المنبر الاعلامي الحر

نهب الموارد وخنق الاقتصاد.. الوجه الآخر للعدوان

نهب الموارد وخنق الاقتصاد.. الوجه الآخر للعدوان

يمني برس | تقرير | وديع العبسي

لم يقتصر أثر العدوان والحصار على ما لحق بالبنية التحتية في اليمن من دمار واسع، بل امتد إلى حرمان البلاد من الاستفادة من مواردها الطبيعية وفي مقدمتها النفط والغاز، وهما الموردان اللذان شكّلا -لعقود- الركيزةَ الأساسية لتمويل الموازنة العامة، وصرف مرتبات موظفي الدولة، وتحسين الخدمات العامة، ودعم مشاريع التنمية. ومع استمرار مُصادَرَة حق الشعب اليمني في الاستفادة من هذه الموارد فَقَدَ الاقتصاد الوطني أحد أهم مصادر قوته في وقت كانت فيه الدولة والمجتمع بأمسّ الحاجة إلى الموارد لمواجهة التداعيات الإنسانية والاقتصادية التي خلّفها العدوان.

ومن منظور السيادة الوطنية والقانون الدولي، تُعد الموارد الطبيعية ملكًا للشعوب، وتتمتع الدولة صاحبة الإقليم بالحق الأصيل في إدارتها واستثمارها والتصرف بعائداتها بما يحقق مصالح مواطنيها، ويستند هذا المبدأ إلى قاعدة راسخة في القانون الدولي تقضي بأن تكون القرارات المتعلقة بالإنتاج والتصدير وإدارة الإيرادات شأنًا وطنيًا خالصًا، بعيدًا عن أي ضغوط أو تدخلات خارجية تَحُول دون استفادة السكان من ثرواتهم أو تنتقص من حق الدولة في ممارسة سيادتها على مواردها الطبيعية.

ومن هذا المنطلق، فإن أي قيود تمنع الدولة من إدارة هذه الموارد أو الانتفاع بها، تنعكس بصورة مباشرة على قدرتها في الوفاء بالتزاماتها الأساسية تجاه مواطنيها، وفي مقدمتها توفير الخدمات العامة، وتحقيق الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي والمعيشي.

تعطيل الاستفادة من الموارد الطبيعية

على امتداد سنوات العدوان والحصار، عاش ملايين اليمنيين أوضاعًا اقتصادية وإنسانية بالغة الصعوبة، ترافقت مع توقف صرف مرتبات موظفي الدولة، وارتفاع معدلات الفقر والبطالة، وانهيار القدرة الشرائية، واتساع رقعة الاحتياجات الإنسانية. وقد مثّل استمرار تعطيل الاستفادة من الثروات النفطية والغازية سببًا رئيسًا في تعميق هذه الأزمات، إذ حُرمت الدولة من أحد أهم مصادرها المالية في وقت كانت فيه الحاجة إلى الموارد أكبرَ من أي وقت مضى، الأمر الذي حدّ من قدرتها على الإيفاء بالتزاماتها الأساسية تجاه المواطنين، وفي مقدمتها توفير الخدمات العامة، والحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي.

ولم يقتصر أثر ذلك على الجانب المالي فحسب، بل امتد إلى مجمل النشاط الاقتصادي، إذ ارتبطت الأزمة الاقتصادية بجملة من التطورات المالية والإدارية التي انعكست على مختلف مناحي الحياة، وكان من أبرزها الانقسام المالي والمؤسسي الذي تعمّق بفعل سياسات العدوان، وما ترتب عليه من اضطرابات في السياسة النقدية، وتراجع قيمة العملة الوطنية في المناطق الجنوبية والشرقية المحتلة، وارتفاع الأسعار بصورة متواصلة، الأمر الذي زاد من الأعباء المعيشية على المواطنين، وأضعف قدرتهم على مواجهة متطلبات الحياة اليومية في ظل تراجع مستويات الدخل وارتفاع تكاليف المعيشة.

