السلوك السعودي من إحباط التسوية إلى العدوان المباشر (2-2)
السلوك السعودي من إحباط التسوية إلى العدوان المباشر (2-2)
يمني برس | تقرير | أنس القاضي
كيف تدير الرياض التصعيد العسكري والسياسي والإعلامي؟
تناولت الحلقة الأولى تعثر خارطة الطريق، وتغير حسابات الرياض بعد العدوان الخارجي على اليمن وتطورات الجنوب، ثم قصف مطار صنعاء في ١٣ يوليو ٢٠٢٦م واتساع التدخل السعودي المباشر. وفي الأسابيع التالية، باتت ملامح هذا التدخل أكثر وضوحاً: غارات متتابعة على محافظات يمنية، وإسناد للقوات التابعة للسعودية في الجبهات، وضربات طالت المدنيين والمنشآت والطرق، رافقتها حملة سياسية وإعلامية لتقديم الرياض أمام الخارج بوصفها الطرف الذي يتعرض للهجوم ويطلب المساندة.
ظهر الدور العسكري السعودي بصورة مكثفة مع معارك الساحل الغربي والمرتفعات الجبلية المحيطة؛ فقد هدد تحرير المخا وتقدم القوات المسلحة اليمنية قرب باب المندب مواقعَ القوات التي ترعاها الرياض، وقلّص قدرتها على استخدام الساحل ورقة ضغط في أي تسوية لاحقة. واتجهت السعودية إلى إسناد هذه القوات جوياً، مع تنشيط جبهات أخرى في مأرب والجوف والبيضاء، سعياً إلى إشغال القوات المسلحة اليمنية وتوزيع جهدها، كما أعادت ترتيب التشكيلات التابعة لها بعد خسارة مواقع في الساحل، محاولة منع تحول المكاسب اليمنية الميدانية إلى واقع سياسي مستقر.
تبين هذه التحركات وظيفة القوات التابعة للرياض في حساباتها. فهي تقاتل داخل اليمن تحت شعارات تتحدث عن الدولة والجمهورية، بينما يتصل قرار تحريكها وتسليحها وإسنادها بالأهداف السعودية المباشرة: حماية حدود المملكة، وتأمين صادرات النفط والملاحة المرتبطة بها، ومنع صنعاء من امتلاك موقع أقوى على البحر الأحمر وفي المفاوضات. وتمنح مشاركة هذه القوات الرياض وسيلة لإبقاء الحرب داخل الأرض اليمنية، رغم أن الطائرات السعودية والقرار السعودي يحضران في إدارة التصعيد. وتتحمل المجتمعات المحلية كلفة جبهات تُفتح أو تُنشّط لخدمة موقع المملكة في الصراع.
لم يقتصر التدخل على الجبهات. تسجل بيانات الرصد الميداني غارات شبه يومية بطائرات “إف ١٥” و”تايفون” انطلقت -بحسب ما أعلنه المتحدث باسم القوات المسلحة اليمنية- من قاعدتي خميس مشيط والطائف، واستهدفت تعز وحجة ومأرب والجوف وصعدة والحديدة والبيضاء وعمران وإب وذمار خلال النصف الثاني من سبتمبر. وأوردت البيانات أرقاماً متصاعدة للقصف الجوي والصاروخي، بلغت في مساء ٢٨ سبتمبر ١١٢٣ غارة وصاروخاً منذ بدء التصعيد، يجمع هذا الرقم نوعين من الهجمات في حصيلة واحدة، لكنه يوضح -مع تسلسل البيانات اليومية- مدى اتساع استخدام السعودية للقوة خلال فترة قصيرة.
وتجاوز القصف مواقع الاشتباك المباشر إلى الأعيان التي تقوم عليها حياة الناس، مثل استهداف جسور وطرقات ومدارس وشبكات اتصالات ومنشآت مدنية، إلى جانب غارات خلفت قتلى وجرحى من المدنيين.
