السيد عبدالملك الحوثي يستعرض منهجية القرآن في التعامل مع اليهود: استباق المؤامرات، وإقفال منافذ الاختراق، والتحرك الجاد لضربهم
السيد عبدالملك الحوثي يستعرض منهجية القرآن في التعامل مع اليهود: استباق المؤامرات، وإقفال منافذ الاختراق، والتحرك الجاد لضربهم
يمني برس |
حذّر السيد القائد عبدالملك بدر الدين الحوثي -يحفظه الله- من حالة الغفلة والجهل التي تعيشها الأمة الإسلامية تجاه عدوها الرئيسي، محدّدًا مسار المنهجية العظيمة للقرآن الكريم في مواجهة أهل الكتاب، وكيفية إقفال الثغرات التي يحاول اليهود النفاذ منها لاستهداف الأمة، ومعايير التحرك الجاد في الواقع العملي.
وأشار السيد القائد في المحاضرة الرمضانية الثانية ضمن سلسلة محاضراته المكرسة لتفسير وتدبر وتأمل حملت عنوان: “إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم”، اليوم الأربعاء، بشكّلٍ مكثف وتفصيلي وموسع، إلى المنهجية التربوية والعملية التي يقدمها كتاب الله الحكيم في تشخيص طبيعة الصراع التاريخي والشامل مع فريق الشر من أهل الكتاب من اليهود والنصارى.
واستند في ذات السياق، إلى الدروس المستفادة من النصوص القرآنية، وبالاستفادة ممّا قدمه مؤسس المسيرة القرآنية، شهيد القرآن السيد حسين بدر الدين الحوثي -رضوان الله عليه- في دروسه القيمة، متناولاً كافة، التعليمات، التوجيهات، والشواهد التاريخية، متتبعًا مسار البناء القرآني للنفس المسلمة، وكيفية معالجة الاختلالات والمواقف الداخلية وتأمين الساحة من الثغرات التي ينفذ منها الأعداء لتحقيق الهيمنة وتدمير عناصر القوة المادية والمعنوية للشعوب المسلمة.
المنهجية القرآنية في تشخيص خطر أهل الكتاب
أكّد السيد القائد في استهلالية المحاضرة أن القرآن الكريم يتميز بمنهجية عظيمة وحكيمة قائمة على إعطاء القضايا المهمة أهميتها البالغة والمستحقة، سواء من حيث طريقة وأسلوب تقديمها بالصياغة اللفظية التي تشعر بعظم شأنها، أو من خلال المساحة والمدى والوسع الذي يفرده لحديث عنها في سوره وآياته.
وبناءً على هذه القاعدة الإلهية، شدّد السيد القائد على أن المتأمل في كتاب الله يجد بوضوح أنه أفرد مساحة واسعة وجلية وممتدة للحديث عن “فريق الشر من أهل الكتاب”، وبشكّلٍ خاص اليهود، ومن تحالف معهم من النصارى الذين وصفهم القرآن بأن {بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ}.
وأوضح أن هذا التركيز القرآني المكثف يهدف إلى كشف خطورة هؤلاء الأعداء وعداوتهم الشديدة والمتجذّرة والمستمرة ضد الأمة الإسلامية على امتداد تاريخها الطويل، مبينًا أن “خطورتهم لا تقتصر على جانب واحد بل تمس الأمة في دينها ودنياها على حد سواء”.
وأشار إلى أن القرآن الكريم قدّم في هذا السياق هدى كاملًا وشاملًا يتضمن ثلاثة أبعاد رئيسية: “التشخيص الدقيق والتقييم الحقيقي لطبيعة وخلفيات هؤلاء الأعداء ونفسياتهم، وتبيان طبيعة ومسار الصراع التاريخي معهم، وتقديم الهداية والتعليمات الإرشادية الكاملة لكيفية مواجهة خطرهم ودفع شرهم وحماية الساحة الإسلامية من مكائدهم”.
