البحر الذي أعاد رسم الخرائط: كيف حوّل اليمانيون البحر الأحمر إلى عقدة قلق عالمي؟
يمني برس || تحليل_ الدكتور رائد ناجي :
في عالم اعتاد أن تُدار الحروب فيه من غرفٍ مغلقة، ومن شاشاتٍ زرقاء، ومن تحالفاتٍ تُصاغ بلغة المصالح الباردة، خرج البحر الأحمر فجأة من صمته التاريخي، ليصبح واحدا من أكثر الممرات البحرية توترا واشتباكا وتأثيرا في معادلات القوة الدولية. لم يعد الحديث عن اليمن مجرد ملف إنساني منهك، ولا عن الحوثيين مجرد جماعة محاصرة في تضاريس جبلية فقيرة؛ بل أصبح السؤال الأهم: كيف استطاعت جماعة تخوض حربا مركبة منذ سنوات أن تُربك واحدا من أهم شرايين التجارة العالمية؟
لقد كشفت أزمة البحر الأحمر حقيقة كبرى طالما تجاهلتها القوى العظمى؛ وهي أن السيطرة على الجغرافيا لا تحتاج دائما إلى أساطيل عملاقة، بل أحيانا إلى إرادة صلبة، وعقيدة قتالية، وقدرة على تحويل الموقع إلى ورقة ضغط استراتيجية. فالبحر الأحمر ليس ممرا عاديا، بل هو شريان يربط الشرق بالغرب، وتعبر منه نسبة ضخمة من التجارة والطاقة العالمية. وأي اضطراب فيه لا يُقرأ أمنيا فقط، بل اقتصاديا وسياسيا وجيوسياسيا أيضا.
من هنا، بدا صمود الحوثيين حدثا يتجاوز حدود اليمن. فالجماعة التي واجهت على مدار سنوات واحدة من أعنف الحملات العسكرية والحصارات الاقتصادية والإعلامية، استطاعت أن تنتقل من موقع الدفاع الداخلي إلى موقع التأثير الإقليمي. والأخطر بالنسبة لخصومها أنها لم تعتمد فقط على الخطاب السياسي، بل حولت التهديد إلى فعل ميداني أربك الملاحة البحرية، ودفع شركات شحن عالمية إلى إعادة حساباتها ومساراتها.
إن ما جرى في البحر الأحمر لم يكن مجرد عمليات متفرقة، بل كان إعلانا عن دخول مرحلة جديدة من الصراعات غير التقليدية؛ مرحلة تستطيع فيها جماعات غير دولية أن تُهدد الاقتصاد العالمي، وأن تفرض نفسها على طاولة الحسابات الدولية. وهذا بحد ذاته تحول خطير في مفهوم القوة. فالقوة لم تعد حكرا على الجيوش النظامية والأساطيل النووية، بل أصبحت مرتبطة أيضا بالقدرة على استنزاف الخصم، وإرباكه، ورفع تكلفة المواجهة عليه.
ولعل أكثر ما أثار دهشة العالم هو حجم الصمود الحوثي أمام الضربات الأمريكية والبريطانية المتكررة. إذ كانت التقديرات الغربية تراهن على أن الضربات الجوية ستُضعف قدراتهم بسرعة، أو ستدفعهم إلى التراجع. غير أن ما حدث كان مختلفا؛ فالجماعة واصلت خطابها التصعيدي، واستمرت عملياتها بوتيرة لافتة، ما أعطى انطباعا بأن المعركة بالنسبة إليها ليست مجرد معركة ميدانية، بل معركة وجود ورواية وهوية.
لقد فهم الحوثيون مبكرا أن المعركة الحديثة ليست فقط معركة سلاح، بل معركة صورة أيضا. ولذلك حاولوا تقديم أنفسهم بوصفهم طرفا يربط تحركاته بمعركة غزة، وبفكرة الضغط لوقف الحرب هناك. وبغض النظر عن المواقف السياسية من هذا الطرح، فإن الجماعة نجحت في بناء خطاب تعبوي منحها زخما شعبيا في قطاعات واسعة من الشارع العربي والإسلامي، خصوصا في ظل حالة الغضب الشعبي تجاه ما يجري في فلسطين.
اقتصاديا، لم يكن تأثير التوتر في البحر الأحمر هامشيا. فارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، وتحويل مسارات السفن نحو رأس الرجاء الصالح، يعني عمليا ارتفاعا في أسعار النقل والطاقة والسلع. أي أن الأزمة لم تبق محصورة في اليمن أو المنطقة، بل امتدت إلى الأسواق العالمية. وهنا يتجلى المعنى العميق لما حدث: جماعة محاصرة في بلد منهك استطاعت أن تجعل العالم يدفع ثمن الاضطراب.
أما استراتيجيا، فإن الأزمة كشفت هشاشة النظام الأمني البحري الدولي. فكل هذا الحضور العسكري الغربي المكثف لم يمنع استمرار القلق في الممرات البحرية. بل إن بعض القوى الكبرى وجدت نفسها أمام معضلة معقدة؛ فالتصعيد العسكري المفتوح قد يوسع دائرة الحرب، بينما تجاهل الهجمات يضرب هيبة الردع الغربي.
وفي العمق، فإن صمود الحوثيين يعكس تحولا أوسع في طبيعة الشرق الأوسط. المنطقة لم تعد تُدار فقط عبر الدول التقليدية، بل عبر فاعلين جدد يمتلكون أدوات تأثير متزايدة. وهذا ما يجعل المشهد أكثر تعقيدا؛ لأن الحروب لم تعد واضحة الحدود، ولا سهلة الحسم، ولا قابلة للتنبؤ بمآلاتها.
لقد أصبح البحر الأحمر اليوم مرآة لفوضى العالم المعاصر؛ حيث تتشابك التجارة بالسلاح، والجغرافيا بالعقيدة، والممرات البحرية بالصراعات الإقليمية. وفي قلب هذه الفوضى، يقف الحوثيون بوصفهم مثالا على كيف يمكن لجماعة محدودة الإمكانات أن تُحدث أثرا يتجاوز حجمها التقليدي بكثير.
إن أخطر ما في المشهد ليس فقط اضطراب الملاحة، بل الرسالة التي وصلت إلى العالم: لم تعد السيطرة المطلقة ممكنة، ولم يعد الأمن البحري مسألة تُحسم بالبوارج وحدها. فحين تمتلك الجماعات الإرادة، وتستثمر الجغرافيا، وتُتقن إدارة الصراع الرمزي والإعلامي، فإنها تستطيع أن تُربك إمبراطوريات بأكملها.وهكذا، لم يعد البحر الأحمر مجرد ممر مائي، بل تحول إلى اختبار حقيقي لموازين القوة الدولية، وإلى ساحة تُثبت أن زمن الحروب الصغيرة ذات التأثير المحدود قد انتهى، وأن العالم دخل مرحلة تُصبح فيها الضربات غير المتكافئة قادرة على إعادة رسم خرائط القلق العالمي.
* كاتب جزائري
Comments are closed.