المنبر الاعلامي الحر

التقدير الإسرائيلي للرد اليمني على تصعيد السعودية والتحشيدات التابعة لها

التقدير الإسرائيلي للرد اليمني على تصعيد السعودية والتحشيدات التابعة لها

يمني برس | تقرير | أنس القاضي

يتعامل الكيان الصهيوني مع الرد اليمني ضد تصعيد السعودية والتحشيدات التابعة لها باعتباره اختباراً لقدرة الرياض على حماية أمنها ومصالحها، ويرى الصهاينة أن الرد اليمني المتصاعد يتجاوز في خطورته المواجهة السعودية اليمنية إلى تأثيره في أمن الطاقة والملاحة والبيئة الإقليمية المحيطة بالكيان. ويتركز الاهتمام الإسرائيلي أساساً على أثر العمليات في القرار السعودي؛ فاستمرار الضغط على المنشآت النفطية والموانئ والناقلات قد يدفع الرياض إلى تعزيز الدفاعات وتوسيع التعاون البحري والاستخباري، وإعادة تنشيط الأدوات التابعة لها في محاولة من السعودية للضغط على صنعاء، وهو مسار يرى الصهاينة أن نتيجته قد تكون مغايرة، بدلاً من أن تحقق السعودية نتائج ضد صنعاء تخدم الكيان، قد تتجه لإبرام اتفاق مع صنعاء بعيداً عن الكيان الذي يشعر بالتهديد ويرى في هذه المواجهة فرصة لتعديل موازين القوى.
مدخل:
تأتي المتابعة الإسرائيلية للتطورات اليمنية الأخيرة في سياق اتساع العمليات لتشمل السفن والمنشآت السعودية، والتحشيدات التابعة لها في مأرب وحضرموت والساحل الغربي، بالتوازي مع إعلان مشروع التحالف البحري متعدد الجنسيات، وتوقيع السعودية وتركيا وباكستان اتفاق مكة لما يسمى “الدفاع المشترك”. وقد جمعت وسائل الإعلام الإسرائيلية هذه التطورات داخل صورة واحدة تتعلق بمستقبل الأمن السعودي، وحركة الطاقة عبر البحر الأحمر، وقدرة الرياض على مواصلة الضغط على صنعاء من دون العودة إلى حرب واسعة.

الاهتمام الصهيوني
يتعامل الكيان مع العمليات الأخيرة بوصفها مساراً يتجاوز تجدد المواجهة السعودية اليمنية، لأنها جاءت بعد إعلان صنعاء في 20 يوليو 2026م فرض الحظر على السفن المرتبطة بالموانئ السعودية، ثم توسعت لتشمل ناقلات نفط قرب ينبع وفي خليج عدن، ومنشآت داخل السعودية، ومعسكرات وتحشيدات تابعة لها في مأرب وحضرموت والساحل الغربي والحدود، وبذلك أصبح الضغط موزعاً بين صادرات النفط، والممرات البحرية، والعمق السعودي، والأدوات التابعة للسعودية في الداخل.

ركزت التغطية الإسرائيلية على ارتباط البحر الأحمر بأزمة مضيق هرمز، فجزء كبير من صادرات الطاقة السعودية حُوّل إلى خط شرق-غرب وميناء ينبع، تراجع حركة السفن عبر باب المندب يهدد المنفذ البديل الذي تعتمد عليه الرياض بعد اضطراب هرمز. هذه الزاوية تمنح العمليات ضد السعودية أهمية مباشرة في التقدير الإسرائيلي، لأن تعطل صادرات ينبع لا يضغط على الرياض وحدها، بل يضيق البدائل المتاحة أمام أسواق الطاقة والقوى الغربية، كما يمنح صنعاء قدرة على التأثير في دولة لا يزال الكيان يراهن على ضمها إلى ترتيبات أمنية وسياسية تقودها الولايات المتحدة.

