المنبر الاعلامي الحر

الإِســاءة إلى القـرآن حرب على الإسـلام

يمني برس || مقالات رأي:

منذ فجر البعثـة المُحمّـدية، حاول أعـداء القُـرآن الإِسـاءة على هذا الكتاب تارةً بوصفه شعراً، وتارةً باتهامه بالسحر، وتارة بمحاولة منعـهِ من الوصول إلى أسماع الناس العطشى للحق.

ومع تعاقب العصور واختلاف السياقات، استمرت تلك النزعات العدائيـة في اتخاذ أشكال وصور متعـددة، وصولاً إلى عصرنا الحاضر الذي نشهـد فيه بين الفينـة والأخرى محاولات يائسـة وبائسـة للاعتـداء على نسخ من المصحف الشريف.

إن هذه الإِساءات المتعمّـدة التي يقوم بها اليهود والغرب الكافر، لا تنطلق من فراغ، بل تعبّـر عن إفلاس قيمـي وعجـز فكري وحضاري عن مواجهـة الحجـة بالحجـة، والفِكرة بالفكـرة.

وعندما يعجز خصوم الإسـلام عن مقارعة قُوّة المنطق القرآني الذي يفكّك ادعاءاتهم ويفضح فسادهم وهشاشة منظوماتهم الفكرية، فإنهم يلجؤون إلى أساليب إجراميـة شيطانيـة لا تعدو كونها تعبيـراً عن هزيمة نفسيـة عميقـة تتوارى خلف ستار من شعارات حرية التعبيـر المزعومة والانفلات الأخلاقي القبيح.

إن العقليـة اليهودية الكافرة التي تعتقـد أن حرق بضع صفحات من الورق المطبوع يمكن أن يطفئ نور الإسلام أو ينال من قدسيـة القـرآن، هي عقليـة انهزاميـة ومغرقة في الجهل بطبيعـة هذا الدين المتيـن.

ومن هُنا، يجب أنّ ندرك تمام الإدراك أن تلك المحاولات، وإن كانت تستهدف استفـزاز مشاعرنا، إلا أنها في جوهرها تسجـل فشـلاً ذريعاً أمام حصانة هذا الكتاب وعصمتـه الإِلهيـة.

وبطبيعة الحـال، لا يمكن لأي مسلم سوي يمتلك ذرة من إيمـان أن يرى كتاب ربّه يتعرض للإسـاءة أو الامتهـان دون أن يشعـر بغِيرة شديدة وغضب عارم.

إن هذا الغضب هو دليـل على حيـاة القلوب وصدق الانتمـاء، وهو عاطفـة فطرية تعكس مدى التجذر العميـق للقرآن في نفوس أبناء الأُمّـة الإسلاميـة.

ولكن السؤال الجوهري الذي يطرح نفسه بقوّة في ظل هذه الإِساءات المتكررة هو: كيف يمكننا توجيه هذا الغضب ليتحول إلى رد عملي استراتيجـي ومؤثّـر؟

لأن الانفعال اللحظي والمظاهرات العابرة، وإن أوصلت رسالة الرفض والاحتجاج، إلا أنها سرعان ما تخبو بمرور الأيام لتنتظر استفزازاً جديداً.

نحنُ بحاجـة ماسـة إلى الارتقاء بمستوى ردود أفعالنـا لتكون بحجم التحدي، وبحجم عظمـة هذا الكتاب الذي ندافـع عنه ونديـن بالولاء له.

ويجب أن نتحوّل من طور الصراخ العاطفي إلى طور البنـاء المعرفي، ومن ردود الأفعال المؤقتـة إلى الأفعال المنهجيـة المستدامـة التي ترسخ مكانة القـرآن في واقعنا المعاش.

إنّ محاولات الإساءة لكتاب الله، مهما تنوّعت أشكالها واختلفت مصادرها، ستبقى كمـن ينفخ في الشمس ليطفئ نورها.

والردّ الأكمل والأجمل هو العودة الصادقة إلى رحاب القرآن، تلاوةً، وحفظاً، وفهماً، وتطبيقاً. فليكـن كل صدرٍ مؤمنٍ درعاً يحمي هذا الكتاب، ولتكن كل أسرة مسلمة مدرسـة تخرج أجيـالاً تعي أن المصحف المطبوع قد يُمزق، لكن القرآن المكتوب في القلوب هو النـور الخالد الذي لا ينطفئ أبداً.

هذه العودة الصادقة التي نتحدّث عنها لا تقف عند حدود ترتيـل الآيات بأصوات شجيـة، ولا تتوقف عند تخريج جحافل من الحفظة الذين يتقنون أحكام التجويـد ومخارج الحروف فحسب، بل تتجاوز ذلك كله لتصل إلى مرحلة القرآن العملي المتجسّـد.

