المنبر الاعلامي الحر

السعودية بلا منفذ والحصار يكتمل: من استهداف الناقلات إلى شلّ القدرة على التصدير

السعودية بلا منفذ والحصار يكتمل: من استهداف الناقلات إلى شلّ القدرة على التصدير

يمني برس | تقارير
تواجه مملكة السعودية اليوم مشكلة لوجستية متجددة تهدد منظومتها التصديرية بأكملها،

فالتهديد الذي يطال الملاحة في البحر الأحمر يعيد إرباك حسابات تصدير النفط السعودي بطريقة لم تكن متوقعة في هذا التوقيت الحساس، فالمشكلة ليست في فقدان السعودية القدرة على إنتاج النفط فآبارها ما تزال تتدفق بالخام، وإنما تكمن في أن إيصال هذا النفط إلى الأسواق الآسيوية والعالمية أصبح أكثر تعقيدًا وكلفة ومخاطرة جراء الحظر اليمني.

هذه النقطة بالغة الأهمية؛ فالسعودية خلال الحرب في مضيق هرمز وجدت في البحر الأحمر وباب المندب منفذًا بديلًا استراتيجيًا لإخراج جزء كبير من نفطها بعيدًا عن الاختناق المحتمل في الخليج، لكن عندما أصبح باب المندب نفسه معرضًا للتهديد المباشر فإن ميزة المسار البديل تتآكل بسرعة مقلقة، ما يضع الرياض أمام معضلة استراتيجية غير مسبوقة منذ عقود.
الأهمية الاستراتيجية لمضيق باب المندب

تمتلك السعودية موانئ نفطية ضخمة على ساحل البحر الأحمر، وفي مقدمتها ميناء ينبع الصناعي الذي يمثل شريانًا حيويًا في منظومة التصدير السعودية. هذا الميناء يسمح للسعودية بنقل النفط من مناطق الإنتاج الرئيسية في شرق المملكة عبر شبكة خطوط أنابيب تمتد عبر الصحراء إلى الساحل الغربي، ثم تحميله على الناقلات العملاقة والتوجه به عبر البحر الأحمر باتجاه الأسواق العالمية. بهذه المنظومة المتكاملة، استطاعت الرياض لسنوات طويلة تجاوز جزء كبير من المخاطر المرتبطة بمضيق هرمز، الذي يظل نقطة الاختناق الأخطر لصادرات النفط الخليجية، لكن هذه المعادلة اللوجستية كانت تعتمد على شرط أساسي واحد يتمثل في بقاء مضيق باب المندب مفتوحًا وآمنًا أمام الناقلات السعودية، وهذا الشرط بالذات هو ما يضربه التهديد اليمني الآن من أساسه.
التحول من التهديد النظري إلى الواقع العملي

التهديد اليمني للملاحة السعودية لم يعد مجرد احتمال نظري أو ورقة ضغط سياسية، ففي 20 يوليو 2026 أعلنت القوات المسلحة اليمنية رسميًا فرض حظر بحري شامل على جميع السفن المرتبطة بالسعودية، في خطوة غير مسبوقة من حيث الوضوح والحسم، وما زاد الأمر خطورة أن هذا الإعلان تبعته حوادث استهداف فعلية لناقلات نفط سعودية في البحر الأحمر وخليج عدن والبحر العربي وصولاً إلى ميناء ينبع وتهديد السفن السعودية شمال البحر الأحمر. وقد وثقت مصادر مستقلة أن ناقلات سعودية بدأت بالفعل في تغيير مساراتها الملاحية بعد الإعلان مباشرة، وبذلك انتقلت المسألة من السؤال “هل تستطيع السعودية استخدام البحر الأحمر؟” إلى السؤال العملي الأكثر إلحاحًا “كيف تستطيع السعودية استخدام البحر الأحمر دون تعريض ناقلاتها للخطر المباشر؟” وهذا التحول اللوجستي والاستراتيجي هو جوهر الأزمة الحالية.
البيانات العملية: ناقلات تغير مسارها

من أبرز المؤشرات العملية التي ظهرت خلال الأسابيع الماضية أن ناقلات سعودية غيرت مسارها بدلًا من عبور باب المندب، وفي إحدى الحالات التي رصدتها بيانات تتبع السفن بدقة غيّرت العشرات من ناقلات النفط العملاقة مسارها من خليج عدن باتجاه جنوب أفريقيا بدلًا من دخول البحر الأحمر، وهذه الناقلات تنتمي إلى فئة VLCC، وهي ناقلات النفط الخام العملاقة التي تستطيع الناقلة الواحدة منها حمل قرابة مليوني برميل من النفط، وبالتالي، فإن تغيير مسار عدد محدود من هذه الناقلات يضيف كمية ضخمة من النفط إلى الرحلات البحرية البديلة، ما يضاعف الأثر اللوجستي على منظومة التصدير السعودية.