وفي هذا الصدّد، ضرب السيد القائد مثالًا بسورة البقرة التي تشتمل على مساحة واسعة للغاية ومحورية من الحديث المفصل عن اليهود وعن فريق الشر من أهل الكتاب بشكّلٍ عام، مؤكّدًا أن هذه الصياغة والتربية القرآنية تهدف بالدرجة الأولى إلى صياغة النفس المسلمة وبنائها الفكري والروحي لتكون متوافقة مع التقييم الإلهي، بحيث يعطي المسلم الذي يهتدي بالقرآن القضايا المهمة حقها وأهميتها، ويتفاعل معها بوعي ويقظة عالية، بعيدًا عن الاستهانة، والتجاهل، أو الغفلة التي يترتب عليها التفريط الخطير والكارثي في المسؤوليات والواجبات.
شروط تحقق الهداية بالقرآن وآثار الإعراض عنه والنظرة القاصرة والمزاج الشخصي
انتقل السيد القائد إلى تفصيل الشروط الأساسية التي بوجبها تتحقق الهداية الفعلية والواقعية بالقرآن الكريم في واقع الإنسان والأمة، محدّدًا إياها في ثلاثة ركائز عملية: “الإصغاء، والتفهم، وتوطين النفس على الالتزام الصارم والكامل بالتوجيهات والتعليمات الإلهية”، منبّهًا إلى أن غياب هذه الركائز، أو افتقاد الإنسان لحالة الاهتمام والتفاعل الجاد، يجعله غير قابل للانتفاع بهدى الله سبحانه وتعالى وبصائره، مهما سمع من الهدى، ومهما شاهد وعاين من الشواهد والمصاديق والآيات الملموسة التي تتحقق وتتجلى أمامه في أرض الواقع.
وحذّر القائد من أن من عواقب هذا الخلل النفسي والعملي وقوع الإنسان في التضليل، وفقدان التحصين والبصيرة، والزيغ والوقوع في الانحراف على مستوى الموقف والتوجه العملي ومسيرة التحرك تجاه المخاطر المحدقة، مستدلاً في هذا السياق بنصٍ واقعي ومفيد ومهم لشهيد القرآن، السيد حسين بدر الدين الحوثي، والذي يشير فيه إلى أنه “عندما يكون الإنسان غير مهتم، ولو كان في عصر مليء بالأنبياء، ولو كانت آيات الله تتنزل، ولو يشاهد عصا موسى تتحول إلى ثعبان، إذا لم تبنِ عليها قاعدة أساسية عندك التزامًا وفهمًا ووعيًا؛ فستكون عرضة للتضليل”.
وعرّج السيد على الشواهد التاريخية لقصة نبي الله موسى عليه السلام وأخيه هارون عليه السلام، اللذين بعثهما الله رسولين ونبيين ووزيرين مؤيدين بالنور والهدى والآيات الكبرى والعجيبة المعجزة لإنقاذ بني إسرائيل وخلاصهم، مستعرضًا تلك المعجزات المشهودة، ومن أبرزها: “تحول عصا موسى إلى ثعبان مبين، وآية الخلاص العظيم المتمثلة في فلق البحر وانفراقه، وخروج بني إسرائيل منه بسلام واطمئنان، ومعاينتهم المباشرة لغرق عدوهم فرعون وجنوده وهم ينظرون”.
وعلى الرغم من هذه المعجزات والآيات الباهرة والهدى الذي سمعوه، أشار السيد القائد إلى أن “السامري” تمكن لاحقًا من إضلال بني إسرائيل بكل بساطة، ودفعهم إلى ضلال كبير وعظيم، مرجعًا “عدم تأثرهم بتلك الآيات وسقوطهم السريع في فتنة الضلال إلى الإشكالية النفسية والعملية الكامنة في عدم التفهم، وغياب الإصغاء الحقيقي، وعدم توطين الأنفس على الالتزام، والافتقار للارتباط الوثيق والعملي بهدى الله سبحانه وتعالى”.
