هرمز يتحول لجحيم.. والطاقة العالمية تدخل نفق المخاطر وإيران ترفض الابتزاز الأمريكي .. تفاصيل دقيقة
يمني برس || تقرير _ خاص:
لم تعد تداعيات التوترات المتصاعدة في منطقة الخليج والبحر الأحمر محصورة في الحسابات السياسية والعسكرية، بل بدأت تضرب في قلب الاقتصاد العالمي: النفط، والملاحة، والتأمين، وسلاسل الإمداد وأسعار الشحن..
وفيما تتزايد المخاطر حول مضيقي هرمز وباب المندب، تواجه الأسواق ضغوطاً متزامنة تدفع كلفة نقل الطاقة والسلع إلى مستويات غير مسبوقة، بينما تجد شركات النفط نفسها أمام خيارات أكثر تعقيداً للوصول إلى المستهلكين.
وفي قلب هذه المعادلة، تؤكد طهران أنها لا تقبل التفاوض تحت ضغط المهل الزمنية أو العقوبات، فيما تتحدث تقارير دولية عن اضطراب في حركة شحن النفط السعودي عبر باب المندب والبحر الأحمر، وارتفاع حاد في تكاليف النقل البحري، بما ينذر بتحول الممرات الاستراتيجية إلى عامل ضغط مباشر على أسعار الطاقة والتجارة العالمية.
هرمز.. عقدة الطاقة التي تزداد تعقيداً
المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي أكد أن التفاوض بشأن مضيق هرمز شائك ومعقد، مشيراً إلى أن الحديث عن سيادة دولتين عليه، إيران وسلطنة عُمان، يحتاج إلى نقاش طويل.
وفي رسالة واضحة بشأن المفاوضات مع واشنطن، قال بقائي إن مذكرة التفاهم لا تتضمن ما يحدد مهلة الـ60 يوماً، مؤكداً أن إيران لا تقبل أن توضع تحت ضغط الوقت، وأنها تتحرك وفق مصالحها الوطنية.
وأضاف أن الولايات المتحدة لم تلتزم بتعهداتها، ولذلك لا ترى طهران موضوعية في الحديث عن مهلة زمنية، مؤكداً أن القوات المسلحة الإيرانية «يدها على الزناد».
وتكتسب هذه التصريحات وزناً اقتصادياً كبيراً نظراً للموقع الحيوي لمضيق هرمز في حركة تجارة الطاقة العالمية، ما يجعل أي اضطراب في محيطه قابلاً للانعكاس سريعاً على تكاليف الشحن والتأمين وأسعار النفط.
طهران: العقوبات لا تغيّر المعادلة الاقتصادية:
في مواجهة التهديدات الأمريكية بعقوبات جديدة، قلل بقائي من تأثيرها، مؤكداً أن واشنطن اتبعت هذا المسار مراراً دون أن تحقق أهدافها.
وفي السياق ذاته، نفى المتحدث باسم حرس الثورة الإسلامية العميد حسين محبي وجود محادثات بين مسؤولي الحرس وواشنطن، واعتبر التصريحات الأمريكية حول مفاوضات سرية مجرد مزاعم.
وحمل محبي التصريحات الأمريكية بعداً اقتصادياً مباشراً، قائلاً إن الحديث عن المفاوضات يهدف، وفق تقديره، إلى **السيطرة مؤقتاً على أسعار النفط والطاقة**، مؤكداً أن إيران تتحرك بحرية في الميدان وأن السبيل أمام الولايات المتحدة هو تنفيذ شروط طهران.
باب المندب يضغط على النفط السعودي:
وفي الجانب الآخر من المعادلة، تظهر تداعيات مباشرة على حركة النفط السعودي.
فبحسب بيانات شركة كبلر لتتبع السفن لم تُرصد أي شحنات نفطية سعودية عبر مضيق باب المندب مطلع الأسبوع، بينما نقلت بلومبرغ عن مصادر في قطاع التكرير الآسيوي أن مصافي في آسيا عارضت طلب أرامكو استقبال شحنات النفط من ميناء ينبع على البحر الأحمر، بسبب صعوبة العثور على سفن مستعدة للإبحار في ظل المخاطر القائمة.
وتشير هذه التطورات إلى أن المشكلة لا تتعلق فقط بتوافر النفط، وإنما تمتد إلى قدرة الشركات على نقله بتكلفة ومخاطر مقبولة وهو عامل قد يغير خريطة تدفقات الخام بين المنتجين والمستهلكين.
أرامكو تبحث عن طريق أطول.. والفاتورة ترتفع:
وبحسب ما أوردته بلومبرغ، طلبت مصفاتان آسيويتان على الأقل من أرامكو السماح لهما باستلام شحنات سبتمبر من ميناء سيدي كرير على البحر المتوسط بدلاً من ميناء ينبع.
وقد يعني اللجوء إلى مسارات بديلة حول أفريقيا زيادة المسافة والزمن والتكلفة، وهو ما يضع النفط السعودي أمام معادلة أكثر تعقيداً: **إما تحمل مخاطر الممرات البحرية، أو تحمل كلفة المسارات الأطول**.
كما أشارت المعلومات الواردة إلى احتمال تخلي إحدى المصافي عن مخصصاتها الشهرية من الخام بسبب ارتفاع تكلفة شحن النفط حول أفريقيا إلى آسيا، بما يعكس انتقال الأزمة من مستوى المخاطر الأمنية إلى مستوى القرار التجاري والاقتصادي.