العمليات ضد السعودية
يراقب العدو الإسرائيلي أثر العمليات في القرار السعودي أكثر من اهتمامه بالنتائج المادية لكل ضربة، فالقضية بالنسبة للكيان هي ما إذا كان استهداف مطار نجران، وناقلات النفط، وخطوط نقل الطاقة، ومنشآت جيزان وينبع والأدوات التابعة، سيدفع الرياض إلى توسيع الحرب، أم إلى البحث عن تفاهم يحمي مصالحها الخاصة. يخدم التصعيد المصلحة الإسرائيلية إذا دفع السعودية إلى تعزيز الدفاعات، وتوسيع تبادل المعلومات، ودعم التحالف البحري، وإعادة تنشيط القوات التابعة لها داخل اليمن، لأن ذلك يضيف جبهة ضغط جديدة على صنعاء ويُضعف القدرات المخصصة للعمليات المرتبطة بالكيان، غير أن النتيجة المعاكسة تبقى حاضرة، فقد تدفع كلفةُ الحربِ السعوديةَ إلى فصل أمنها عن الصراع الإسرائيلي اليمني، والعودة إلى تفاهم ثنائي يعالج المرتبات والمطارات والموانئ والحدود، مقابل وقف استهداف المنشآت والملاحة السعودية.

استهداف التحشيدات
حظي استهداف التحشيدات التابعة للسعودية في مأرب وحضرموت والمخا والحدود بمساحة بارزة في التغطية الإسرائيلية، ووصفته “يديعوت أحرونوت” بأنه واحد من أكبر التصعيدات داخل اليمن منذ تجميد الجبهات الواسعة عام 2022م، وربطت أهمية مأرب بموقعها العسكري ومواردها النفطية والغازية، وأهمية حضرموت بالتنافس بين القوى المرتبطة بالسعودية والإمارات. يتابع الكيان القوات التابعة للسعودية في مأرب وحضرموت والساحل الغربي بحسب الوظائف الممكنة لكل منها، فتحشيدات مأرب والجوف والحدود تستطيع إشغال صنعاء في جبهات برية متعددة، وتحشيدات حضرموت تحمي مجال النفوذ السعودي والطرق الشرقية، أما تحشيدات المرتزق طارق صالح فتكتسب قيمة خاصة بسبب وجودها قرب باب المندب والساحل الغربي والجزر، وقدرتها على مراقبة الحركة البحرية، وتقديم المعلومات، وتأمين قواعد قريبة من الحديدة.

مع ذلك، لا يبني العدو الإسرائيلي تقديره على قدرة هذه الأدوات على حسم الحرب، فقد أثبتت تجربة السنوات السابقة أن تعدد التشكيلات والقيادات والولاءات يمنعها من العمل ضمن مركز قرار واحد، كما أن التنافس السعودي الإماراتي يوزعها بين مشاريع متباينة، ولذلك تستفيد “إسرائيل” من هذه القوات في المراقبة والإشغال وحماية مواقع محددة أكثر من اعتمادها عليها قوة قادرة على التقدم نحو صنعاء.

التحالف البحري
ينظر الكيان بإيجابية أولية إلى مشروع التحالف البحري الذي أعلنت السعودية العمل على تشكيله، لأنه يوسع مسؤولية حماية السفن، ويمنح المواجهة غطاءً دولياً، ويتيح مراقبة أوسع للبحر الأحمر وخليج عدن، كما يقلل حاجة “تل أبيب” إلى الظهور طرفاً مباشراً في هذه الترتيبات التي تخدم الكيان وتقودها دولة عربية وإسلامية. لكن التقييم الإسرائيلي لا يساوي بين تأييد أربع عشرة دولة للبيان التأسيسي وقيام قوة بحرية فعالة، فالقيمة العسكرية للتحالف ستتحدد بعد إعلان هيكل القيادة، وحجم القوات والسفن، وقواعد الاشتباك، وآليات تبادل المعلومات، والموانئ المستخدمة، وعلاقته بالقوات الأمريكية والبريطانية والأوروبية الموجودة. ويرتبط القلق الإسرائيلي بطبيعة القيادة السعودية للتحالف، فالرياض قد تستخدمه لحماية ناقلاتها وموانئها وخطوط تصدير النفط، بينما تريد “إسرائيل” حماية السفن المرتبطة بها عند أي مواجهة مع اليمن، وقد تستطيع السعودية الحصول على ترتيبات عبور خاصة بها من دون معالجة العمليات اليمنية المرتبطة بإسناد فلسطين، وعندئذ يحمي التحالف جانباً من المصالح السعودية ولا يحل المعضلة الإسرائيلية.

