المنبر الاعلامي الحر

طائرة “رجوم” المسيّرة: الموت بدقة متناهية

طائرة “رجوم” المسيّرة: الموت بدقة متناهية

يمني برس | تقارير
في تطورٍ لافت يعكس تحولاً جوهرياً في موازين القوى الميدانية، كشف الإعلام الحربي اليمني مؤخراً عن لقطات حصرية توثق عمليات نوعية نفذتها القوات المسلحة اليمنية بواسطة طائرات “رجوم” المسيرة، مستهدفةً تجمعات وآليات عسكرية تابعة لأدوات العدو السعودي في عدة محاور قتالية، هذه المشاهد تكشف عن تطور تقني متسارع يفرض معادلات جديدة على أرض المعركة.
وتتجلى البراعة العملياتية للقوات المسلحة في الدقة المتناهية التي ميزت الإصابات الموثقة، حيث أظهرت اللقطات قدرة استثنائية على تعقب الأهداف المتحركة والثابتة ومراكز الثقل في التشكيلات المعادية.
اللافت في المشاهد المعروضة هو التكامل النادر بين منظومة الاستطلاع الجوي وقدرات الاستهداف المباشر، إذ وثقت العدسات لحظات اكتشاف آليات عسكرية حاول أفرادها الاحتماء تحت الغطاء النباتي، متنكرين في هيئة مدنية، غير أن أعين المسيّرات اليمنية اخترقت هذا التمويه وكشفت المواقع بدقة مذهلة، لتسقط القذائف من الأعلى وكأنها صواعق محكمة التوجيه.
إن ما يميز هذه العمليات هو اقتصاد القوة العسكري، فبدلاً من الدخول في مواجهات برية مكلفة، تعتمد القوات المسلحة على استنزاف العدو من مسافات آمنة، محولةً كل تحرك لآلياته إلى مغامرة محفوفة بالموت المحقق، وهذا التحول في التكتيكات يعكس نضجاً يستند إلى فهم عميق لنقاط الضعف البنيوية في التشكيلات المعادية.
“رجوم” منصة تكنولوجية تتحدى التفوق التقليدي

تشكل طائرات “رجوم” المسيرة محلية الصنع، نموذجاً على قدرة العقل العسكري اليمني على تجاوز القيود التقنية والمالية، وتطوير منظومات قتالية محلية تتفوق على نظيراتها، فمنذ الكشف الرسمي عنها في 2021، شهدت هذه المنظومة تطورات متلاحقة جعلت منها سلاحاً متعدد المهام يجمع بين الاستطلاع والاستهداف والقصف الدقيق، وفي تلك الفترة لم تكن أيا من الدول قد أدخلت هذه التقنية إلى جيشها ومن الملاحظ فإن أوكرانيا استفادت من هذه التجربة وصناعة طائرة مشابهة لها نظرا للنجاحات الكبيرة التي حققتها طائرة “رجوم” في معركة الساحل الغربي خاصة خلال عامي 2020 و2021م.
تتميز هذه المسيّرات بقدرتها على التحليق العمودي والثبات الجوي لفترات ممتدة، مما يتيح لها مراقبة الأهداف لفترات كافية قبل توجيه الضربة المناسبة، والأهم من ذلك هو الذخائر المطورة ذات الزعانف التوجيهية، التي تسقط بمسار باليستي محسوب يتجاوز تأثير العوامل الجوية العرضية، لتصيب أهدافها بدقة مطلقة.
إن البعد التكنولوجي لهذه المنظومة يتجاوز الجانب التسليحي إلى ما هو أعمق، فالتحدي الحقيقي الذي تواجهه الترسانات الغربية المتطورة في اليمن ليس مجرد طائرات مسيرة، بل منظومة متكاملة من الرصد الإلكتروني والتشويش المضاد والتوجيه الذكي، تشكل معاً ما يمكن تسميته “بالعقل الرقمي” للعمليات العسكرية اليمنية.

البعد الاستراتيجي .. رسائل تتجاوز حدود الميدان

لا يمكن قراءة هذه العمليات بمعزل عن سياقها الاستراتيجي الأوسع، فهي تحمل رسائل مشفرة موجهة إلى أطراف متعددة، فبالنسبة للقيادة السعودية، تؤكد هذه الضربات أن التحشيدات العسكرية الضخمة التي مولتها ونظمتها خلال فترات التهدئة، قد أصبحت مكشوفة بالكامل أمام أعين الاستخبارات اليمنية، وأن فكرة شن هجوم بري واسع النطاق قد تحولت إلى انتحار جماعي.
أما بالنسبة لواشنطن، التي ما تزال تقدم دعماً لوجستياً واستخباراتياً للعدو السعودي، فإن الرسالة اليمنية واضحة في أن الأسلحة الأمريكية المتطورة — بما فيها دبابات “أبرامز” — لم تعد توفر الحماية المطلوبة، وإن استمرار الدعم الغربي للعدوان لن يغير من المعادلة الميدانية شيئاً، فاللافت في المشاهد أن طائرة “رجوم” تمكنت من إحراق العديد من دبابات الأبرامز.

