المنبر الاعلامي الحر

ما وراء زيارة نتنياهو السرية إلى أبو ظبي؟ بربرة وباب المندب في خلفية المشهد!!

ما وراء زيارة نتنياهو السرية إلى أبو ظبي؟ بربرة وباب المندب في خلفية المشهد!!

يمني برس |
لم تعد التحركات المتسارعة بين أبو ظبي وتل أبيب وأديس أبابا مجرد تفاصيل دبلوماسية متناثرة على أطراف المنطقة؛ فالبحر الأحمر وباب المندب تحولا إلى مركز صراع تتقاطع عنده مشاريع النفوذ والموانئ والأمن والتحالفات الجديدة.

ومع التغيرات العسكرية الأخيرة على الساحل الغربي لليمن ووصول قوات الجيش اليمني الى باب المندب، باتت الضفة المقابلة في القرن الأفريقي أكثر أهمية في حسابات الإمارات وإسرائيل، خصوصاً مع تصاعد الرهان على بربرة وإثيوبيا و«صوماليلاند».

في قلب المشهد تظهر أبو ظبي وهي توسع شبكتها الاقتصادية والأمنية على امتداد القرن الأفريقي، بينما تدفع إسرائيل باتجاه تثبيت حضور سياسي وأمني قرب واحد من أخطر الممرات البحرية في العالم، لتبدو التحركات الأخيرة جزءاً من سباق إقليمي أوسع على من يملك مفاتيح البحر الأحمر ومن يستطيع التأثير في حركة التجارة والقوة بين خليج عدن وقناة السويس.

أحد المؤشرات الأكثر حساسية ظهر مساء الأحد 27 سبتمبر/أيلول 2026، مع كشف موقع «أكسيوس» ووسائل إعلام إسرائيلية أن بنيامين نتنياهو توجه سراً إلى أبو ظبي والتقى الرئيس الإماراتي محمد بن زايد، وهي زيارة أكد وقوعها لاحقاً مسؤول إسرائيلي لوكالة رويترز.

الرحلة جرت بعيداً عن الإعلان الرسمي المسبق، فيما بقيت تفاصيل اللقاء محاطة بقدر كبير من التكتم، لتأتي في توقيت إقليمي بالغ الحساسية يتسع فيه التعاون الأمني والعسكري بين إسرائيل والإمارات، بالتوازي مع تحولات متسارعة في البحر الأحمر والقرن الأفريقي كما أن هذه الزيارة السرية تكتسب وزناً إضافياً باعتبارها مؤشراً على استمرار قنوات التنسيق بين الطرفين خلف الأبواب المغلقة، بعد ست سنوات من توقيع اتفاقات التطبيع، وفي لحظة تعاد فيها صياغة التحالفات وموازين النفوذ حول باب المندب وخليج عدن.

القرن الأفريقي يشكل أحد أهم ميادين تلك التحولات.

الإمارات بنت خلال سنوات شبكة واسعة من المصالح الاقتصادية واللوجستية في إثيوبيا و«صوماليلاند»، وفي مقدمتها ميناء بربرة والممر الذي يربطه بالأراضي الإثيوبية.

شركة موانئ دبي العالمية أعلنت منذ 2021 خططاً لاستثمارات قد تصل إلى مليار دولار في البنية اللوجستية لممر بربرة، إضافة إلى التزام سابق يصل إلى 442 مليون دولار لتطوير الميناء. الممر يمنح إثيوبيا الحبيسة منفذاً إضافياً إلى البحر ويمنح الشركات الإماراتية موقعاً على واحد من أكثر المحاور حساسية بين خليج عدن والبحر الأحمر.

العلاقة مع أديس أبابا أعمق من مشروع الميناء. أبو ظبي تعهدت عام 2018 بحزمة دعم واستثمارات بقيمة ثلاثة مليارات دولار لإثيوبيا، تضمنت إيداع مليار دولار في البنك المركزي الإثيوبي واستثمارات بقيمة ملياري دولار.

منذ ذلك الحين توسعت المصالح الإماراتية في قطاعات النقل والبنية التحتية والزراعة والطاقة، وهو ما يجعل استقرار السلطة المركزية في أديس أبابا مرتبطاً بمصالح مالية وتجارية كبيرة بالنسبة للإمارات.

إسرائيل دخلت إلى المعادلة من بوابة أكثر مباشرة حين أعلنت في ديسمبر 2025 اعترافها بـ«صوماليلاند» كدولة مستقلة، وهي خطوة رفضتها الحكومة الصومالية والاتحاد الأفريقي ودول إقليمية. العلاقة تطورت لاحقاً إلى تعاون أمني؛ وزير دفاع «صوماليلاند» أكد في يونيو 2026 أن إسرائيل تدرب قوات الشرطة والجيش هناك، مع تأكيده عدم وجود قاعدة عسكرية إسرائيلية على أراضي الإقليم آنذاك. بذلك أصبح الوجود الإسرائيلي في الضفة الأفريقية المقابلة لليمن أكثر وضوحاً من أي وقت سابق.

أبو ظبي لم تصل حتى الآن إلى إعلان اعتراف دبلوماسي رسمي بـ«صوماليلاند»، لكنها سبقت الاعتراف السياسي ببناء نفوذ اقتصادي وأمني عميق داخل الإقليم، يتصدره ميناء بربرة وشبكة المصالح المرتبطة به.

