تقرير حقوقي: 7 ملايين يمني يعانون من اضطرابات نفسية جراء العدوان والحصار السعودي .. تفاصيل مفزعة
يمني برس || تقرير:
كشفت منظمة “انتصاف” لحقوق المرأة والطفل عن تداعيات نفسية واجتماعية عميقة خلّفتها سنوات العدوان والحصار السعودي في واقع الشعب اليمن.
وأكدت المنظمة في تقرير صدر عنها اليوم الأحد 16 ربيع الآخر: أن آثار الأزمة لم تتوقف عند الخسائر البشرية والمادية وتدمير البنية التحتية، بل امتدت إلى الصحة النفسية والذاكرة الجمعية والتماسك الأسري والمجتمعي، مع انعكاسات أشد وطأة على الأطفال والنساء والفئات الأكثر هشاشة.
وتناول التقرير الذي صدر تحت عنوان “جراح خفية تحت الرماد”، الآثار غير المرئية للعدوان السعودي على المجتمع اليمني، مستنداً، وفق المنظمة، إلى تقارير الرصد التابعة لها، وبيانات ومصادر رسمية وتقارير لمنظمات محلية ودولية، إلى جانب متابعة المصادر الإعلامية التي وصفتها بالموثوقة.
“صدمة ممتدة تتجاوز ساحات القتال”
ويوضح التقرير أن التعرض المتكرر للقصف والتهديدات من قبل العدوان السعودي، وفقدان أفراد الأسرة، والنزوح، وتدهور الظروف المعيشية، شكّل عوامل ضغط نفسي متراكمة أسهمت، بحسب ما أورده، في ارتفاع حالات القلق والاكتئاب وأعراض اضطراب ما بعد الصدمة.
كما يشير إلى أن الضغوط الاقتصادية وتراجع مصادر الدخل والنزوح أضعفت قدرة كثير من الأسر على التكيف، وفرضت عليها أعباء إضافية تتعلق بالإعالة وتوزيع الأدوار، بالتوازي مع تراجع بعض شبكات التكافل والدعم الاجتماعي.
ويركز التقرير بصورة خاصة على الأطفال والنساء، باعتبارهم من أكثر الفئات تعرضاً لتداعيات الحرب، سواء بصورة مباشرة من خلال فقدان الأقارب والإصابات والنزوح، أو بصورة غير مباشرة عبر فقدان الاستقرار الأسري والتعليمي والمعيشي.
“أكثر من 11 ألف طفل بين قتيل ومصاب”
وبحسب البيانات التي أوردها التقرير، فإن القصف البري والغارات الجوية للعدو السعودي على اليمن منذ مارس 2015 تسببت في مقتل أو إصابة أكثر من 11 ألف طفل، وهو ما ترك، وفق المنظمة، آثاراً نفسية وجسدية طويلة الأمد على الضحايا وأسرهم.
ويشير التقرير إلى أن مئات الآلاف من الأطفال يواجهون أعراضاً نفسية حادة واضطرابات وجدانية، نتيجة التعرض المستمر لأجواء الخوف والتهديد، فيما بات أكثر من 8.8 ملايين طفل بحاجة، وفق الأرقام الواردة فيه، إلى خدمات متخصصة في مجال الحماية.
ويربط التقرير بين تدهور الوضع الاقتصادي وتصاعد مخاطر الاستغلال وعمالة الأطفال والعنف الأسري والنفسي، إلى جانب ما يصفه بتزايد الضغوط الواقعة على النساء والفتيات في ظل ضعف خدمات الحماية والدعم النفسي والاجتماعي.
“ملايين الأطفال خارج البيئة التعليمية”
ويلفت التقرير إلى أن سنوات العدوان أخرجت أكثر من مليوني طفل من مقاعد الدراسة، الأمر الذي انعكس، بحسب المنظمة، في ارتفاع مخاطر التسرب التعليمي وعمالة الأطفال والزواج المبكر للفتيات.
ويعتبر التقرير أن فقدان البيئة التعليمية الآمنة لا يمثل خسارة تعليمية فحسب، وإنما يترك تداعيات اجتماعية ونفسية ممتدة، خصوصاً عندما يترافق مع الفقر والنزوح وتراجع فرص العمل وسبل العيش.