قراءة الخبراء: تحليل معمق للدلالات العسكرية

يرى الخبراء أن هذه العمليات تمثل تتويجاً لمنظومة رصد استخباراتي شاملة تغطي مسرح العمليات بأكمله، من المنافذ الحدودية إلى السواحل الغربية، ومناطق التماس المتعددة، فتنوع الأهداف المستهدفة — من تجمعات بشرية إلى آليات مدرعة ومواقع محصنة — يعكس قدرة على انتقاء الأهداف وفق أولويات استراتيجية مدروسة، وليس مجرد استهداف عشوائي.
إضافة إلى ذلك فإن دورة القرار في العمليات العسكرية اليمنية أصبحت قصيرة بشكل استثنائي، إذ تنتقل المعلومات من أجهزة الاستشعار إلى مراكز القيادة ثم إلى منصات الإطلاق في زمن قياسي، مما يحرم العدو من أي فرصة للتكيف أو الانسحاب، وهذا الإيقاع السريع، يشكل عبئاً نفسياً هائلاً على القوات المعادية التي تعيش حالة ترقب دائم.
وأهم ما في هذا الإنجاز يتمثل في التطور الملحوظ في المدى العملياتي لطائرة “رجوم” الذي يتجاوز الآن 15 كيلومتراً وهذا التطور جذب انتباه المراكز البحثية الغربية، التي بدأت تدرس هذه الظاهرة بجدية.
الأبعاد النفسية والمعنوية

تتجاوز أهمية هذه العمليات الجانب المادي المتمثل في تدمير العتاد والأرواح، لتصل إلى مستويات أعمق تتعلق بتفكيك الروح المعنوية للتشكيلات المعادية، فالمشاهد التي توثق حالات الذعر الجماعي والفرار العشوائي تحت النيران، تشكل مادة إعلامية مضادة تتسلل إلى وعي المقاتلين في صفوف العدو، وتزرع في نفوسهم قناعة راسخة بأنهم في مواجهة قدر محتوم لا مفر منه.
إن النشر الانتقائي لهذه المشاهد — الذي يوحي بأن ما يتم عرضه ليس سوى جزء يسير من عمليات أوسع — يمثل استراتيجية إعلامية ذكية تهدف إلى تضخيم الإحساس بالتهديد لدى الخصم، وإبقائه في حالة عدم يقين دائم حول حجم القدرات الحقيقية التي تواجهه.
والأهم من ذلك، أن هذه العمليات تحمل رسالة إلى أدوات العدوان أن المال الذي يقاتلون من أجله لن يحميهم من الموت، وإن خندق العمالة الذي اختاروه بأنفسهم كانت كلفته كبيرة جدا.
وفي التحليل النهائي، يمكن القول إن العمليات العسكرية اليمنية المتصاعدة تمثل تجسيداً عملياً لاستراتيجية الردع الاستباقي التي طورتها القوات المسلحة اليمنية رداً على الحصار الخانق والعدوان المستمر فمنذ بداية التصعيد العسكري، أدركت القيادة اليمنية ضرورة تطوير قدرات غير تقليدية تسمح بإيلام العدو بتكلفة أقل وتأثير وفعالية أكثر.
هذه الاستراتيجية — التي تجمع بين الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة طويلة المدى والمسيّرات الهجومية الصغيرة — تشكل منظومة ردع متعددة الطبقات قادرة على التصعيد التدريجي وفق مقتضيات الموقف وكلما زاد الضغط الخارجي على اليمن، اتسع نطاق الأهداف وارتفع مستوى الاستجابة العسكرية.

نحو معادلة جديدة في الميدان اليمني

إن المشاهد التي بثها الإعلام الحربي اليمني لا تمثل مجرد توثيق لعمليات عسكرية ناجحة، بل تشكل علامة فارقة في مسار المواجهة الطويلة مع العدو السعودي. فهي تثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن القوات المسلحة قد تجاوزت مرحلة الدفاع السلبي إلى مرحلة الهجوم الاستباقي، وأنها باتت تمتلك زمام المبادرة في الميدان.
والأهم من ذلك، أن هذه العمليات تكشف أن العدوان في اليمن تحول إلى مواجهة بين إرادتين وعقيدتين قتاليتين متضادتين، ففي حين يعتمد العدو السعودي على التفوق التكنولوجي المستورد والقوة المالية الهائلة، تعتمد القوات المسلحة اليمنية على الإبداع المحلي والإرادة القتالية والتكيف المستمر مع متغيرات الميدان.
وفي هذه المواجهة، وكما فشلت الترسانات التقليدية عبر العصور في كسر إرادة الشعوب المتمسكة بسيادتها، تفشل اليوم التكنولوجيا الغربية المتطورة في حسم معركة يخوضها شعب قرر أن يكون حراً أو لا يكون، وتبقى الرسالة الأوضح من هذه العمليات أن أرض اليمن، بإيمانها الراسخ وشجاعتها الضاربة في العمق، لن تكون ممراً سهلاً لأي غازٍ مهما بلغت قوته وتطورت أدواته.
نقلا عن موقع أنصار الله

Comments are closed.