وانتقالاً إلى واقعنا اليوم، شدّد السيد القائد على أننا في هذا العصر نواجه تحديات جسيمة؛ فالإنسان فيه معرض لحملات كبيرة جدًا من الدعاية والإعلام المليء بالإضلال الموجه إلى الناس، وحالة اللوم الكثيرة، وكذلك ضغط الأحداث والعوامل المتنوعة المؤثرة سلبًا في نفوس الناس، وبناءً على ذلك”؛ مبيّنًا أن “الإنسان أحوج ما يكون إلى أن يستوعب هدى الله سبحانه وتعالى، ويستوعب في الحد الأدنى الثوابت والمفاهيم الأساسية التي تحصنه من الضلال ومن الزيغ، والتي تحميه من التأثر بما يأتي من جهة الأعداء، وبالعوامل المؤثرة السلبية التي تدفع الإنسان للانحراف أو الزيغ، أو تتجه به اتجاهًا بعيدًا عن هدى الله سبحانه وتعالى”.
أبعاد المقاطعة اللفظية لثغرات العدو
أورد السيد القائد الآية القرآنية المباركة التي يدور حولها موضوع المحاضرة، وهي قول الله تبارك وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا وَاسْمَعُوا}، الآية (104) من سورة البقرة، داعيًّا الأمة إلى التركيز الكامل على حفظ هذه الآية المباركة واستيعابها، وترسيخ عناوين مفاهيمها الأساسية وثوابتها المنهجية.
وتساءل السيد القائد في هذا المقام: ما علاقة {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا وَاسْمَعُوا} بالموضوع السابق؟ ألا يبدو بأنه توجيه جديد؟ موضحاً “الآن نحن مقبلون على آيات سمعناها، معظم ما فيها توجيه للمؤمنين؛ لأن ما قبل الآية هو عرض قرآني عن بني إسرائيل، عن تاريخهم، عن قصصهم، عمّا حدث في تاريخهم، عن تشخيص لهم، عن نعم الله عليهم، وكيف تعاملوا مع نعم الله سبحانه وتعالى وفي مقدمتها نعمة الهداية، ثم في هذا السياق، إذا في الآية القرآنية توجه النداء إلينا نحن، إلى المؤمنين الذين آمنوا.
ودعا السيد القائد إلى التأمل بتساؤله “ما هي العلاقة بين ذلك العرض عن بني إسرائيل ثم مجيء هذا النداء وهذا الخطاب المباشر للذين آمنوا؟ أليس كذلك توجيهاً للناس؟ مجيباً ” اتجهت هذه الآيات هذا الاتجاه بعدما أعطت صورة كاملة عما حل بأمة لم تهتدِ بهدي الله، وكيف وصلت إلى أحط مستوى وإلى أسوأ نفسية؛ لأن هذا من أهم الدروس التي نستفيدها من العرض القرآني قبل هذه الآية عن بني إسرائيل، وهو تشخيص دقيق لهم، نصل من خلاله إلى أنهم أمة لم تهتدِ بهدي الله”.
وبيَّن هذه النتيجة بالقول: “كيف كانت النتيجة؟ كيف وصلوا على المستوى النفسي؟ وعلى مستوى الانحراف في واقعهم الثقافي، والعملي، والنفسي؟ كيف وصلوا إلى مستوى سيئ، إلى أحط مستوى وإلى أسوأ نفسية؟ موضحاً أن ذلك بالدرجة الأولى يعود إلى أنهم لم يهتدوا بهدي الله، ولم يقدروا نعمة الهدى التي كانت أعظم النعم التي أنعم الله بها عليهم، فكان تعاملهم مع هدي الله بتلك الطريقة السلبية هو الذي أوصلهم في نهاية المطاف إلى ما وصلوا إليه”.
وتطرق السيد تفصيليًا إلى سياق الآية وموقعها داخل سورة البقرة، موضحًا أنها جاءت مباشرة بعد عرض قرآني ممتد وتفصيلي ومحكم عن تاريخ بني إسرائيل وقصصهم وتشخيص نفسياتهم ونعم الله عليهم، وكيف تعاملوا مع نعمة الهداية بطريقة سلبية، ممّا أوصلهم على المستوى النفسي والثقافي والعملي إلى أحط مستوى وأسوأ نفسية.