أسعار الشحن.. صدمة تضرب العالم:
ولم يعد الارتفاع في تكاليف النقل مقتصراً على البحر الأحمر أو الخليج.
فبحسب ما نقلته صحيفة «فاينانشال تايمز»، ارتفعت أسعار الشحن عبر قناة بنما ونهر الراين والبحر الأحمر والبحر الأسود إلى مستويات قياسية خلال الشهر الماضي، في ظل تأثير مزدوج للصراعات وفترات الجفاف الطويلة في أوروبا وأمريكا اللاتينية.
ووصف الرئيس التنفيذي لشركة الشحن البلجيكية «سي إم بي تك» الوضع بأنه طفرة غير مسبوقة في أسعار الشحن، محذراً من أن المصانع قد تجد نفسها أمام خيارين صعبين: الإغلاق أو تأمين السلع من مناطق أكثر تكلفة في العالم.
كما نقلت الصحيفة عن «أرغوس ميديا» أن أسعار شحن الناقلات من البحر الأسود إلى المتوسط بلغت أعلى مستوياتها على الإطلاق هذا الأسبوع منذ عام 2005.
وهكذا تتحول تكلفة الاضطرابات البحرية إلى فاتورة اقتصادية تنتقل من الناقلات إلى المستوردين والمصانع، ثم إلى الأسواق والمستهلكين.
هرمز يعود إلى الواجهة.. وإصابة سفينة ترفع مستوى القلق:
وفي تطور ميداني يزيد من حساسية المشهد، أعلنت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية إصابة سفينة بمقذوف مجهول أثناء مغادرتها مضيق هرمز، ما أدى إلى إصابة أحد أفراد الطاقم وتضرر محرك السفينة.
كما أفاد التلفزيون الإيراني باحتجاز ناقلة نفط مخالفة للقوانين في مضيق هرمز.
وتأتي هذه التطورات في وقت أصبحت فيه شركات الملاحة أكثر حساسية تجاه المخاطر الأمنية، الأمر الذي يمكن أن ينعكس على **أقساط التأمين، وأسعار النقل، وقرارات الشركات بشأن اختيار المسارات البحرية**.
أمن الغذاء الإيراني.. نقطة قوة في مواجهة الضغوط**
وفي مقابل الضغوط الخارجية، تؤكد طهران أن قطاعها الغذائي يمتلك هامشاً مرتفعاً من الاستقلال.
وقال وزير الزراعة الإيراني غلام رضا نوري قزلجة إن الأمن الغذائي في بلاده لم يتعرض لخلل خلال الحرب المفروضة على إيران، مشيراً إلى أن أكثر من 85% من الأمن الغذائي الإيراني يعتمد على الإنتاج المحلي.
وأكد أن تعدد طرق الوصول واستمرار سلاسل إمداد الغذاء، رغم القيود المفروضة على الموانئ الإيرانية، ساعد في الحفاظ على انتظام الإمدادات.
ومن منظور اقتصادي، يمثل هذا العامل أهمية كبيرة في قدرة أي دولة على امتصاص الضغوط والعقوبات؛ فكلما ارتفعت نسبة الإنتاج المحلي للغذاء، انخفضت حساسية السوق تجاه اضطرابات التجارة الخارجية.
المعادلة الجديدة: الأمن البحري يتحول إلى متغير اقتصادي:
المشهد الراهن يكشف بوضوح أن أمن الممرات البحرية لم يعد ملفاً عسكرياً منفصلاً عن الاقتصاد، بل أصبح **متغيراً مباشراً في أسعار الطاقة والتأمين والنقل والتجارة الدولية**.
فمضيق هرمز يمثل محوراً حساساً للطاقة، وباب المندب يمثل شرياناً رئيسياً لحركة التجارة بين آسيا وأوروبا، وأي اضطراب طويل الأمد في أحدهما يمكن أن يدفع الشركات إلى إعادة رسم مساراتها، مع ما يترتب على ذلك من زيادة في المسافات والتكاليف ومخاطر التأمين.
وفي المقابل، فإن اضطراب تدفقات النفط السعودي عبر البحر الأحمر، إذا استمر، قد يفرض على أرامكو ومشتري الخام الآسيويين البحث عن ترتيبات نقل بديلة، بما يرفع كلفة الوصول إلى الأسواق ويضغط على هوامش المصافي والمشترين.
الخلاصة: المعركة تنتقل من الميدان إلى فاتورة الاقتصاد:
ما تكشفه التطورات المتلاحقة هو أن المنطقة والعالم تقفان أمام معادلة اقتصادية شديدة الحساسية.
فالتوتر الأمني يرفع مخاطر الملاحة، والمخاطر ترفع كلفة التأمين، وارتفاع التأمين والنقل يرفع تكلفة الطاقة والسلع، فيما تدفع اضطرابات المسارات البحرية الشركات إلى البحث عن طرق أطول وأكثر كلفة.
وفي الوقت الذي ترفض فيه إيران، الخضوع لضغوط المهل والعقوبات، تواجه أسواق النفط والشحن اختباراً متزايداً مع تصاعد المخاطر حول هرمز والبحر الأحمر.
وهكذا لم يعد السؤال الاقتصادي يدور فقط حول: من يملك النفط؟ بل أصبح: من يستطيع نقله، وبأي طريق، وبأي تكلفة، وتحت أي مستوى من المخاطر؟ وهي معادلة كفيلة بأن تجعل الممرات البحرية الاستراتيجية واحدة من أخطر مفاتيح الاقتصاد العالمي في المرحلة المقبلة.
Comments are closed.