وفي ٢٧ سبتمبر، قُصف سوق مفرق ماوية في تعز، وسقط عشرات القتلى والجرحى وفق الحصيلة الأولية التي أُعلنت يومها. والسوق مكان يتجمع فيه الناس لتبادل السلع وتأمين حاجاتهم اليومية؛ لذلك لا تقف آثار ضربه عند الضحايا المباشرين، بل تمتد إلى تعطيل الحركة التجارية وإشاعة الخوف في المجال الذي يعيش فيه المجتمع بعيداً عن الجبهات.
وينطبق الأمر على الطرق والجسور؛ فالجسر الذي يتعرض للقصف يصل قرى ومدناً وأسواقاً ومرافق علاجية، والطريق المتضرر يزيد كلفة نقل الغذاء والوقود ويعزل مناطق بعضها عن بعض. وحين تتكرر الضربات على هذا النوع من الأعيان، يتسع أثر الحرب في الاقتصاد والحياة اليومية، وتنتقل كلفتها إلى السكان، ويمكن قراءة هذا النمط في سياق الضغط على السلطة الوطنية في صنعاء عبر المجتمع الخاضع لمسؤوليتها؛ إذ تزيد السعودية الأعباء التي تواجهها السلطة في الخدمات والنقل وحماية المدنيين، وتراهن على أن تنعكس تلك الأعباء على موقفها السياسي.
تثير هذه السياسة سؤالاً عن نتائجها الفعلية؛ فإيقاع الضرر بالمجتمع قد يضاعف الصعوبات الاقتصادية والإدارية أمام صنعاء، لكنه قد يعمق أيضاً النظر إلى السعودية بوصفها مصدر الخطر المباشر على حياة اليمنيين، وكلما ظهرت آثار القصف في الأسواق والبيوت والبنية التحتية، ضعفت قدرة الرياض على تقديم تدخلها العسكري باعتباره دعماً لليمنيين أو دفاعاً عن دولتهم، وقد يتحول الضغط الذي يراد له أن ينتقل عبر المجتمع إلى السلطة، إلى عامل يزيد التماسك الاجتماعي في مواجهتها. والنتيجة تتوقف على امتداد القصف، وقدرة المؤسسات والمجتمعات المحلية على معالجة آثاره، وطبيعة الخطاب السياسي الذي يرافقه.
هنا تبرز وظيفة الحملة الإعلامية السعودية؛ فقد سعت الرياض إلى نقل مركز الاهتمام الخارجي نحو هجمات القوات المسلحة اليمنية داخل أراضيها، وإلى تصوير تطورات الساحل الغربي باعتبارها تهديداً عاماً للملاحة الدولية. تحاول من خلف هذا التأطير اجتذاب دول ترتبط مصالحها بالتجارة والطاقة، ويدفعها إلى التعامل مع السعودية بوصفها شريكاً في حماية الممرات البحرية.
وفي الوقت نفسه، يبعد الأنظار عن قصف مطار صنعاء والغارات داخل اليمن، وعن استمرار الحصار وتعثر خارطة الطريق. هكذا تصبح الرواية الإعلامية جزءاً من إدارة الحرب، لأنها تحدد أي الوقائع تحظى بالاهتمام الدولي وأيها يجري تهميشه.
ثم جاءت حملة اتهام صنعاء باستهداف مكة لتوسيع دائرة الإسناد خارج الدول المعنية مباشرة بالملاحة؛ فالحديث عن المقدسات يخاطب الحكومات والمجتمعات الإسلامية بلغة تختلف عن لغة أمن الطاقة والتجارة، ويضع من يمتنع عن إدانة صنعاء تحت ضغط سياسي وأخلاقي، وقد صدرت بيانات إدانة وتضامن مع السعودية، لكن هذا الإسناد بقي -حتى الآن- في مستواه السياسي والإعلامي، ولم تتحول حملة مكة بذاتها إلى مشاركة عسكرية جماعية، ولا يصح جمع كل بيان تضامن مع الرياض في خانة الالتزام بحربها، وتفاوتت المواقف بين من تبنى الاتهام، ومن اكتفى بالتضامن، ومن دعا إلى خفض التصعيد. جمعت الرياض بذلك خطابين موجّهين إلى جمهورين مختلفين: أمام القوى الغربية وضعت الملاحة والطاقة والاستقرار الإقليمي في المقدمة؛ وأمام العالم الإسلامي رفعت قضية مكة. ويتقاطع الخطابان في طلب الإسناد وتقديم العمليات اليمنية بوصفها مصدر التصعيد، بينما تُدفع الغارات السعودية والحصار وقصف المدنيين إلى هامش النقاش. ويمنح هذا التوزيعُ الرياضَ قدرة على مخاطبة أطراف تتباين مصالحها وحساسياتها، لكنه يكشف أيضاً صعوبة الحصول على التزام عملي واسع؛ فالتضامن مع المقدسات، أو القلق على الملاحة، لا يعني استعداد الدول لتحمل كلفة الدخول في حرب جديدة على اليمن.