إن أبلغ رد على من يسيء إلى هذا القرآن الكريم هو أن نجعل منهُ واقعاً يمشي على الأرض، وأن نترجـم آياته المُحكمات إلى سلوكيات ناصعة، ومعاملات راقيـة، وإنجازات حضارية مبهـرة.

عندما يرى العالم بأسره أن القرآن الكريم يبني إنساناً متسامحاً، عادلاً، نزيهاً، ومتقناً لعمله، فإن هذا المشهد الحضاري وحده كفيل بإسقاط كل دعاوى التشويه وتفنيـد كل الافتراءات التي تحاك في غرف الظلام.

ومن هنا تتعاظم مسؤوليـة الأُمّـة الإسلاميـة في عصرنا الحالي المليء بالمتغيرات أكثر من أي وقت مضى.

عندما تنشأ أجيال تشربت حب القرآن حتى امتزج بدمائها وعظامها وصار جزءاً من هويتها العميقـة، فإننا نكون قد بنينا سداً منيعاً لا يمكن اختراقه أمام كل تيارات التغريب ومحاولات المسخ الثقافي.

إن الشاب الذي يحمل القرآن في قلبه يمتلك حصانة ذاتية ورؤية نقدية تجعله قادراً على فرز الأفكار الدخيلة، والتصدي للشبهات المسمومة والحروب الناعمة، والوقوف بثبات واعتزاز أمام أي محاولة خبيثة للنيل من عقيدته وثوابته.

علاوة على ذلك، فإن العودة الحقيقيـة إلى رحاب القرآن تتطلب تضافر جهود المؤسسات التعليمية والثقافية لتبني مناهج حيوية تركز على تدبر معاني القرآن ومقاصده الكبرى.

يجب أن ننتقل من ثقافة التلقيـن الآلي إلى ثقافة التفكر والاستنباط والتحليل، لكي يدرك المسلم المعاصر كيف يمكن للقرآن أن يقدم حلولاً ناجعة وواقعية لمشكلات العصر المتشابكة، وكيف يضع القواعد الرصينة لبناء مجتمعات مزدهرة وقوية سياسياً واقتصادياً واجتماعياً.

إن القرآن الكريم يحمل في طياته أسرار النهضة والتقدم، وكلما اقتربت الأمّـة من هذا النبع الصافي واغترفت منه، زادت قوتها وتماسكت صفوفها، وأصبحت أقدر على مواجهة أعدائها

وإنّ الأمة التي تقرأ، وتتفكـر، وتعمل بما في كتابها، هي أُمّـة عصيّـة على الكسر والاستعباد، ولا يمكن لأي حملة إعلاميـة موجّهـة أو استفزاز مادي رخيص أن يزعزع يقينها أو يعرقل مسيرتها الصاعدة نحو استعادة الريادة وصناعة الحضارة.

ويجب أن نستقرئ التاريخ البشري جيـداً لنستلهم منه العبـر والدروس الساطعة. كم من إمبراطورية عاتية وحضارة مادية متغطرسة حاولت بكل ما أوتيت من قُـوّة وبطش استئصال شأفة هذا الدين ومحو كتابه الخاتم، فطواها النسيـان واندثرت قلاعها وأصبحت أثراً بعد عين، وبقي القرآن العظيم شامخاً يتلى في آناء الليل وأطراف النهار في كل قارات المعمورة!

إن هذا الكتاب ليس نصاً بشرياً يمكن أن يتجاوزه الزمن، بل هو كلمة الله الخالدة التي لا يزيدها تقادم الأيام إلا جِـدة وبريقاً وإشعاعاً.

فلنمضِ في طريقنا بثبات واطمئنـان كاملين بوعد الله، ولنجعل من استفزازات اليهود الحاقدين والمتربصين وقوداً يذكي فينا جذوة العمل الجاد والعودة الشاملة إلى كتاب ربنا.

لنملأ صدورنا بحفظه، وعقولنا بفهمـه وتدبره، وحياتنا بتطبيق أحكامه، وليكن شعارنا الدائم والمستمر أن كلام الله أعلى وأجل وأعظم من أن تنال منه أيادٍ عابثة أو عقول مريضة.

إن القرآن سيبقى، بعون الله وحفظه، المنارة الشامخة التي تهتدي بها الإنسانيـة الحائرة في دياجير التيـه، والسفينـة المتينة التي تنجـو بها الأرواح من أمواج الفتـن المتلاطمة، والملاذ الآمـن الذي نأوي إليه كلما ادلهمّت الخطوب واشتـدت العواصف، مصداقاً للوعد الإلهي الذي لا يتخلف، ونوراً باقياً يشرق بالحق والعدل والرحمـة ما بقيت السماوات والأرض.

 

 

 

بقلم/ لقمـان عبدالغني الأحمـدي*

Comments are closed.