السيادية، وتجهد في تفعيل أدوات التصعيد الخارجي كآلية دفاعية يائسة للالتفاف على الأزمات الداخلية المتفاقمة.

وهنا، تتكشف خلف الأبواب المغلقة حقائق استراتيجية تتقاطع مع التطورات الميدانية، حيث يبرز الربط الوثيق بين ملفات “إبشتاين” لعام 2026 والتحركات العسكرية في المنطقة كدافع أعمق يتجاوز البعد الاستراتيجي المعلن؛ إذ يوظف دونالد ترامب المسار التصعيدي ضد إيران كأداة وظيفية لإعادة توجيه الغضب الشعبي المحتقن.

وفي هذا السياق، أكد المحلل السياسي في شبكة “إيه بي سي نيوز” جورج ستيفانوبولوس أن هذه الحرب تمثل “عملية تشتيت كبرى” صُممت خصيصاً لحرف أنظار الرأي العام عن فضائح داخلية تضرب عمق المؤسسة الحاكمة، مما يؤكد أن المحرك الفعلي للقرار الأمريكي بات رهينة للابتزاز الصهيوني الذي يتقن صناعة وتوظيف الأزمات الشخصية والجنائية للنخبة الحاكمة، ويصور لها أن العجز الميداني في الداخل لا يمكن تغطيته إلا بانتصارات عسكرية “مفترضة” في الخارج.

ناهيك عما كشفت عنه تقارير استخباراتية وإعلامية من دور محوري لعبه الكيان الإسرائيلي بقيادة بنيامين نتنياهو في استغلال هذا المأزق، حيث سارع الأخير إلى واشنطن في فبراير 2026 لعقد لقاءات مكثفة مع ترامب، ووفقاً لتحليلات نشرتها صحيفة “ذا غارديان” ومنصة “أتلفتس غلوبال”، فقد وظف الكيان الإسرائيلي حالة الانكشاف الأخلاقي التي سببتها الوثائق المسربة للضغط على البيت الأبيض، عبر تصوير التصعيد العسكري ضد طهران كالمخرج الوحيد لاستعادة الهيبة السياسية المفقودة.

تجلى هذا الضغط الممنهج في دفع الكيان الإسرائيلي لترامب نحو تبني نهج “المواجهة الشاملة” ضد الجمهورية الإسلامية، في خطوة وصفها مراقبون دوليون، ومن بينهم الباحث في معهد “كوينسي” تريتا بارسي، بأنها استجابة قسرية ومباشرة للأجندة الصهيونية الساعية لجر واشنطن إلى حرب مفتوحة تُغرق المنطقة في فوضى عارمة، وتهدف هذه المناورة الاستراتيجية إلى تغيير المعادلات الإقليمية بما يضمن بقاء سلطات الاحتلال وتمدد مشروعها، مستغلةً حاجة الإدارة الأمريكية لافتعال أزمة خارجية كبرى كغطاء سميك على حالة الانكشاف الأخلاقي الداخلي.

إلا أن ارتدادات هذه الاستجابة أثبتت أن الغاية لم تقتصر على محاولة دفن التداعيات الكارثية لملفات “إبشتاين” تحت وطأة طبول الحرب وهدير الصواريخ، بل كشفت عن عمق التبعية الهيكلية التي جعلت من القرار السيادي في البيت الأبيض رهينة للابتزاز الصهيوني، الذي يتقن توظيف الأزمات الشخصية والملفات الجنائية للنخبة الحاكمة عبر صناعتها في “سراديب استخباراتية” محكمة، ومن ثم تصدير الوهم لهذه النخبة بأن انتصارات عسكرية مفترضة في الخارج هي الرهان الوحيد لترميم العجز الميداني المتفاقم في الداخل الأمريكي.