ولفت إلى أنه وبناءً على هذا العرض، جاء النداء والخطاب الإلهي المباشر الموجه إلى المؤمنين بصيغة توجيه حاسم ومؤكد يتضمن أمرين وحظرًا ووعيدًا شديدًا: الحظر عن قول “راعنا”، والأمر باستبدالها بقول “انظرنا”، والتأكيد الحازم بعبارة “واسمعوا”، ثم الوعيد بالعذاب الأليم للكافرين.
واقتبس السيد القائد في هذا الإطار من تعليقات ومقاصد دروس شهيد القرآن، مبيّنًا أن هذه الآية تُعدُّ من أهم الشواهد الساطعة على إحكام كتاب الله الحكيم وتنزيله من عنده سبحانه وتعالى، حيث يظهر التأمل في ترتيب الآيات وموقع هذه الآية تحديدًا ضمن سياقها القرآني إحكامًا يعلو فوق قدرة البشر والملائكة والأنبياء، ولا يمكن أن يكون إلا صياغة ربانية تهدف لمعالجة تربوية دقيقة لواقع الأمة المؤمنة.
وشرح الخلفية اللغوية والتاريخية للمفردة المنهي عنها، مبينًا أن كلمة “راعنا” هي مفردة عربية معروفة المعنى والدلالة في أوساط العرب والمسلمين بالمدينة المنورة في محيط النبي صلوات الله عليه وعلى آله، وكانوا يستخدمونها بمعنى “أمهلنا” أو “انظرنا” ليتفهموا منه الهدى؛ إلا أن اليهود كانوا يتعمدون استخدام نفس المفردة في تخاطبهم، ولكنهم ينوون ويقصدون بها في أعماق أنفسهم وداخل ضمائرهم معنى سيئًا وشريرًا مشتقًا من “الرعونة” التي تعني السفه والحماقة والطيش، متخذين منها وسيلة مبطنة وخفية للسب والإساءة إلى الرسول صلوات الله عليه وعلى آله وسلم.
استباق نوايا وخطط أهل الكتاب وفجوة الوعي في الساحة الإسلامية
أوضح السيد القائد أن التوجيه الإلهي لم يتساهل مع اليهود في هذا المقصد النفسي والمعنى المبطن الذي لم يبرز صراحة على ألسنتهم ولم يتحرك بعد في واقع الأحداث والمواقف العملية كقتل أو أنشطة تخريبية ظاهرة بالساحة، بل أتى الأمر الصارم للمسلمين بمقاطعة الكلمة وترك استخدامها نهائيًا، لإقفال وسد هذا المجال وإحباط مقاصدهم الخبيثة.
وأكّد أن هذا يعكس تربية قرآنية متقدمة للغاية ترتقي بالأمة وتأمرها باتخاذ مواقف عملية استباقية وحاسمة بناءً على المؤشرات والدلائل، دون انتظار وقوع الكوارث والطامات الكبرى، لافتًا إلى وجود فجوة كبيرة ورهيبة وجسيمة بين هذه التربية القرآنية الاستباقية وبين واقع الساحة والعالم الإسلامي اليوم.
وواصف الحالة السائدة في أوساط الكثير من أبناء الأمة –بمن فيهم بعض علماء الدين، الأكاديميين، السياسيين، والجماهير– بحالة الغفلة الكاملة، والإعراض التام، والتجاهل لما يجري، وإفساح المجال كاملاً أمام اليهود للوصول إلى ما يبتغونه من نفوذ، وسيطرة، واحتلال، وهيمنة، مستنكرًا الرؤية الانهزامية والتبريرية لبعض الجهات التي تدعو للانتظار حتى يتمكن اليهود وإخوانهم من النصارى والمنافقين من السيطرة التامة، واحتلال المساجد، وإهانة الأشخاص وتحقيق كافة أهدافهم قبل التفكير في اتخاذ موقف.
