وحي القرآن ومعجزة النهوض
يمني برس | انس عبدالرزاق
بقلم يا أُمَّـة القرآن، ما تأخرتم وفي أيديكم هذا الكنز إلا لأنكم أخذتم اللفظ ونبذتم المعنى، وحفظتم الرسم وأضعتم الروح، وجعلتم هَمَّكم التجويد لا التسويد بالسيادة والريادة، فصار القرآن لديكم صوتًا لا منهج حياة.
القرآن الكريم كتاب ما أراده الله لمُجَـرّد الترتيل، إنما ليتخذ من القارئ عالمًا باذخًا، ويستل من صُلب الأُمَّــة الميتة جنينًا يركل بطن التاريخ، ليوضع في الأرض عملاقًا يملؤها قسطًا ونورًا.
عجبًا لهذا الذي يبسط يديه على المصحف، فيجري بآياته صوتًا نديًّا يقطر رقة، ثم يطويه ويمضي في دربه هائمًا، كأنه ما لمس سِرًّا، ولا نفذت إلى روحه بارقة من سر الوجود!
أفتحسب أن جلالَ الله تنزَّل حكمًا لتطرب به الحناجرُ في المحاريب؟ أم تظن القرآن الكريم حروفًا تتراقصُ في الآذان؟ معاذَ الله، إنما هو زلزال يزلزل النفس حتى تهدم أوثانها، وثورة في العقل تحطم أغلاله، وانبعاث يمتد من سجدة في محراب إلى شؤون الناس كافة.
انظر كيف كانت البداية، ما بدأت بتقديس ولا تمجيد، بل بكلمة اقرأ، كأن الله يقول لهذه الأُمَّــة التي قدر لها وراثة الأرض: إن أولى خطى النهضة أن تفتح عينك، ثم عقلك، ثم فؤادك، فتقرأ كتاب الله لتقرأ به كتاب الحياة التي تستغيث من مواتها.
لقد كان النبي فردًا، فلما قرأ بعث من الكلمة عالَمًا، فإذا العرب من شتات الجاهلية أُمَّـة، وَإذَا بالقلوب الجافية تلين، وبالبصائر العمياء تستنير، وبالأرض الموات تخضر باهتزاز الحياة.
إن هذا القرآن لا يمنحك ترفَ التأمل، بل يقذفك في ميدان الكفاح، ليس هو كتاب دعة، إنما كتاب عمل يوقظ فيك المقاتل، ويستنهض العابد، وينبه الحكيم، ثم يصهرهم في بوتقة واحدة ليصيغ الإنسان الجديد الذي لا تروعُه الجيوش، ولا تبهره المدنيةُ الزائفة؛ إذ هو ممسك بسِرِّ الأسرار ونور الأنوار.
يا أُمَّـة القرآن، ما تأخرتم وفي أيديكم هذا الكنز إلا لأنكم أخذتم اللفظ ونبذتم المعنى،
وحفظتم الرسم وأضعتم الروح، وجعلتم هَمَّكم التجويد لا التسويد بالسيادة والريادة،
فصار القرآن لديكم صوتًا لا منهج حياة.
إن العجبَ يُطْبِقُ على النفس حين ترى أُمَّـة بين يديها ما لو أنزل على جبل لتصدع، وهي باقية على جمودها كأنها تتلو شعرًا أَو تسمع حكايات، فأين نحن من قوله تعالى (إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ).
التغيير يبدأ من خلوة الليل، حين تتبدل النفسُ بآيات ربها، فيموت فيها الإنسان القديم المتهالك، ويولد إنسانٌ بصير.
فسبحان من جعل في كلامه سِرَّ الخلق، فإلى القرآن أيها الضائعون، عودةَ الغريق للنجاة، والظامئ للورد، ليكون في قلوبنا كالماء في عروق الشجر، وفي عقولنا كالفجر في غسق الليل، يبعث فينا الحياة من جديد.
Comments are closed.