المنبر الاعلامي الحر

مأساة سجن الجوف

مأساة سجن الجوف

يمني برس | بقلم | شاهر أحمد عمير

تتواصل فصول المأساة الإنسانية في اليمن لتسجل الذاكرة الوطنية محطة دموية أخرى تضاف إلى سجل الانتهاكات الجسيمة، تمثلت في القصف الغاشم الذي استهدف سجن الإصلاحية المركزية بمحافظة الجوف. لم تقتصر هذه الجريمة المروعة على حصد أرواح العشرات من النزلاء الذين افترض القانون والمواثيق الدولية أنهم في رعاية الدولة وحماية قواعد الاشتباك الإنساني، امتدت لتطال زواراً مدنيين بينهم امرأة كانت تؤدي واجب زيارة ابنها النزيل، في مشهد يختزل أبعاد الاستهداف الممنهج لكل مفاصل الحياة المدنية دون استثناء لشريحة أو مكان.

إن استهداف السجون ودور التوقيف والإصلاح يعكس تعمداً واضحاً لضرب البنية المؤسسية والاجتماعية، وتوسيع دائرة الاستهداف لتشمل الفئات الأكثر ضعفاً وحماية في النزاعات المسلحة. فحين تتحول الإصلاحيات المركزية، التي تفترض طبيعتها الأمنية والإنسانية العزل التام عن أي أهداف عسكرية، إلى ركام بفعل الغارات الجوية، فإن ذلك يؤكد تجرد مرتكبي هذه الاعتداءات من أبسط معايير القانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف الرابعة الخاصة بحماية المدنيين وأسرى الحرب والموقوفين. هذه الأفعال لا تقتصر على كونها انتهاكاً عابراً، ترقى إلى مصاف الجرائم ضد الإنسانية التي تستوجب ملاحقة قضائية ودولية ناجزة.

ويأتي هذا التصعيد المستمر في ظل غطاء سياسي ومظلة حماية دولية توفرها القوى الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، للاعتداءات التي يقودها النظام السعودي وحلفاؤه في اليمن. حيث أثبت الواقع الميداني خلال سنوات الصراع أن المواثيق والقرارات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان وحماية المدنيين تحولت إلى نصوص صماء وحبر على ورق، طالما أن الجاني يحظى بالحصانة ويستند إلى مصالح استراتيجية تعطل آليات العدالة الدولية. وهذا الاختلال البنيوي في منظومة القرار الأممي جعل الضحية اليمنية تدفع ثمن التواطؤ والصمت الدوليين، وأفرغ الهيئات الحقوقية من محتواها الإنساني والعملي.

وأمام استمرار هذه الجرائم ومسلسل الاستهداف الممنهج للأعيان المدنية والمنشآت الحيوية، بات لزاماً على الشعب اليمني وقواته المسلحة التصدي والرد على هذا العدوان السعودي الأمريكي بكل الوسائل المتاحة، وضرب العمق في عقر الأراضي والشركات النفطية والغازية والمطارات والموانئ السعودية، ليكون الردع لهذا العدوان رداً قاسياً يفرض معادلات جديدة ويوقف مسلسل التمادي في سفك الدماء. حق الدفاع المشروع والرد المؤلم يمثلان السبيل الوحيد لإجبار المعتدين على إعادة حساباتهم وإدراك أن استباحة الدم اليمني لها أثمان باهظة لا يمكن الهروب منها.

وعلى الرغم من فداحة هذه الجرائم وتكرارها، فإنها تكشف بوضوح فشل استراتيجيات الترهيب في كسر إرادة الشعب اليمني أو النيل من تماسكه المجتمعي. فالجرائم التي تضرب مختلف المحافظات وتستهدف الأعيان المدنية والبنية التحتية والمؤسسات الإصلاحية والتعليمية، لا تزيد الجبهة الداخلية إلا صلابة وإصراراً على مواجهة العدوان والتمسك بحق الدفاع المشروع. استهداف النزلاء والزوار في الجوف يمثل رسالة قتل متعمدة لكل صوت يسعى للحياة، غير أنها ترتد لتشكل وثيقة إدانة تاريخية تدين مرتكبيها وتفضح زيف الادعاءات الإنسانية التي ترفعها الدوائر الغربية.

وأمام هذه التطورات المأساوية، يبرز الدور المعطل والمتقاعس للمجتمع الدولي ومنظماته الإنسانية والحقوقية التي اكتفت بدور المتفرج أو الشاهد الصامت على المجازر اليومية. إن التقاعس عن الاضطلاع بالواجب القانوني والأخلاقي في تشكيل لجان تحقيق مستقلة وشفافة، ورفع الغطاء عن المعتدين، يضع المنظومة الدولية برمتها أمام اختبار حقيقي لمصداقيتها. دماء ضحايا سجن الجوف وسائر ضحايا الغارات الجوية في اليمن لن تسقط بالتقادم، وستظل شواهد حية على بشاعة العدوان وحجم الخذلان الدولي، محفورة في وجدان أمة لن تنكسر ولن تنسى حقوق أبنائها مهما طال أمد الحصار والعدوان.

Comments are closed.