وقارن السيد القائد بين الموقف القرآني المبكر الذي حرك النبي والمسلمين لمقاطعة مفردة لغوية حمايةً للمقام النبوي وسدًا لثغرة نفسية، وبين حجم التخاذل القائم اليوم بالرغم مما يرتكبه اليهود من مؤامرات وحروب واسعة ومكشوفة، معدّدًا مظاهر هذه الهجمة الشاملة في العصر الراهن على نحو: “الحرب الناعمة، المتمثلة بالأنشطة والمؤامرات المفسدة والمضلة التي تحدث ضررًا رهيبًا وخللاً هائلاً في واقع الأمة الفكري والأخلاقي، والحرب الصلبة، المتمثلة بالمجازر الإجرامية الوحشية المروعة والتدمير الشامل الذي يمارسه العدو الصهيوني حاليًا ضد الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، وضد لبنان، والاعتداءات المستمرة التي طالت اليمن وإيران والأمة الإسلامية عامة على مدى العامين الماضيين”.
وأشار إلى الاستهداف المستمر والإساءات الكبرى الموجهة لرسول الله صلوات الله عليه وعلى آله، وللقرآن الكريم، والتهديد المباشر للمقدسات الإسلامية وفي مقدمتها مكة المكرمة والمدينة المنورة، وكذا المخططات المعلنة، “التوجهات والأنشطة السياسية والعسكرية المكشوفة لإقامة ما يسمى بـ “إسرائيل الكبرى”، وتغيير الشرق الأوسط، والسيطرة الكاملة على المنطقة واستعباد شعوبها وإذلالها”.
تحصين الجبهة الداخلية وسد ثغرات الاختراق
طرح السيد القائد تساؤلاً جوهريًا حول دلالة توجيه الخطاب الإلهي في الآية الكريمة للمؤمنين بأمرهم بترك الكلمة، بدلاً من توجيهه لليهود لمنعهم وسجرهم، مبيّنًا أن هذا يحمل هدى عظيمًا وأساسًا استراتيجيًا في الصراع؛ ومفاده أن مفتاح تمكن العدو من إلحاق الضرر بالأمة، أو هزيمتها وإهانتها، ينبع من داخل الأمة نفسها ومن مدى استقامتها أو اختلالها.
واستشهد بالقاعدة الإلهية في قوله تعالى: “ولو قاتلكم الذين كفروا لولوا الأدبار ثم لا يجدون وليًا ولا نصيرًا”، مؤكدًا أن الالتزام الواعي والعملي بهدى الله هو الباني والمحصن للأمة والمورث لتأييد الله ونصره.
ونبّه القائد إلى أن الابتعاد عن هدى الله يحوّل الأمة وشعوبها إلى وضعية هشة، ضعيفة، ومفككة ينقصها الوعي والشعور بالمسؤولية، مما يجعلها قابلة للتأثر السريع والبالغ بأي مؤامرة أو شائعة يطلقها العدو.
ووصف القائد واقع الأمة البعيدة عن التحصين القرآني بـ “الجسد المريض الذي تهاجمه الجراثيم وتفتك به لأنه فقد مناعته”، مشيرًا إلى أن شعوبًا أو أممًا بأكملها في الواقع العربي والمسلم المعاصر قد تقع في حالة من الإرباك، والجدل، والبلبلة، والفوضى، والنزاع الداخلي بمجرد إطلاق شائعة تافهة أو دعاية مكذوبة وسخيفة من بوق من أبواق اليهود.