 

الهروب إلى الخارج كمتنفس

تتكامل هذه الأزمات الأخلاقية مع انكسارات قانونية وهيكلية جردت الإدارة الأمريكية من أدوات سيطرتها؛ فقد جاء قرار المحكمة العليا في قضية “Learning Resources v. Trump” ليمثل ضربة قاصمة للهيمنة الاقتصادية التي يتبناها دونالد ترامب، تعيد رسم حدود السلطة التنفيذية في المجال التجاري، حيث أكدت المحكمة في حيثيات حكمها أن قانون القوى الاقتصادية الطارئة الدولية (IEEPA) لا يمنح الرئيس سلطة مطلقة لفرض تعريفات جمركية واسعة النطاق خارج الأطر التي حددها الكونغرس. هذا الحكم يمثل تقويضاً لما يوصف بـ “الركن الأساسي” للاقتصاد القومي لترامب، حيث جرد الإدارة من سلاح الحمائية الجمركية الذي استخدمته كأداة ضغط سياسي واقتصادي، وفتح الباب أمام طعون دولية تعيق قدرة الإدارة على استخدام التجارة كأداة سياسية وفقاً لما ذكرته “وول ستريت جورنال”.

وبالتوازي مع هذا الشلل الاقتصادي، أحدث الإجراء التنفيذي المعروف بـ “الجدول ف” (Schedule F) زلزالاً إدارياً في أروقة واشنطن، وذلك لكونه يهدف جوهرياً إلى “تفكيك البيروقراطية” التقليدية وتحويلها إلى جهاز يدين بالولاء السياسي الكامل للرئيس، وهو ما قوبل بمواجهات مفتوحة مع النقابات العمالية والكونغرس، مما أدى إلى حالة من الشلل الإداري وتعميق الانقسام داخل مؤسسات الحكم.

ولم تقتصر الانكسارات القانونية لسلطة الرئيس على الملف الاقتصادي والإداري، بل زاد من حدتها حكم المحكمة العليا في قضية (Trump v. Illinois 2025)، والذي قضى بأغلبية (6-3) بأن استخدام قوات الحرس الوطني في الداخل غير مبرر قانونياً، وأوضح القاضي جون روبرتس في رأي المحكمة أن الدستور لا يمنح البيت الأبيض تفويضاً مفتوحاً لـ “فدرلة” الحرس الوطني دون موافقة حكام الولايات مقيداُ بذلك قدرة الرئيس على التحكم في قوات الحرس الوطني في الداخل. ليجد ترامب نفسه محاصراً دستورياً ومجرداً من “أنيابه” الأمنية والاقتصادية، ما جعل من تفعيل القوة العسكرية الخارجية المتنفس الوحيد المتبقي؛ وهو مسار رسمته تل أبيب بعناية لتتمكن من خلاله لعب دور محوري في الاستراتيجية الأمريكية المتعثرة يتيح لها الدفع بالإدارة الأمريكية نحو أي مغامرة ترى فيها ضمان لتمدد مشروعها الاستيطاني في المنطقة، حتى وإن جاء ذلك على أدى ذلك ترنح واشنطن على حافة الهاوية.

 

فخ المراهنات وتهاوي أوهام “الانشقاق”

تتلاقى مآزق النخبة الحاكمة في واشنطن وتل أبيب عند نقطة “الهروب الانتحاري نحو التصعيد”؛ حيث تبرز استراتيجية دونالد ترامب المراهِنة علناً على إحداث تصدعات داخل هيكلية الحرس الثوري، وهو الرهان ذاته الذي يتشبث به شريكه نتنياهو في محاولة يائسة لتصدير أزماتهما القضائية وتشتيت الاحتجاجات الداخلية المشتعلة ضد مغامراتهما العسكرية. وبينما تجهد “إدارة الأزمات” في تصوير الاندفاعة العسكرية كحل نهائي، يصطدم هذا المسار بواقع الجبهة الداخلية الإيرانية التي أظهرت تماسكاً والتفافاً شعبياً صدم دوائر التخطيط في “الكيان الإسرائيلي” والولايات المتحدة، وأدخل قادة العدوان في دوامة من التخبط الاستراتيجي التي ضاعفت من حدة الانقسامات في صفوفهم.