أداة للاستقطاب وتفريخ المكونات

خلال هذه الفترة المشحونة باسباب الأزمات التي اختلقها المحتل السعودي، استخدمت الرياض هذه العائدات كأداة للتأثير السياسي واستقطاب الولاءات، الأمر الذي أسهم في تعقيد المشهد الداخلي، وتعميق الخلافات البينية، وتوسيع حالة الانقسام داخل المجتمع اليمني في المناطق المحتلة. كما أدى هذا الواقع إلى توالُد المكونات السياسية والعسكرية المتنافسة في تلك المناطق، وتراجُع فرص بناء مؤسسات وطنية موحدة قادرة على إدارة الموارد والثروات وفق رؤية شاملة تخدم مصالح اليمنيين جميعًا، ما خرج بهذا المصدر الاقتصادي عن سياق منفعته الطبيعية كأحد عوامل الاستقرار والتنمية، وتحسين الأوضاع الاقتصادية وتلبية الاحتياجات الأساسية للسكان.

المعاناة بسبب تراجع الخدمات الأساسية

من هنا لازمت الأزمات حياة اليمنيين بما فيهم المواطنون في المناطق الجنوبية والشرقية المحتلة، إذ استمرت معاناة السكان من تراجع الخدمات الأساسية وفي مقدمتها الكهرباء والمياه، فضلًا عن ضعف البنية التحتية، وتدهور الخدمات الصحية والتعليمية، واستمرار الأوضاع الاقتصادية الصعبة.

ويرى مراقبون أن الثروة الوطنية لم تُوظَّف بالشكل الذي يحقق الفائدة العامة، وأن إدارة الموارد ظلت مرتبطة بحسابات السعودية السياسية أكثر من ارتباطها بمشروع تنموي وطني يخدم المجتمع اليمني، لذلك ظلت مسيطرة عليها بصورة لافتة كشفت عن رغبة في تأزيم حياة اليمنيين، ومحاولة خلق أسباب الفوضى المستدامة.

استخدام الاقتصاد كوسيلة للضغط

ومنذ وقت مبكر حذّرت شخصيات ومنظمات دولية من التداعيات الإنسانية الناجمة عن القيود الاقتصادية ومصادرة حق إدارة الموارد، مؤكدة أن هذه السياسات انعكست بصورة مباشرة على حياة ملايين اليمنيين. فأكد المبعوث الأممي إلى اليمن، هانز غروندبرغ -في أكثر من مناسبة- أن الإجراءات المتعلقة بالنفط والموانئ والإيرادات أدت إلى تعميق معاناة اليمنيين، وأشار إلى أن الملفات الاقتصادية تمثل جزءًا أساسيًا من الأزمة اليمنية.

كما صرّح المدير التنفيذي السابق لبرنامج الأغذية العالمي، ديفيد بيسلي -في مناسبات عدة- بأن اليمن يواجه حربًا اقتصادية إلى جانب الحرب العسكرية، وأن ملايين اليمنيين يدفعون ثمن انهيار الاقتصاد وانقطاع مصادر الدخل، محذرًا من استخدام الاقتصاد وسيلة للضغط على المواطنين.

وتناول الباحث البريطاني في مؤسسة تشاتام هاوس، بيتر سالزبوري، جانب استخدام الأدوات الاقتصادية في الصراع، مشيرًا إلى أن الأطراف الإقليمية استخدمت الموارد والإيرادات والبنك المركزي والموانئ كأدوات ضغط، وأن ذلك أدى إلى إضعاف مؤسسات الدولة وزيادة الأعباء الاقتصادية على السكان.

من جهته، رأى ديفيد هيرست، رئيس تحرير موقع ميدل إيست آي، أن الحصار الذي تقوده السعودية لم يكن مجرد إجراء عسكري، بل كانت له آثار اقتصادية واسعة أسهمت في خنق الاقتصاد اليمني وإعاقة فرص التعافي.