كما يراقب الكيان موقع مصر وتركيا وباكستان داخل التحالف، فمشاركة هذه الدول توسع قدراته المحتملة، لكنها تمنحها دوراً أكبر في رسم أمن البحر الأحمر بعيداً عن الكيان، وتبقى القاهرة حذرة من أي ترتيبات تنتقص من دورها في قناة السويس والبحر الأحمر، بينما تحمل المشاركة التركية بعداً تنافسياً يتصل بالنفوذ في الممرات والموانئ والقرن الأفريقي.

اتفاق مكة للدفاع المشترك
قدمت الكتابات الإسرائيلية اتفاق مكة بين السعودية وتركيا وباكستان باعتباره -من وجهة نظر الكيان- تطوراً مركباً يحمل منفعة أمنية قصيرة المدى ومشكلة استراتيجية بعيدة المدى، فالمنفعة تتمثل في رفع قدرة السعودية على الدفاع ضد الصواريخ والطائرات المسيّرة، وحمل أعباء الأمن، وتقوية الردع في مواجهة إيران واليمن نيابة عن “إسرائيل”، أما استراتيجياً فيرى الإعلام الإسرائيلي احتمالية قيام “إطار أمني إسلامي” مستقل لا تكون “إسرائيل” جزءاً منه، ويمنح تركيا وباكستان دوراً أكبر في الخليج والبحر الأحمر، وهو -بالطبع- ما لن يحدث.

تكمن النقطة الحساسة في أن الاتفاق جاء خلال المواجهة السعودية اليمنية، ولذلك يصبح أول اختبار له مرتبطاً بصنعاء، فإذا اكتفت تركيا وباكستان بالدعم السياسي والتقني وتبادل المعلومات، فسيبقى الاتفاق مظلة ردع عامة، أما إرسال منظومات دفاع أو وحدات بحرية أو مستشارين وتحمّل مخاطر المواجهة، فيحوّله إلى عامل عسكري جديد.

كذلك يراقب الكيان الصهيوني الغياب الإماراتي عن الاتفاق، لأن أبوظبي شريك أمني للكيان، وطرف أساسي في احتلال جنوب اليمن والساحل الغربي- وإن تقلص النفوذ العسكري المباشر-، وقد يؤدي استبعادها إلى زيادة التنافس مع السعودية، وإضعاف القدرة على توحيد المرتزقة في الداخل، كما تستطيع “إسرائيل” الاستفادة من القلق الإماراتي تجاه اتساع الدور التركي، والحفاظ -عبر أبوظبي- على حضور غير مباشر في ترتيبات البحر الأحمر.

أما البعد الباكستاني فيمنح الاتفاق ثقلاً رمزياً بسبب امتلاك إسلام آباد السلاح النووي، لكن التقديرات الإسرائيلية “المسموح بنشرها” حذرت من تفسير ذلك بوصفه مظلة نووية سعودية، لأن نصوص الدفاع المشترك لا تثبت نقل التزامات نووية، وسيراقب الكيان أي تعاون في الدفاع الصاروخي، أو الإنذار المبكر، أو المنشآت الاستراتيجية، بوصفه المؤشر العملي الأهم.
العلاقة بين الاتفاق والتحالف البحري
لا يتعامل العدو الصهيوني مع اتفاق مكة والتحالف البحري بوصفهما إطاراً واحداً، فالتحالف مشروع وظيفي لحماية الملاحة السعودية -في الوقت الحالي- ومراقبة البحر الأحمر، بينما يؤسس الاتفاق التزاماً سياسياً وأمنياً أوسع بين ثلاث دول، لكن تزامنهما يمنح السعودية فرصة لربط الدفاع عن أراضيها بالدفاع عن خطوط الملاحة والطاقة.