وعندما تتجنب الناقلة عبور باب المندب، فإن أحد الخيارات الرئيسية المتاحة هو الإبحار شمالاً ثم الالتفاف جنوبًا حول رأس الرجاء الصالح في جنوب أفريقيا، وهو المسار الذي يضيف آلاف الأميال البحرية إلى الرحلة. والتقديرات المنشورة بشأن الناقلات السعودية التي غيرت مسارها أشارت إلى أن الرحلة يمكن أن تضيف نحو 25 يومًا كاملًا مقارنة بالمسار المعتاد عبر باب المندب وقناة السويس.

هذه الأيام الإضافية تترجم إلى سلسلة من التكاليف المتراكمة: استهلاك وقود إضافي هائل، أيام إضافية في البحر تعني أجور طاقم أعلى، ارتفاع تكاليف التشغيل والصيانة، زيادة كبيرة في تكلفة التأمين البحري، تأخر وصول الشحنات إلى الأسواق الآسيوية، الحاجة إلى عدد أكبر من السفن للحفاظ على التدفق النفطي نفسه.

وبعبارة أخرى، النفط نفسه لم يختفِ من السوق، لكن كلفة إخراجه ارتفعت بشكل ملحوظ، وهذا الفارق في التكلفة يتحول تدريجيًا إلى ضغط على هوامش الربح وعلى تنافسية النفط السعودي في الأسواق الحساسة للأسعار، وفوق هذا فمخاطر الحظر اليمني على الملاحة السعودية لا تقف عند هذا الحد، فخلال الأيام القليلة امتد التصعيد إلى استهداف السفن السعودية شمال البحر الأحمر، ما يعني تهديد الملاحة عبر قناة السويس، والأخطر من هذا الوضع كله، أن هذا السيناريو لا يزال في بدايته، فالقوات المسلحة اليمنية -إذا لم يستجب العدو السعودي- ستتجه إلى استهداف مصافي النفط ذاتها، وعندها ستجد الرياض نفسها خارج قائمة الدول المصدرة للنفط.
العودة إلى قناة السويس خيار محدود

هناك مسار آخر تعتقد الرياض أنه سيبعدها عن الخطر اليمني يتمثل في التوجه شمالًا عبر البحر الأحمر ثم قناة السويس، واستخدام خط “سوميد” لنقل النفط عبر الأراضي المصرية وإعادة تحميله في البحر المتوسط وهذا المسار ليس حلًا للمشكلة السعودية، فمن جهة فالقوات المسلحة باتت تمتلك صواريخ قادرة على استهداف السفن السعودية شمال البحر الأحمر، وقد تم استهداف السفينة “وفاء” قبالة ينبع في 5 أغسطس والسفينة “أمزان” في الـ24 أغسطس في ميناء ينبع، وقد اعترفت المملكة باندلاع حريق في سطح السفينة. ومن جهة أخرى فالذي يتهدد خط “سوميد” يتمثل في أن الطريق أطول وأكثر تعقيدًا، كما أن استخدام قناة السويس وخطوط الأنابيب يفرض قيودًا لوجستية وتقنية تختلف باختلاف حجم الناقلة ونوع الحمولة. كما أن الناقلات العملاقة من فئة VLCC غالبًا ما تكون أكبر من أن تعبر قناة السويس محملة بالكامل، ما يستلزم عمليات تفريغ جزئي وإعادة تحميل ترفع التكلفة وتطيل المدة، وهذا ما يجعل الخيارات السعودية أقل مرونة مما تبدو عليه نظريًا.
معضلة المخارج المتعددة

المشكلة الأكبر تكمن في أن السعودية تحتاج إلى أكثر من مخرج بحري لضمان استمرارية صادراتها، فالسعودية ليست مجرد دولة منتجة للنفط؛ إنها من أكبر مصدري الخام في العالم، بحصة سوقية تتطلب مرونة لوجستية قصوى، فعندما أصبح مضيق هرمز مغلقاً وفي الوقت نفسه أصبح باب المندب مغلقاً أمام سفنها أصبحت المملكة أمام تضييق شديد على خيارات تصدير النفط، وهذا تحديدًا هو السيناريو الذي حذرت منه تحليلات السوق الدولية التي أكدت أكثر من مرة أن تعطل المضيقين معًا سيخلق ضغطًا كبيرًا على منظومة الطاقة العالمية بأكملها.