شركة موانئ دبي العالمية تدير الميناء باستثمار يقدر بنحو 442 مليون دولار، فيما نسجت الإمارات علاقات وثيقة مع سلطات هرجيسا جعلت حضورها هناك يتجاوز حدود الاستثمار التجاري إلى فضاء أوسع من النفوذ الاستراتيجي على خليج عدن.

هذا المسار فجّر مواجهة حادة مع الحكومة الفيدرالية في مقديشو، التي ألغت في يناير 2026 اتفاقاتها مع الإمارات واتهمت أبو ظبي بممارسات تمس سيادة الصومال ووحدته واستقلاله السياسي.

لذلك تبدو المسألة أبعد من سؤال الاعتراف الرسمي؛ فالإمارات رسخت على الأرض شبكة مصالح تمنحها نفوذاً واسعاً في منطقة انفصالية تطل مباشرة على أحد أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم، بينما جاءت إسرائيل لاحقاً لتمنح «صوماليلاند» الاعتراف السياسي الذي ظلت أبو ظبي تتجنب إعلانه رسمياً.

المشهد يصبح أكثر حساسية عند النظر إليه من باب المندب

خلال سبتمبر تقدمت قوات صنعاء على امتداد الساحل الغربي وسيطرت على المخا وأجزاء واسعة من ساحل البحر الأحمر وأخرجت التحشيدات السعودية من المخا وميون ومناطق ساحلية مرتبطة مباشرة بباب المندب تقارير دولية وصفت التحول بأنه تغير كبير في موازين الحرب اليمنية، وأنه منح صنعاء قدرة أوسع على التأثير في أحد أهم الممرات البحرية في العالم.

السيطرة الجديدة على الساحل الغربي تعيد ترتيب معنى النشاط الإماراتي والإسرائيلي على الضفة المقابلة. قبل أسابيع كان بإمكان أبو ظبي التعامل مع بربرة وممراتها باعتبارها شبكة تجارية ممتدة بين إثيوبيا وخليج عدن، بينما باتت تلك الشبكة تعمل في مواجهة جغرافيا يمنية تغيرت بسرعة. الساحل المقابل لبربرة لم يعد موزعاً بالطريقة السابقة بين قوى يمنية مدعومة من الرياض وأبو ظبي؛ قوات صنعاء باتت تملك مواقع أوسع قرب المضيق، ما يرفع القيمة العسكرية والاستخباراتية لأي منشآت أو شراكات إسرائيلية وإماراتية في القرن الأفريقي.

النتيجة الجيوسياسية تتجاوز اليمن.

باب المندب يمثل بوابة الربط بين المحيط الهندي والبحر الأحمر وقناة السويس، وأي قوة تملك تأثيراً على ضفتيه تستطيع التأثير في الملاحة والطاقة بالتالي فان سيطرة صنعاء على مساحة أكبر من الضفة اليمنية تضع المشاريع الإماراتية والصهيونية حول بربرة أمام واقع مختلف.

الصورة التي تتشكل على مايبدو تحالفا ثلاثياً غير معلن فإسرائيل تبحث عن شراكات أمنية وموطئ قدم في القرن الأفريقي؛ وكذلك الإمارات تحمي شبكة موانئ واستثمارات وممرات تجارية بنتها على مدى سنوات؛ إثيوبيا تبحث عن منافذ بحرية تقلل اعتمادها على جيبوتي. تقاطع تلك المصالح يضع بربرة والقرن الأفريقي في قلب الصراع على البحر الأحمر، ويجعل تقدم قوات صنعاء إلى باب المندب عاملاً يضغط مباشرة على الحسابات التي بُنيت خلال السنوات الماضية.

وإجمالاً، فإن التحول الجاري على الساحل اليمني يعيد صياغة معادلة القوة حول باب المندب في توقيت تتجه فيه إسرائيل إلى توسيع علاقاتها الأمنية مع «صوماليلاند».

صنعاء أعلنت موقفها بوضوح: أي وجود عسكري أو أمني إسرائيلي على الضفة الأفريقية المقابلة لليمن سيدخل دائرة الاستهداف، وهي رسالة تكتسب وزناً أكبر مع اتساع حضور قواتها على الساحل الغربي وباب المندب وفي المقابل، تتحرك تل أبيب وأبو ظبي داخل شبكة متنامية من الموانئ والشراكات والنفوذ في القرن الأفريقي، بينما تنظر صنعاء إلى هذا التمدد باعتباره اقتراباً مباشراً من مجالها الأمني في البحر الأحمر وخليج عدن. بذلك ينتقل باب المندب من كونه ممراً تجارياً بالغ الحساسية إلى ساحة ردع مفتوحة

فكل توسع إسرائيلي باتجاه بربرة و«صوماليلاند» يرفع احتمالات الاحتكاك مع صنعاء، وكل تقدم يمني على الساحل الغربي يزيد الكلفة الاستراتيجية لأي محاولة إسرائيلية لتحويل الضفة الأفريقية إلى منصة عسكرية أو استخباراتية مقابلة لليمن.

وفي هذه المعادلة الجديدة، تبدو الجغرافيا نفسها وقد عادت لتفرض شروطها: من يقترب عسكرياً من باب المندب سيجد نفسه داخل نطاق صراع لم يعد محصوراً في البحر الأحمر، بل يمتد إلى القرن الأفريقي وخليج عدن وممرات الملاحة بين المحيط الهندي وقناة السويس.

Comments are closed.