وحدة الساحات ومعادلة الاستباحة
وحدة الساحات ومعادلة الاستباحة
يمني برس _ بقلم _ عبدالفتاح البنوس
نجحت إيران من خلال قيادتها لمحور المقاومة في تثبيت معادلة وحدة الساحات، وهو الأمر الذي أفشل معادلة الاستباحة الصهيونية المدعومة أمريكيا التي عمل الكيان على ترجمتها وتنفيذها في المنطقة، إذ ظن الأخير، عقب الصمت العربي والإسلامي والتواطؤ الدولي تجاه جرائم الإبادة الجماعية التي يرتكبها بحق أهالي قطاع غزة، بأنه يمتلك السطوة والقوة والضوء الأخضر لفرض معادلة الاستباحة في المنطقة بكل أريحية ولا يمكن لأي قوة أن تقف في وجهه أو تشنع وتجرم عليه ذلك، وخصوصا في ظل حصوله على الدعم والإسناد الأمريكي الذي يوفر له الغطاء ويمنحه الحماية التامة للمضي قدما في سياسته الإجرامية الوحشية.
ولكن المفاجئ للأمريكي والإسرائيلي أن إيران ومعها بقية دول محور المقاومة كانت أكثر حذاقة ودهاء وفطنة وتخطيطا وتكتيكا، وأن المحاولات التي يقومان بها من أجل النيل من وحدة الساحات التي تعكس وحدة الموقف والتوجه، قد باءت بالفشل الذريع، نتيجة التنسيق التام، والتفاهم الكبير، والعمل المشترك، الذي عليه دول المحور، والذي شكل مصدر إرباك وإزعاج لهما بعد أن ظنا أن بإمكانهما فصل جبهات المحور والاستفراد بدوله واحدة تلو أخرى، وها هي إيران اليوم تفرض على المعتدين شروطها، وتتصدر المشهد العالمي بصمودها وثبات مواقفها وصدق توجهاتها والتزامها بوحدة الساحات، وواحدية المصير بالنسبة لدول المحور، من خلال ربط التوقيع على أي اتفاق مع الجانب الأمريكي بإيقاف العربدة الأمريكية والإسرائيلية على كافة دول المحور خاصة والمنطقة عامة، في إطار التجسيد العملي لمبدأ وحدة الساحات، الذي سخر منه كثيرا بعض ناقصي الوعي والبصيرة ممن وقعوا تحت تأثير أسطوانة التفوق الإسرائيلي الذي نجح المحور في نسفها وإسقاطها .
اليوم الذي ترجمت فيه إيران وعيدها للكيان بالرد الرادع إن هو ذهب للاعتداء على ضاحية لبنان الجنوبية، بالرد العملي من خلال جولة المواجهة الثالثة التي شاركت فيها اليمن ولبنان، وأثبتت عمليا مصداقية توجهاتها، وعززت من مبدأ وحدة الساحات، والذي أجبر الأمريكي على التدخل لاحتواء الموقف وإيقاف العمليات العسكرية بين الطرفين، بعد أن لمس الأمريكي قبل الإسرائيلي، فاعلية الرد الإيراني وتداعيات انخراط دول محور المقاومة في المعركة، ولم تجد أمريكا من خيار سوى البحث عن مخرج وحل سياسي يحفظ لها ما تبقى من ماء وجهها، من خلال الموافقة على مضامين مذكرة التفاهم الباكستانية التي تضمنت جملة من البنود التي تمثل في حد ذاتها انتصارا للجانب الإيراني ومحور المقاومة، وهزيمة للجانب الأمريكي والإسرائيلي، حتى وإن حاول ترامب إظهار خلاف ذلك من خلال تصريحاته الرعناء التي تحدث من خلالها عن الغبار النووي، الذي قال بأنه يعرف كيف سيحصل عليه .
الحقيقة الدامغة والماثلة للعيان تقول بأن أمريكا هزمت في معركتها مع إيران، وأن الأخيرة انتصرت عسكريا من خلال حضورها في ميدان المواجهة وضرباتها الموجعة التي نفذتها ضد الأعداء من جهة، كما انتصرت سياسيا ودبلوماسيا من خلال نجاعة وفاعلية الأداء الدبلوماسي خلال فترة الحرب ومسار الجولات التفاوضية، والحفاظ على وحدة الساحات في إطار دول محور المقاومة والأوراق الضاغطة التي يمتلكها هذا المحور من جهة أخرى، والتي من شأنها أن تجبر الأمريكي على التروي قليلا، والتخلي عن نزعة الغطرسة والتعالي، وسياسة البلطجة والاستفزاز التي يمارسها، بعد أن أدرك أن مجريات الأحداث لن تكون في مصلحته، إن هو واصل السير في ذات السياسة التي يظن بأنها الأنجع لخدمة كيان العدو الإسرائيلي من جهة، وتعزيز نفوذها وحماية مصالحه من جهة أخرى.
بمعنى أن الأمريكي أدرك استحالة تفكيك محور المقاومة، أو الاستفراد بكل دولة منه على حدة دون أن تتدخل بقية الدول، وهنا مكمن التفوق الإيراني وبقية دول المحور، فالأمريكي الذي لا يزال غارقا في مياه مضيق هرمز، ويتكبد على إثر ذلك الخسائر الاقتصادية الكبيرة، يدرك تماما حجم الكارثة التي ستحل به في حال تفعيل اليمن ورقة مضيق باب المندب، وأن الخسائر التي قد تترتب على ذلك كفيلة بانهيار اقتصاده بالكلية، وهو الأمر الذي لا يرغب في بلوغه أو الوصول إليه، وخصوصا وهو على أعتاب انتخابات التجديد النصفي، والتي قد تطيح بترامب وإدارته الجمهورية من البيت الأبيض، وتعيد الديمقراطيين إلى المكتب البيضاوي مجددا .
خلاصة الخلاصة : نجاح إيران ومعها دول محور المقاومة في تثبيت مبدأ وحدة الساحات وترجمة ذلك عمليا خلال المسار التفاوضي مع الجانب الأمريكي عبر الوسيط الباكستاني، انتصار كبير لإيران وللمحور، ولهذا سيعمل الإسرائيلي جاهدا على ارتكاب الخروقات وتنفيذ اعتداءات استفزازية في لبنان وذلك بهدف جر إيران للرد، وهذا ليس بخاف على إيران ودول المحور، وهناك آلية معدة للرد على أي اعتداءات صهيونية، وهو الأمر الذي سيضع المفاوضات مع الأمريكي على كف عفريت- كما يقال- وخصوصا ما يتعلق بمذكرة التفاهم، والتي ألزمت الجانب الأمريكي بإلزام الجانب الصهيوني بإيقاف العدوان على لبنان والانسحاب من الأراضي اللبنانية، وهو ما لم يتم حتى اللحظة بعد أن تكرر الاعتداء على الضاحية الجنوبية الأحد الماضي، وهو الأمر الذي لن يمر دونما رد من قبل إيران ومحور المقاومة، وعلى الأمريكي أن يتحمل تبعات الرعونة الصهيونية، والتي من المستحيل أن تمارس بدون ضوء أخضر منه.
والعاقبة للمتقين .
Comments are closed.