“فجوة واسعة في خدمات الصحة النفسية”
ومن أبرز المؤشرات التي أوردها التقرير تقديره وجود نحو سبعة ملايين شخص يعانون من اضطرابات نفسية أو آثار صدمية بدرجات متفاوتة وتحتاج إلى تدخل متخصص، مقابل قدرة محدودة على الوصول إلى خدمات الرعاية النفسية وكل ذلك بسبب العدوان والحصار المستمر على الشعب اليمني منذ 12 عاماً.
ووفق التقرير، لا يحصل على خدمات الرعاية النفسية سوى نحو 120 ألف شخص سنوياً، بما يعني، وفق حساباته، أن نحو 6.88 ملايين حالة لا تصل إلى الخدمات الأساسية، أي أكثر من 98 بالمائة من الحالات التي قدرها التقرير.
كما أورد التقرير أن نحو 73 بالمائة من الأطفال تظهر عليهم أعراض مرتبطة باضطراب ما بعد الصدمة، فيما تعاني 67 بالمائة من النساء، بحسب البيانات الواردة فيه، من مستويات مرتفعة من القلق، وتواجه نحو 62 بالمائة منهن مخاطر مرتبطة بالاكتئاب الحاد.
ويشير كذلك إلى أن النازحين، الذين يقدّر عددهم بأكثر من 4.8 ملايين شخص، يشكل الأطفال والنساء نحو 80 بالمائة منهم، فيما يقدّر التقرير نسبة السكان الذين يعانون من أحد الاضطرابات النفسية بنحو 22.1 بالمائة.
وفي مقابل هذه الاحتياجات، يلفت التقرير إلى محدودية الكادر المتخصص، مشيراً إلى أن عدد الأطباء النفسيين في البلاد لا يتجاوز 46 طبيباً، وفق البيانات التي اعتمدها.
“العدوان الإعلامي والحملات التحريضية لقوات العدوان ومرتزقته عامل ضغط إضافي”
ولم يغفل التقرير التأثيرات التي ينسبها إلى العدوان الإعلامية وما يسميه معتبراً أن تدفق الأخبار المقلقة والصور الصادمة والخطابات المرتبطة بالصراع يمكن أن يفاقم مستويات التوتر ويؤثر في الوعي والاستقرار النفسي والتماسك الاجتماعي.
كما يربط التقرير بين استمرار الضغوط النفسية والاقتصادية وبين تراجع قدرة الأسر والمجتمعات المحلية على توفير بيئات آمنة ومستقرة للأطفال والنساء.
“حماية المدنيين ومسؤولية التعافي”
وفي الجانب القانوني، يستند التقرير إلى مبادئ القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان، إضافة إلى أحكام اتفاقية حقوق الطفل المتعلقة بحماية الأطفال المتضررين من النزاعات المسلحة، مؤكداً أن حماية المدنيين لا تقتصر على منع الأذى الجسدي، وإنما تشمل كذلك الحد من التداعيات النفسية والاجتماعية وتوفير سبل التعافي.
ودعت منظمة “انتصاف” في ختام تقريرها إلى وقف مختلف أشكال الضغط الاقتصادي والإنساني على المدنيين، والعمل على توفير خدمات متخصصة في الصحة النفسية والعلاج النفسي، مع إعطاء الأولوية للأطفال والنساء.
كما أوصت بإطلاق برامج وطنية ومحلية للدعم النفسي والاجتماعي، وتعزيز التوعية المجتمعية، ومساندة الجمعيات والمبادرات المحلية التي تسهم في إعادة بناء شبكات التضامن والتكافل، وتوفير مساحات آمنة للمتضررين.
ويضع تقرير “جراح خفية تحت الرماد” التركيز على جانب غالباً ما يكون أقل ظهوراً من الخسائر المادية المباشرة للعدوان على اليمن، وهو الأثر النفسي والاجتماعي الممتد داخل الأسرة والمجتمع، داعياً إلى التعامل مع التعافي النفسي وإعادة بناء الروابط الاجتماعية باعتبارهما جزءاً أساسياً من أي مسار لمعالجة آثار سنوات الصراع.

Comments are closed.