الآثار لا تتعلق بالسعودية وحدها، فآسيا هي المركز الأساسي للطلب العالمي على النفط، والصين والهند وكوريا الجنوبية واليابان تمثل أهم المستوردين للخام السعودي، وقد أشارت تحليلات حديثة إلى أن ما يقارب 3.5 ملايين برميل يوميًا من النفط يمكن أن يتأثر مساره عبر هذه المنطقة عندما تصبح طرق البحر الأحمر ومضيق هرمز معرضة للاضطراب، لذلك فإن أي اضطراب في باب المندب لا يعني فقط تأخير ناقلات سعودية، بل يمكن أن يتحول إلى مشكلة في إعادة توزيع الناقلات عالميًا، مع ما يترتب على ذلك من اختناقات في سلاسل الإمداد وارتفاع في أسعار الشحن البحري على مستوى العالم.
التأثير في سوق الناقلات العالمية وارتفاع تكاليف التأمين

هناك نتيجة أخرى شديدة الأهمية، فعندما تصبح الرحلة أطول، فإن الناقلة نفسها تبقى في البحر فترة أطول. مثلًا، إذا أصبحت رحلة كانت تحتاج إلى 20 يومًا تحتاج إلى 45 يومًا، فإن الناقلة لا تستطيع العودة بسرعة لتحميل شحنة جديدة، وهذا يؤدي إلى زيادة الطلب الفعلي على الناقلات دون زيادة حقيقية في حجم النفط المنقول، وهذه النقطة ترفع عادةً تكاليف الشحن على المستوى العالمي. أي أن الأزمة يمكن أن تضرب السعودية من جهتين: الأولى ارتفاع تكلفة نقل النفط السعودي نفسه، والثانية ارتفاع أسعار خدمات الناقلات عالميًا، ما يرفع كلفة الاستيراد على جميع الدول المستهلكة.

المخاطر الأمنية تؤثر أيضًا على شركات التأمين البحري، وقد ظهرت بالفعل مؤشرات على ارتفاع تكلفة التأمين بالنسبة للسفن التي تمر في جنوب البحر الأحمر. فبعد استهداف ناقلات سعودية في يوليو، أفادت تقارير بأن تكاليف التأمين على المرور في جنوب البحر الأحمر تضاعفت لبعض الشركات، وهذا مهم لأن تكلفة الشحن النهائية لا تتكون من أجور الناقلة وحدها، بل تشمل معادلة معقدة من العوامل تتمثل في ” الوقود، أجور السفينة، التأمين، مخاطر الحرب، رسوم الموانئ والقنوات، مدة الرحلة الإجمالية”، وكل هذه العوامل مجتمعة تجعل من عبور البحر الأحمر قرارًا اقتصاديًا صعبًا حتى قبل النظر إلى المخاطر الأمنية المباشرة.

شركات النقل البحري لا تتعامل مع المسألة من منظور سياسي، وإنما وفق حسابات صارمة للمخاطر والتكلفة، وإذا كان عبور باب المندب يعني احتمال تعرض السفينة لهجوم مباشر، فإن الشركة أمام خيارين صعبين: إما المخاطرة والعبور مع تحمل تكاليف تأمين إضافية ومخاطر أمنية، أو تغيير المسار وتحمل تكلفة إضافية كبيرة من الوقود والوقت.

والضربة الاستراتيجية الأهم تكمن في ضرب الطريق البديل، فالسعودية بنت جزءًا كبيرًا من قدرتها على تجاوز أزمات الخليج على أساس وجود بديل بحري عبر البحر الأحمر، لكن إذا أصبح هذا الطريق نفسه معرضًا للاستهداف، فإن ميزة الموقع الجغرافي السعودي تتحول جزئيًا إلى نقطة ضعف، فالمملكة تنتج النفط في الشرق بينما تحتاج في ظروف معينة إلى إخراجه عبر الغرب، وبالتالي، فإن التأثير لا يقع فقط على الناقلة في البحر، وإنما على السلسلة اللوجستية بأكملها من حقول الإنتاج في الشرق، مروراً بخطوط الأنابيب إلى موانئ الغرب، ثم عبر البحر الأحمر إلى الأسواق العالمية، وتعطيل أي حلقة من هذه السلسلة يؤثر على كامل المنظومة.
تقاطع أزمتين: هرمز وباب المندب

أزمة البحر الأحمر جاءت في بيئة إقليمية مضطربة أصلًا بسبب اضطراب الملاحة في مضيق هرمز جراء العدوان الأمريكي على إيران، وهنا تتقاطع أزمتان استراتيجيتان، فهرمز الذي يعتبر نقطة خروج النفط من الخليج، وباب المندب الذي يعتبر الطريق البديل الذي تستخدمه السعودية للوصول إلى المحيط الهندي والأسواق الآسيوية. وإذا أصبح كلا المسارين عالي المخاطر، فإن هامش المناورة السعودية ينخفض بصورة كبيرة، بالتالي، فإن الأزمة التي وقعت فيها السعودية كبيرة جداً، وكلفتها عالية. ومن هنا يمكن استنتاج مدى الذكاء اليمني في اختيار التوقيت للاقتصاص من السعودية والثأر لـ12 عاماً من العدوان دمرت خلالها السعودية كل مقومات الحياة في اليمن، وقد آن للمملكة أن تذوق من نفس الكأس.