وشدّد على أن الصراع مع اليهود هو ميدان شامل يمتد عبر كافة المسارات: “الإعلامية، العسكرية، الأمنية، الاقتصادية، والتثقيفية والتعليمية”، داعيًّا إلى جعل الجهود والأنشطة والاهتمامات مركزة على: “البناء القرآني المتماسك للجبهة الداخلية كالبنيان المرصوص، والتشخيص الدقيق والواعي لكافة الثغرات الداخلية التي يبحث عنها الأعداء وينفذون منها لإضعاف الأمة وسلب عناصر قوتها، والعمل الحثيث والمبكر على سد تلك الثغرات وإغلاقها من جهة المؤمنين، بما يضمن نقلة نوعية في الأداء والتحرك العام، ويكفل إحباط مؤامرات “الضربة القاضية” التي يسعى العدو لتوجيهها للأمة المسلمة”.
مخاطر التفريط الناتجة عن عدم التسليم لله
بيّن السيد القائد أن الاهتداء قائم على التسليم لله سبحانه وتعالى، والتقبل لما يأتي من عند الله، سوى في واقع العمل، أو على مستوى الموقف بشكل عملي، لأن التسليم لله والتقبل لهدى الله يعد قضية عملية، وكذلك استجابة في ميدان العمل والالتزام، مشيرًا إلى أن القرآن الكريم يربي الأمة على كيفية التعامل مع هدى الله على أساس التسليم لله، والالتزام العملي والتقبل العملي.
وقال السيد القائد: “حينما نتأمل في واقعنا كأمة إسلامية، وصلت إلى مستوى ما وصلت إليه من الشتات والانحطاط والضعف، وسيطرة أعدائها عليها، وفقدان عناصر القوة، على الرغم من وجود القرآن، الذي تتلوه، ويطبع بطبعات كثيرة، نجد أن الخلل في مستوى الاهتداء بالقرآن الكريم الذي يترتب عليه التزام عملي واستجابة عملية، وتسليم لله سبحانه وتعالى”.
وأضاف أن “من أخطر الأشياء على الناس، تلك القضايا التي تبدو طبيعية، لكنها ذات أهمية كبيرة جدًا، وهي حينما يتعامل الانسان بمزاجه الشخصي وتقييمه للأشياء، ولا يعطيها نفس الأهمية التي أعطاها الله في القرآن الكريم، وإنما يحمل هو انطباع عنها، فينظر إليها كقضايا عادية، وهي قضايا ذات أهمية كبيرة جدا، مؤكدًا أن النظرة إليها كقضية عادية في تقييم الإنسان الشخصي لها، بحسب نظرته القاصرة، ومزاجه الشخصي، يسبب إلى التهاون فيها، ويدفع الإنسان إلى أن يتهاون بها، ثم يكون للتفريط فيها عواقب خطيرة جدًا، بسبب النظرة القاصرة”.
ولفت إلى أن منشأ التفريط هو تلك النظرة القاصرة، التي تجعل الانسان لم يتوفر لدية الدافع القوي للالتزام بهدى الله، مؤكدًا أن ربط المسائل بالمزاج الشخصي والتقييم الشخصي، يترتب علية من خلال التعامل، التهاون والتفريط والإهمال، في العلاقة مع هدا الله سبحانه وتعالى، وفي ترسيخ التسليم لله سبحانه وتعالى.
ولكي يتخلص الانسان من حالة التهاون والإهمال، يوضح السيد القائد أنه على الانسان يعطي أهمية كاملة لكل ما أتى من الله من تعليمات وتوجيهات، ويدرك انها ذات أهمية حتى لو لم يستوعب مستوى الأهمية، أو لم يستشعر مستوى الأهمية، أو لم يفهم حتى مستوى الأهمية، ويجب أن يدرك الانسان بأن ما يأتينا من الله من توجيهات وتعليمات ذات اهمية كبيرة مؤكدًا أن التسليم لله ولأمره بالالتزام العملي، يعتبر تربية ترتقي بالأمة إلى مستوى الالتزام والحذر من التفريط، ومن الوقوع في عواقب التفريط نتيجة لاستبساط الأمور.
ولفت إلى أن النظرة القاصرة، تتمثل في رؤية واقع الأمة اليوم من خلال موضوع الصراع مع اليهود، ومع فريق الشر من أهل الكتاب، مشيراً إلى أن الكثير من الشعوب، لم يتفاعلوا إلى الآن، مع موضوع الصراع بالرغم من الاحداث الكبيرة والرهيبة، وينظروا فيها بجدية، من خلال ما ورد عنه في القرآن الكريم، بل ما يزال الكثير مصرون على الإعراض عن المسألة.