يمكن لتركيا وباكستان المشاركة في التحالف البحري من دون الدخول في الحرب ضد اليمن مباشرة، من خلال السفن والمراقبة والتدريب والدعم الدفاعي، وهو الخيار الأقل كلفة والأقرب إلى مصالحهما. كما تستطيع الرياض تقديم هذه المشاركة بوصفها تطبيقاً أولياً لاتفاق مكة، من دون اختبار بند الدفاع المشترك في مواجهة مفتوحة. أما العدو الصهيوني فيريد أن ينتج الترابط بين الإطارين ضغطاً على صنعاء، لكن الكيان يخشى أن يتحولا إلى بديل عن التعاون معه، فقد تنجح السعودية في بناء منظومة دفاع إقليمية إسلامية، وتحصل على حماية الموانئ والمنشآت، وتحافظ في الوقت نفسه على مسافة سياسية من “إسرائيل”، وهذا المسار يضعف الرهان الإسرائيلي على أن التهديد اليمني والإيراني سيدفع الرياض حتماً نحو التطبيع.

تقدير الموقف
سيتعامل العدو الإسرائيلي مع التصعيد الحالي باعتباره اختباراً لوجهة القرار السعودي، وسيعطي الأولوية لمنع تحوله إلى تفاهم ثنائي يعزل “إسرائيل” عن الجبهة اليمنية، لكنها لن تطلب من الرياض حرباً شاملة في المدى القريب، لأن التحشيدات التابعة لها ما زالت مفككة، والتحالف البحري لم يتحول إلى قوة عملياتية، وتركيا وباكستان لم تثبتا استعداداً لتحمل كلفة المواجهة. ستعمل “تل أبيب” على إبقاء العمليات ضد التحشيدات التابعة للسعودية مرتبطةً -في الخطاب الدولي- بإيران وحرية الملاحة، حتى لا تبقى خلافاً سعودياً يمنياً يمكن تسويته منفرداً، وستدعم عبر الولايات المتحدة وبريطانيا توسيع الإنذار المبكر والمراقبة والدفاع عن المنشآت، مع تجنب الظهور داخل التحالف البحري.

لا تعد “إسرائيل” اتفاقَ مكة ضمانة لدخول تركيا وباكستان الحرب، وستقيسه بما ترسلانه من قوات ومنظومات وما تتحملانه من مخاطر، وفي الوقت نفسه ستتعامل بجدية مع أثره السياسي، لأنه يمنح السعودية بدائل أمنية قد تقلل -بشكل طفيف- اعتمادها على الولايات المتحدة و”إسرائيل”. فهي تتخوف من ان استمرار الضغط اليمني على ينبع وجيزان وسفن النفط السعودية سيقوي -داخل الرياض- خيار التفاهم المنفرد، وعندها ستظهر المعضلة الإسرائيلية بوضوح، فالسعودية تستطيع إنهاء تعرض مصالحها للخطر عبر تسوية تتعلق بالحصار والمرتبات والموانئ، بينما لا تستطيع “إسرائيل” ضمان وقف العمليات اليمنية المرتبطة بإسناد فلسطين في أي مواجهة مقبلة.

وبذلك ستقيس “إسرائيل” نتيجة التطورات بقدرتها على إبقاء السعودية داخل الجبهة الأمريكية، وتحويل التحالف البحري واتفاق مكة إلى أدوات ضغط على صنعاء، ومنع الفصل بين أمن مملكة الشر وأمن الكيان، وخصوصا “إيلات” على البحر الأحمر.

Comments are closed.