وفي المرحلة الأولى، التأثير هو ارتفاع تكاليف النقل، ثم اضطراب مواعيد التسليم، ثم زيادة علاوة المخاطر، وأخيرًا ضغط على أسعار الشحن والنفط. أما إذا تطور الأمر إلى توقف فعلي واسع لصادرات النفط عبر البحر الأحمر، فإن التأثير يصبح أكبر بكثير، ولهذا حذرت تحليلات السوق من إمكانية تجاوز النفط 100 دولار للبرميل في حالة اتساع اضطرابات طرق الطاقة، بل وطرحت بعضُ السيناريوهات مستوياتٍ أعلى بكثير، خاصة مع اجتماع الاضطرابات في هرمز وباب المندب في توقيت واحد، ووفق تقرير بلومبرغ الأخير فإن الأسواق بدأت بالفعل في تسعير هذه المخاطر.
إنجازات القوات المسلحة

وعند العودة إلى البيانات الرسمية الصادرة عن القوات المسلحة اليمنية، فإن العمليات العسكرية خلال الفترة من 20 يوليو أسفرت عن نتائج ملموسة على الأرض، خاصة ما يتعلق بتثبيت معادلة “الحصار بالحصار”، فقد تم فرض حصار بحري محكم على الملاحة السعودية، بحيث لا تستطيع أي سفينة مرتبطة بالعدو السعودي تجاوزه. ومنذ إعلان قرار حظر الملاحة البحرية في 20 يوليو تم استهداف 9 سفن نفطية سعودية (6 في البحر الأحمر و3 في خليج عدن والبحر العربي)، ومنع عشرات السفن النفطية السعودية من العبور وإجبارها على العودة.

ما يميز المرحلة الحالية هو الانتقال من مستوى التهديد إلى تغيير فعلي في سلوك الناقلات، فبيانات تتبع السفن قدمت دليلًا ملموسًا على ذلك، حيث تم رصد العديد من ناقلات VLCC سعودية تتجه حول أفريقيا بدل عبور باب المندب، مع إضافة نحو 25 يومًا إلى الرحلة الواحدة بمسافة إجمالية تصل نحو 17,000 ميل بحري بدلًا من المسار المباشر، وهذا التحول يعني أن الحرب اللوجستية بدأت تحقق أهدافها: تهديد السفن، تغيير المسارات، إطالة الرحلات، زيادة الحاجة إلى ناقلات، ارتفاع التأمين، ارتفاع تكلفة الشحن، اضطراب مواعيد التسليم، وضغط على أسواق النفط.
حرب لوجستية شاملة

التهديد اليمني لا يستهدف إنتاج النفط السعودي في حقول الشرق فحسب، وإنما يضغط بشكل مباشر على الطريق البديل الذي تعتمد عليه السعودية لإخراج النفط عندما يصبح الخليج مضطربًا، وهذا أكثر أهمية من مجرد القول: إن ناقلة تعرضت لهجوم، والمسألة تتحول الآن إلى حرب لوجستية متكاملة الأبعاد. فالمشكلة التي تواجهها السعودية لم تعد عسكرية فقط؛ بل بدأت تظهر في البنية اللوجستية لتصدير النفط نفسها، والتهديد اليمني نجح في تحويل ميزة الموقع الجغرافي السعودي التي كانت توفر منفذًا بديلًا عبر البحر الأحمر إلى عبء استراتيجي يثقل كاهل منظومة التصدير بأكملها. وفي ظل هذه المعادلة الجديدة، لم يعد أمام النظام السعودي من خيار إلا رفع الحصار وتنفيذ ما تم الاتفاق عليه من إنهاء العدوان ودفع المرتبات ورحيل المحتلين وترك ثروات الشعب اليمني للشعب كله وجبر الضرر، لأن أي خيار آخر يعني استمرار الحرب التي تثبت يومًا بعد يوم فعاليتها في إعادة تشكيل ميزان القوى الإقليمي.

Comments are closed.