وتابع “إذا لم نستوعب في داخل أنفسنا أهمية بعض الأمور التي قد تبدو طبيعية بالنسبة لنا، فإن ذلك يعود إلى نظرتنا القاصرة، وإلى نقص وعيينا، لأن ما يأتينا من هدى الله له اهميته حتى في القضايا التي تبدو طبيعية بالنسبة الينا، وهذا من أهم الأسس التي نحتاج إليها في الصراع مع اليهود، مشيرًا إلى أن هناك أمورًا كثيرة قد لا يستشعر البعض من الناس مستوى الأهمية لها، فيفرطون فيها، فينتج عنها مخاطر كبيرة في الواقع”.
وأكّد أن من متطلبات الصراع أن تكون الأمة على درجة عالية من الاهتمام والتقبل لهدى الله، والالتزام العملي فيما تعمل وفيما تترك، وأن ما تقوم به في النظرة إلى الأعداء أنفسهم، والموقف منهم، والجدية في الاهتمام بذلك، موضحًا أن النفوس إذا لم تكون مسلمة لله سبحانه وتعالى، فستكون معرضة عن هدية، وإذا أعرضت عن هدية، سيكون مصيرها مؤلم، وهذا ما تعاني منه أمتنا الإسلامية، التي وصلت إلى مستوى أن يكون اليهود الذين ضرب الله عليهم الذلة والمسكنة، والذين كانوا قد وصلوا في مراحل تاريخية من تاريخ الأمة الإسلامية إلى تحت الصفر، ثم عادت وضعيتهم لتكون بالمستوى الذي يذل هذه الأمة على مستواها الكبير في عديدها وعتادها ورقعتها الجغرافية وإمكاناتها الهائلة.
ونوه إلى أن الإعراض ناتج عن خلل في تسليم لله سبحانه وتعالى في ميدان العمل، وفي الالتزام العملي، ونتيجته الحالة التي يصل الناس إليها، من شقاء من ذل، من هوان، من خزي في الدنيا، والمخاطر الكبيرة جدا بالعذاب العظيم في الآخرة، داعيًا إلى التعامل مع هدى الله سبحانه وتعالى، ومع ما يأتينا من هدى الله، بأهمية كبيرة، وألا نخضعه لمزاجنا ولا لتقديراتنا الخاطئة، مهما بدا في نظرنًا أمرًا طبيعيًا وعاديًا، ويجب أن نستشعر أهميته باعتباره من هدى الله، والله يعلم ما لا نعلمه، والأعلم بكل شيء سبحانه وتعالى.
وحذّر من مخاطر التفريط، الناتجة عن عدم التسليم لله سبحانه وتعالى بالالتزام العملي، مشيرًا إلى بنو إسرائيل الذين لم يهتدوا بهدى الله، لم يسلموا حرفيا بالالتزام بهدى الله سبحانه وتعالى، والنتيجة التي وصلوا إليها في تاريخهم، مؤكّدًا أن الفجوة الكبيرة جدًا ما بين التربية القرآنية التي يربينا عليها القرآن الكريم، لنكون على هذا المستوى من الوعي، ومن الاهتمام، واليقظة والحذر، وما بين النظرة القاصرة تجاه اليهود الخطيرون، والذي يجب أن نكون على مستوى عالي من الحذر منهم، وإعطاء كل قضية أهميتها في الصراع معهم.
ولفت إلى أن الحالة السائدة في العالم الإسلامي، حالة غفلة بشكّل كامل، وإعراض تام، وتجاهل لما يجري، وهذا يؤدي إلى إفساح المجال لليهود ليصلوا إلى أي مستوى يصلون إليه في استهدافهم لهذه الأمة، وفي هجمتهم على هذه الأمة، ويقابلون ذلك بالتجاهل الكامل.
