المنبر الاعلامي الحر

من القرآن يبدأ البناء

يمني برس | بقلم / شاهر أحمد عمير

في مرحلة انتشار الحرب الناعمة وتكاثف محاولات استهداف وعي الشعوب وضرب هُويتها من الداخل، لم تعد المعركة مقتصرةً على السلاح أَو الجغرافيا، لقد تحوّلت إلى معركة قيم ومفاهيم وانتماء؛ معركة تُدار في العقول قبل الميادين، وتُحسم في الوعي قبل أن تُحسم في الميدان.

 

وقد نبّه القرآنُ الكريم إلى هذا النوع من الاستهداف مبكرًا حين قال تعالى: ﴿ وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً ﴾، في إشارة واضحة إلى أن أخطر ما يُراد بالأمم ليس هزيمتها عسكريًّا، إنما تفريغها من إيمانها، وسلبها خصوصيتها، وقطع صلتها بمنهج الله.

 

تُعدّ الدورات الصيفية في بلدنا أحد أهم المشاريع التربوية الاستراتيجية، لما تمثله من دور محوري في حماية الهُوية الإيمانية وبناء الإنسان الواعي.

 

فهي لا تُختزل في كونها نشاطًا موسميًّا أَو برنامجًا مؤقتًا، إنها تعبّر عن رؤية تربوية واعية، تستهدف تحصين الوعي وبناء الشخصية المؤمنة القادرة على الصمود في وجه مشاريع التغريب والاختراق الفكري، لتكون بذلك استجابة عملية لمعركة الوعي وسدًا منيعًا أمام محاولات التشويه والتمييع.

 

وتنطلق هذه الدورات من حقيقة قرآنية ثابتة، مفادها أن الإيمان هو أَسَاس العزة والقوة، كما قال الله تعالى: ﴿ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ ﴾.

 

فالنصر والفرج لا يُمنحان عشوائيًّا، ولا يتحقّقان بمعزل عن السنن الإلهية، بل يرتبطان بمدى رسوخ الإيمان والالتزام بمنهج الله، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿ إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ ﴾.

 

ومن هنا، فإن الاستثمار الحقيقي لا يكون في الأدوات وحدها، بل في بناء الإنسان الذي يحمل العقيدة والبصيرة قبل أي شيء آخر.

 

وتؤدي الدورات الصيفية دورًا محوريًّا في تربية الأبناء على دين الله تربية واعية ومتوازنة، قائمة على الفهم لا على التلقين، وعلى السلوك العملي لا على الشعارات المُجَـرّدة.

 

وقد أكّـد القرآن الكريم هذه المسؤولية بقوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أنفسكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا ﴾.

 

وهي مسؤوليةٌ لا تتحقّق إلا بالتعليم الصحيح، وغرس القيم، وربط الأجيال بالقرآن بوصفه هداية شاملة ومنهج حياة، كما قال سبحانه: ﴿ إِنَّ هَٰذَا القرآن يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ﴾.

 

تكتسب مسألة الأخوة الإيمانية أهميّةً مضاعفة في زمن تتكاثر فيه عوامل التفكك الاجتماعي وتغذّى فيه النزعات الفردية والأنانية.

 

فالله تعالى يؤكّـد أن وحدة الصف ليست خيارًا ثانويًّا، بل فريضة شرعية، حين قال: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ﴾.

 

وحذّر من آثار النزاع والانقسام بقوله: ﴿ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ﴾.

 

وقد عرض القرآن قصة إخوة يوسف عليه السلام نموذجًا حيًّا لانهيار القيم حين يغيب الإيمان، وكيف يقود الحسد والأنانية إلى تمزيق الروابط الأسرية والاجتماعية، ليبقى الدرس حاضرًا للأمم في كُـلّ زمان.

 

وحين يقول الله تعالى على لسان نبيّه يعقوب عليه السلام: ﴿ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ ﴾، فإن في الآية دلالة عميقة على أن الفرج لا يأتي فجأة، بل تسبقه إشارات وبشائر، لا يدركها إلا أصحاب القلوب الحية والبصائر الواعية.

 

وقد أكّـد القرآن هذه السنة الإلهية بقوله: ﴿ فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ﴾.

 

إن المجتمعات التي تعطي التربية الإيمانية مكانتها الحقيقية إنما تسير وفق السنن الإلهية في التغيير، كما قال تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأنفسهِمْ ﴾.

 

أما المجتمعات التي تُهمل بناء الإنسان، فإنها تبقى ضعيفة من الداخل مهما امتلكت من مظاهر القوة.

 

وفي هذا الإطار، لا تصنع الدورات الصيفية مُجَـرّد معرفة عابرة، بل تصنع وعيًا راسخًا، وتعيد للإنسان ثقته بدوره ومسؤوليته تجاه أمته.

 

وفي ظل الأزمات والضغوط، تأتي هذه الدورات لتجدد الأمل في النفوس، وتؤكّـد أن البلاء ليس نهاية الطريق، بل مرحلة تمحيص وابتلاء، كما قال الله تعالى: ﴿ أم حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ﴾.

 

فربنا كريم، وعد الصابرين بالفرج، ووعد المتقين بالمخرج، فقال سبحانه: ﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ من حَيثُ لَا يَحْتَسِبُ ﴾.

 

الدورات الصيفية ليست نشاطًا عابرًا، إنها ركيزة أَسَاسية في مشروع نهوض إيماني وحضاري.

 

فمن أراد بناءً بلا قرآن، أَو نصرًا بلا إيمان، أَو وعيًا بلا بصيرة، فقد خالف سنن الله.

 

أما من جعل القرآن منطلق البناء، فقد اختار الطريق الذي وعد الله أهله بالنصر والتمكين، كما قال تعالى:

 

﴿ وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾.

 

 

Comments are closed.