كما أكدت الباحثة والمؤرخة البريطانية هيلين لاكنر، التي عاشت في اليمن أكثر من خمسة عشر عامًا، أن التركيز على العمليات العسكرية وحدها لا يعكس حجم المعاناة التي لحقت بالسكان، مشيرة إلى أن الحصار ومنع دخول السلع الأساسية كانا من العوامل الأكثر تأثيرًا على حياة اليمنيين اليومية.

اتساع الفجوة التنموية بسبب الحصار

كان اليمن -قبل العدوان- يعتمد بدرجة كبيرة على عائدات النفط والغاز في تمويل الموازنة العامة، وتوفير الموارد اللازمة لتسيير مؤسسات الدولة، ودعم الخدمات الأساسية، وتمويل مشاريع التنمية. ومع تعطل الاستفادة الكاملة من هذه الموارد، فقدت الدولة أحد أهم مصادر دخلها، الأمر الذي انعكس على قدرتها في أداء وظائفها الأساسية، وعلى تمويل القطاعات الخدمية، وصيانة البنية التحتية، ودفع المرتبات بصورة منتظمة. ولم يتوقف أثر ذلك عند الجانب المالي والإداري، بل امتد إلى تفاصيل الحياة اليومية للمواطنين. فما دمرته الغارات الجوية من طرق وجسور ومحطات كهرباء ومرافق خدمية، واجه صعوبات كبيرة في إعادة التأهيل، في ظل الحصار والقيود التي منعت دخول كثير من الاحتياجات الفنية وقطع الغيار والمستلزمات الضرورية لأعمال الصيانة. ونتيجة لذلك، استمرت معاناة قطاعات الكهرباء والمياه والصحة والنقل لسنوات طويلة، وارتفعت كلفة الحصول على الخدمات الأساسية إلى مستويات تفوق قدرة معظم الأسر اليمنية. كما توقفت أو تباطأت مشاريع التنمية في أنحاء البلاد، واقتصر ما أُنجز على مبادرات محدودة لم تكن قادرة على تلبية حجم الاحتياجات المتراكمة. وأدى ذلك إلى اتساع الفجوة التنموية بين ما تحتاجه البلاد من إعادة بناء وما هو متاح من إمكانات، وهو الذي سيمتد تأثيره لسنوات.

التوثيق على طريق المحاكمة

وخلال السنوات الماضية، وثقت منظمات دولية عديدة التدهور الإنساني الواسع الذي أصاب اليمن، وأشارت تقاريرها إلى أن القيود المفروضة على الاقتصاد وحركة الواردات أثرت في تفاقم الأزمة الإنسانية، وألقت بظلالها على الأمن الغذائي، والخدمات الأساسية، ومستوى معيشة السكان. كما ازدحمت الملفات بوثائق الإدانة للطرف السعودي، يجري إعدادها من قبل جهات حقوقية وقانونية للنظر في المسؤوليات المترتبة على الانتهاكات التي تعرض لها اليمنيون، قبيل مقاضاة العدو.

مع ذلك تأتي بيانات الرياض ناكرة ومتنصلة عن التسبب في كل هذه المآسي. والأسوأ من ذلك، نغمةُ التمنن التي تعمدتها في الحديث عن سماحها بدخول بعض السفن، أو بتحرك بعض رحلات الطيران من وإلى مطار صنعاء الدولي، متناسية أنها تتحدث عن دولة مستقلة وعضوٍ في منظمة الأمم المتحدة، لها أن تفرض سيادتها على كامل أراضيها وسمائها، وتكون حركتها وفق ما تقتضيه احتياجات شعبها، متحررة من أي تدخلات خارجية.