وشدّد السيد القائد على أن نتحرك في الصراع مع اليهود، بمستوى من الحذر والجدية والاهتمام؛ هذا سينقلنا نقلة مهمة في أدائنا، في عملنا، في تحركنا في كل المجالات، الإعلامي، والعسكري، والأمني، والاقتصادي، كل مجال من المجالات، لأن ميدان الصراع مع اليهود ميدان شامل في كل المجالات.
حتمية التدابير الأمنية وإقفال منافذ الاختراق والتخريب في واقع العمل والمواجهة
تطرق السيد القائد إلى الإسقاطات العملية والميدانية للمنهجية القرآنية على “الجانب الأمني”، باعتباره أحد أهم المسارات الحيوية في الصراع مع الأعداء، موضحًا أن العناية بإقفال المجالات والاهتمام بسد الثغرات والمنافذ التي ينفذ من خلالها الأعداء لإلحاق الضرر بالأمة على أي مستوى، تعد من الأسس والشروط الجوهرية لحماية الساحة. وضرب السيد القائد مثالاً واقعيًا ومباشرًا بالإجراءات الأمنية والاحترازية المتبعة، كعمليات التفتيش والتدقيق.
وأكّد أنه “عندما نقول نفتشك، وأنت الأخ الصديق الموثوق به بنسبة مئة بالمئة، نفتشك، أو نقول تكون متيقظًا، تكون منتبهًا؛ فإن كل الإجراءات التي تمثل إقفال مجال، يجب أن تكون أنت أول من يعملها ويتفاعل معها”، مشيرًا إلى أن “الأعداء يركزون بشكّلٍ مكثف على الوضعية العامة للأمة وللشعوب نفسها، وبمزيد من التركيز والاهتمام على كافة مجالات العمل ذات الأهمية الكبيرة في المواجهة معهم، حيث يسعون بشتى الوسائل إلى اختراقها”.
وحدّد السيد القائد الأهداف والأساليب المتعددة التي تتبعها قوى الشر واليهود في محاولات الاختراق الواسعة التي يديرونها، والتي تتوزع على عدة مسارات تدميرية: “الاختراق الأمني المباشر، الذي يهدف بالدرجة الأولى إلى تنفيذ عمليات التدمير، والتخريب، وضرب مقومات القوة المادية”، وكذا “التضليل والتتويه”، من خلال حملات الزيف والتشويه الفكري والمعلوماتي لحرف مسار الأمة عن الرؤية الصحيحة، لافتًا إلى محاولات “إثارة وصناعة العوائق” عبر افتعال المشاكل والعقبات التي تشوش على نجاح الأعمال والأنشطة ذات الأهمية، أو تعيق تقدمها وإنجازها في الميدان.
وشدّد على أن هذه الأساليب الكثيرة والمسارات المتعددة التي يشتغل عليها الأعداء، مصيرها الحتمي الفشل التام أمام الوعي العالي للأمة، عندما يبنى على هذا الوعي إجراءات وتدابير عملية يدرك الإنسان قيمتها وأهميتها، ويعي ضرورة الالتزام الصارم بها والمبادرة التلقائية إليها، وبذلك، “يتم تحصين الوضع الداخلي وحمايته من كل أشكال الاختراق والتخريب، المقترن بالوعي الكامل بكل ما يركز عليه الأعداء، والتشخيص الدقيق للثغرات القائمة”.
واختتم السيد القائد محاضرته الثانية بالإشارة إلى أن هذه التدابير يجب أن تصبح جزءًا أساسيًا ومستمرًا من الأنشطة العامة؛ سواء على مستوى الجهات الرسمية المعنية بإصدار الإرشادات والإجراءات الأمنية، أو على مستوى الوعي العام والالتزام الجماعي، مؤكدًا أن “هناك قضايا عديدة يحتاج فيها الناس إلى التزام أمني عام وشامل ومسؤول لحفظ أمن واستقرار المجتمع”.
Comments are closed.