شهادة على القهر والوصاية: لماذا أناهض النظام السعودي؟
يمني برس | بقلم : أيمن محفوظ المنصوري
يسألني البعض باستغراب عن سر بغضي ومناهضتي للنظام السعودي، وكأن هذا الموقف يحتاج إلى برهان، بينما تقف خلفه تجربة شخصية دامية ومعاناة وطنية مريرة، تختصر صورة الهيمنة والوصاية التي فرضت على اليمن لسنوات طويلة.
يبدأ هذا الموقف ولا ينتهي عند محطة اغتيال شقيقي الأكبر الشهيد نجيب محفوظ المنصوري، عقب تأسيسه للمجلس العسكري وإلقائه كلمته الشهيرة في صالة 22 مايو بالعاصمة صنعاء، حينها، سارعت السفارة السعودية بإرسال أحد صحفييها ليعرض عليه راتبًا شهريًا في محاولةٍ مفضوحة لشراء الذمم؛ فكان رده حاسمًا ومبدئيًّا: “لولا أنك في بيتي ضيف لكان تصرفي معك آخر”، ليغادر الصحفي منصاعًا.
ولم تتأخر بعد ذلك المحاولات الغادرة، حيث تم تدبير محاولتين فاشلتين لتصفيته جسديًّا، قبل أن تنفذ الجريمة الأخيرة عبر حادثة انفجار الإطارات بعد تعبئتها بالغاز، في أسلوب يماثل كثيرًا عملية اغتيال الشهيد المتوكل، وإن كانت هذه الجريمة وحدها كافية لترسيخ بغضي وكراهيتي للنظام السعودي، إلا أن تجربتي المباشرة معه أضافت مرارةً وقهرًا ذرفت له العينان.
تعود تفاصيل تلك التجربة إلى ما بعد تخرجي من كلية الشرطة وعملي كضابط بحث بمركز شرطة الوحدة في منطقة سعوان بأمن أمانة العاصمة؛ إذ أُبلغت ذات يوم من غرفة العمليات بوجود شخص يدعى “عرفات” قام باختطاف فتاة سعودية تدعى “هدى”.
وبعد ضبطهما ومباشرة التحقيق، اتضح أن القضية هي زواج تم دون موافقة أهل الفتاة، لتحولها الظروف إلى قضية رأي عام، لكن التحول الحقيقي بدأ عندما ورد اتصال من العمليات يفيد بقدوم مسؤول أمني من السفارة السعودية لاستلامهما مني، وما إن علم الزوجان بذلك حتى دخلا في حالة رعب وبكاء شديدين، مترجين عدم تسليمهما للسفارة خوفًا من أن يكون مصيرهما القتل، وهو ما وضعني أمام مسؤولية إنسانية قبل أن تكون ضبطية أمنية.
وبمشورة من مدير القسم بتفريغ القضية وتحويلهما إلى النيابة العامة لإبعادهما عن أيدي السفارة قبل اكتمال التحقيق، وصل الضابط السعودي متسائلاً بلغة استعلاء عن مكانهما؛ فكان ردي بأنهما أحيلوا إلى النيابة العامة.
جن جنون الضابط السعودي متسائلاً عن أوامر التسليم، وموجهًا لي خطابه بأسلوب الفوقية: “أنت آخر مرة ترتدي هذه البدلة العسكرية!”، في تلك اللحظة، وأنا جالس في مكتبي وبين جنودي، خاطبني كأجير؛ فقلت في نفسي: إذا كان هذا تعامله معي داخل مؤسستي الأمنية، فكيف يتصرف مع المغترب اليمني البسيط في السعودية؟
دفعتني هذه الإهانة، بما يحمله كل يمني قبلي يفضل الموت على التفريط بكرامته، إلى الرد بقوة، معلنًا إتباعي لوزارة الداخلية اليمنية لا للسفارة السعودية، وأن القانون يحتم إحالة القضية للنيابة، فضلاً عن أن المواطن “عرفات” يمني ولا يحق لأيّ جهة أجنبية استلامه، وعندما خرج الضابط السعودي عن أدب الحديث وحسن السلوك، حذرته بصرامة بأنه سيخرج على نقالة إن لم يلتزم الأدب، فناديت أحد الجنود ليغادر الموقع غاضبًا.
سرعان ما اشتعلت الاتصالات القيادية؛ اتصل “رشاد العليمي” بوزير الداخلية آنذاك، ومنه بمدير الأمن، ومدير الأمن بمدير المنطقة، ومدير المنطقة بمدير القسم يبلغني ضاحكًا باستدعائي للتحقيق، وعند وصولي إلى إدارة الأمن، سألني مدير الأمن عن سبب عدم تنفيذ أوامر التسليم؛ فأوضحت له أن الشاب يمني وهما زوجان وترجانا خوفًا من ترحيلهما قسرًا دون رقيب.
وهُنـا أذكر ببالغ الإجلال موقف نائب مدير الأمن آنذاك اللواء “عبد العزيز القدسي”، الذي وجه لي التحية العسكرية وقال: “يا ولدي، هذه السفارة السعودية، وسنوقفك بالحجز حفاظًا عليك وسنقول إننا فصلناك خوفًا من أن يصيبوك بأذى”، دخلت حجز التوقيف مكسورًا ومقهورًا تسكنني حسرة تساءلت معها: هل هذا جزاء من يؤدي واجبه بحرفية وكرامة؟
كان ذلك اليوم هو آخر عهدي بالعمل في أقسام الشرطة، وأخر يوم أرتدي فيه البزة العسكرية بقرار سعودي، لأجلس بعدها في البيت مدركًا حجم الوصاية التي وصلت إلى حد تعيين مدراء العموم وسلب سيادة الوطن، وما إن اندلعت الانتفاضة الشعبية حتى شاركت فيها حاملاً هدفًا واحدًا وواضحًا على كتفي هو “استعادة السيادة الوطنية”، بعيدًا عن أيّ انتماء حزبي أو أيديولوجي، وإنّما كضابط يمني مكسور يرغب في رد الاعتبار لنفسه ولوطنه السليب من قادة خانوا قسمهم العسكري وتلوثوا بالمال الحرام وأهانوا كرامة بلدهم.
اليوم وبعد التحولات الكبرى التي تصنعها قواتنا المسلحة، أدرك تمامًا أن ساعة تحرير البلاد من الوصاية الخارجية تقترب؛ فالوطن يتسع للجميع، والحلول اليمنية متوفرة على الطاولة دون حاجة لراعي خارجي كالسعودي، لأن تلك الوصاية القذرة والقادة المروضون كانوا السبب الأساسي في مهانة المواطن اليمني في الداخل والخارج وتسليمه على طبق من ذهب لتنتهك إنسانيته وكرامته وتصادر حريته.
ومن هُنـا، يعلم الجميع أن صراعي ومهاجمتي للنظام السعودي ستستمر بكل الإمكانيات المتاحة حتى زوال هذه الهيمنة أو الهلاك دونها، وسأورث هذه القناعة لأولادي، مؤمنًا بمقولة، “بأن اليمن لن ترى النور وجارتها الجائرة تتربص بها”، فقصتي معها ثأر معلن، ومواجهة مفتوحة مع كل من عبث بسيادة هذا الوطن أو أكلي السحت من أذنابها.
* ضابط شرطة سابق
Comments are closed.