كسر الحصار ومعادلة الرد

كان واضحا أن استمرار الحصار والإجراءات الاقتصادية لم يكن مجرد تداعيات جانبية للحرب، بل كان جزءًا من واقع فرض أعباء واسعة على الشعب اليمني، ومحاولة لإبقائه تحت ضغط اقتصادي وإنساني متواصل. غير أن هذا الواقع لم يؤدِّ إلى تحقيق الهدف المتمثل في دفع الشعب اليمني إلى الاستسلام أو التخلي عن موقفه، إذ ظل متمسكًا بما يراه حقًا مشروعًا في الدفاع عن سيادته وقراره الوطني.

وانطلاقًا من ذلك، جاء قرار كسر الحصار وفرض معادلة “الحصار بالحصار” بوصفه ردًا عمليا على استمرار القيود المفروضة على اليمن، وانسجامًا مع المطالب الإنسانية والقانونية المتعلقة بحق الشعب في الوصول إلى موارده، وإدارة شؤونه الاقتصادية، وإنهاء حالة الاستثناء التي فُرضت على بلد مستقل وعضو في المنظومة الدولية.

حقوق أساسية لأي دولة في العالم

كان من الحكمة والإنصاف أن يتعامل المجتمع الدولي مع هذه القضية بمسؤولية وعدالة، وأن ينظر إلى معاناة شعب بأكمله وهو يعيش ظروفاً استثنائية بفعل العدوان والحصار، بعيدًا عن ازدواجية المعايير. كما كان مطلوبًا منه أن يصف ما يحدث وفق القوانين والمواثيق التي طالما تشدق بها وأكد عليها، خصوصًا في ظل ما اعتبرته جهات دولية وحقوقية انتهاكاتٍ واسعةً لحقوق الإنسان، وأضرارًا إنسانية موثقة طالت كل المجتمع اليمني، خصوصا وأن الأوضاع الاقتصادية والإنسانية التي عاشها اليمنيون ارتبطت -بصورة مباشرة- بالقيود التي طالت حركة الاقتصاد والموارد والمنافذ.

ومن هذا المنطلق، فإن قضية الموارد الطبيعية ورفع القيود عن الاقتصاد اليمني لا تمثل مطلبًا سياسيًا فحسب، بل ترتبط بحقوق أساسية لأي دولة في العالم، وفي مقدمتها حقها في إدارة ثرواتها، وتوفير احتياجات مواطنيها، وبناء اقتصادها بعيدًا عن الضغوط التي تعيق قدرتها على التعافي.

تحرير الموارد لصالح اليمنيين

ومن هنا، فإن معركة اليمنيين لتحرير مواردهم الطبيعية لا تنفصل عن معركتهم من أجل السيادة الوطنية، فامتلاك القرار الاقتصادي يمثل جزءًا أساسيًا من امتلاك القرار السياسي. ولا يمكن لأي دولة أن تحقق استقرارًا حقيقيًا أو تبني مستقبلًا مستدامًا ما لم تكن قادرة على إدارة أرضها ومواردها وطاقاتها بعيدًا عن أي تدخلات أو قيود خارجية. ولا يطالب اليمنيون اليوم بأكثر من حقهم الطبيعي في دولة مستقلة قادرة على إدارة مواردها بما يحقق مصالح شعبها ويحفظ كرامته. فالثروات الطبيعية هي ملك للشعب اليمني، ومن حقه أن تُسخّر عائداتها لتحسين حياته، ودعم اقتصاده، وبناء مؤسساته، وتوفير الخدمات التي يحتاج إليها.

إن مستقبل اليمن لن يُبنى بالهيمنة أو الوصاية أو استخدام الاقتصاد أداةً للضغط على المواطنين، بل باحترام إرادة الشعب، وتمكين الدولة من ممارسة صلاحياتها الطبيعية بعيدًا عن أي تدخلات خارجية. واستقرار اليمن وتنميته يرتبطان بقدرته على استعادة دوره الاقتصادي، واستثمار إمكاناته الوطنية.
نقلا عن موقع أنصار الله

Comments are closed.