ويتعاظم هذا المأزق ليعكس فشلاً ذريعاً في فهم “بنية الدولة” الإيرانية العميقة؛ إذ كشفت تصريحات مسؤولين في الاستخبارات المركزية (CIA) لصحيفة “نيويورك تايمز” عن ارتهان القرار الأمريكي لوهم “تآكل الولاءات القيادية” تحت ضغط الضربات المتلاحقة، وهو ما سخر منه المحلل العسكري في صحيفة “هآرتس” العبرية، عاموس هرئيل، واصفاً إياه بـ “القراءة الصبيانية” لواقع المؤسسة العسكرية الإيرانية التي تزداد تماسكاً مع كل استهداف. وفي موازاة هذا السقوط التحليلي، تأتي تحذيرات “معهد دراسات الحرب” (ISW) لتؤكد المضي نحو الهاوية، مشيرة إلى أن هذا الاندفاع العشوائي سيفضي إلى نتائج عكسية كارثية، حيث تتحطم مراهنات العدو على فرضية الفوضى أو تحويل إيران إلى نموذج “إيرقيستان” أمام صلابة الميدان ووحدة القرار الأمني الإيراني.

 

تصدع التحالفات وعزلة البيت الأبيض

وفي سياق المسار المأزوم ذاته، تكشف بيانات “بلومبرغ” أن خيار ترامب في تأليب تحالفات دولية للسيطرة على الموارد الحيوية عبر خطة “خذوا النفط” التي استهدفت جزيرة خارك، لم يكن سوى مقامرة تصعيدية أدت إلى اهتزاز الاقتصاد العالمي، مسجلةً ارتفاعاً حاداً في أسعار الوقود قارب 118 دولاراً خلال شهر واحد فقط.

وقد عزز مركز (CSIS) للدراسات الاستراتيجية هذا الاستنتاج باعتبار هذه الخطوة “تجفيفاً متعمداً لمصادر التمويل” لم يفضِ إلا إلى كشف هشاشة منظومة الإمدادات الدولية.

هذه النتيجة وضعت الإدارة الأمريكية في مواجهة مباشرة مع معضلة التضخم العالمي، وحفزت حلفاء واشنطن التقليديين على التمرد العلني؛ حيث انتفضت العواصم الأوروبية في وجه البيت الأبيض رافضةً الانجرار إلى مواجهة مفتوحة تضحي بمصالح “القارة الخضراء” لتغطية أزمات واشنطن الداخلية. بل ولقد جاء الموقف الأوروبي حاسماً بلسان مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي الذي أعلن: “لن نكون طرفاً في حرب تقررها واشنطن لتغطية أزماتها”، وهو ما أكده المستشار الألماني بتشديده على أن “أمن الطاقة في أوروبا خط أحمر لا يمكن التضحية به في مغامرات غير محسوبة”.

 

ارتداد الصاعق وانكسار “المعادلة الصفرية”

تتجاوز خلاصة هذا المشهد مجرد الفشل العسكري لتؤكد حقيقة بنيوية مفادها أن التخبط الأمريكي-الصهيوني لم يعد قادراً على إنتاج “نصر حاسم”، بل تحول إلى قوة ارتدادية تضرب عمق الاستقرار السياسي في واشنطن وتل أبيب على حد سواء. إن انكسار موجة “المواجهة الشاملة” أثبت، بما لا يدع مجالاً للشك، أن شعار “تغيير المعادلات الإقليمية” بات مجرد سردية جوفاء تفتقر للمصداقية والقدرة على التنفيذ أمام صلابة الميدان الموحد ووحدة جبهة المقاومة، التي لم تكتفِ بصد العدوان، بل حولت التهديد الوجودي إلى فرصة استراتيجية كبرى لتعزيز السيادة وفرض معادلات ردع غير مسبوقة.

وفي المحصلة، يجد المحركون الفعليون لطبول الحرب أنفسهم اليوم في فخ “المواجهة الشاملة” الذي نصبوه لغيرهم، ليسقطوا في أتون أزماتهم الداخلية وانكشافهم الأخلاقي والقانوني، بينما تخرج قوى المقاومة بموقف أكثر تماسكاً وقدرة على إدارة الصراع، مؤكدةً أن زمن الإملاءات العسكرية قد ولى، وأن “الزلزال” الذي أريد له أن يهز طهران، قد استقر فعلياً تحت أقدام عروش النخبة الحاكمة في البيت الأبيض وسلطات الاحتلال.

 

 

Comments are closed.