مع ذلك، لا تقتصر المساندة الخارجية المحتملة على البيانات؛ فقد ظهرت مستويات أخرى من الإسناد، منها الدعم البريطاني المحدود في مجال التزويد الجوي بالوقود، والاستعداد التركي لتزويد السعودية بالسلاح، والاتصالات العسكرية السعودية الباكستانية التي تفتح احتمال دور فني باكستاني. وتختلف هذه المستويات في معناها وأثرها؛ فتزويد الطائرات بالوقود أو تقديم السلاح يرفع القدرة السعودية على مواصلة العمليات، بينما يتطلب الحديث عن مشاركة باكستانية مباشرة قرارات وترتيبات لم تتضح بعد، وتعمل الرياض على توسيع شبكة المساندة تدريجياً، من غير أن تكون قد حصلت على التحالف العسكري الواسع الذي يوحي به خطاب التعبئة.
وتواجه هذه المساعي حدوداً ترتبط بحسابات الحلفاء أنفسهم؛ فالولايات المتحدة والقوى الأوروبية معنية بأمن الملاحة والطاقة، لكنها تحسب كلفة اتساع الحرب في البحر الأحمر وعلاقتها بالمواجهة الإقليمية مع إيران. وتركيا وباكستان تستطيعان تقديم مواقف سياسية أو أشكال من التعاون العسكري، مع بقاء قرار الانخراط في القتال مسألة مختلفة. لذلك تمنح هذه العلاقات السعودية دعماً دبلوماسياً وقدرات إضافية، فيما يظل العبء الرئيسي لإدارة الحرب البرية والجوية عليها وعلى القوات اليمنية التابعة لها.
يتشكل السلوك السعودي الحالي من هذه العناصر مجتمعة: تدخل مباشر لإسناد المرتزقة، ومنع تثبيت المكاسب اليمنية في الساحل، وقصف واسع على المدنيين والبنية التحتية يرفع الكلفة على المجتمع والسلطة الوطنية، وحملة إعلامية تنقل النقاش الدولي إلى أمن الملاحة والمقدسات، واتصالات خارجية لتأمين موارد سياسية وعسكرية للتصعيد. وهي عناصر تخدم غاية واحدة، تتمثل في تعديل ميزان القوى قبل العودة إلى أي تفاوض مع صنعاء. فالرياض تريد وقف تهديد صادراتها النفطية وأراضيها، واستعادة قدرة حلفائها على التحكم بالمواقع التي خسروها، ثم بحث التسوية وهي تحتفظ بأوراق ضغط أكبر.
غير أن استمرار هذا المسار يزيد كلفته على السعودية أيضاً؛ فالتدخل المباشر يجعل مسؤوليتها عن الغارات أوضح، ويجعل أمنها ومصالحها الاقتصادية جزءاً من ميدان الحرب، بينما يصعب على قوات المرتزقة تعويض اختلالاتها بمجرد تكثيف الإسناد الجوي. وقد تمنحها البيانات الخارجية غطاءً سياسياً، لكنها لا تعيد بناء الجسور المدمرة، ولا تمحو أثر قصف الأسواق، ولا تحسم المعركة على الأرض. ومن المرجح أن تواصل الرياض الجمع بين التصعيد ومحاولات الحشد الخارجي في المدى القريب، مع إبقاء باب التفاوض متاحاً إذا اعتقدت أن العمليات العسكرية حسّنت موقعها.
تعود المسألة، في نهاية الحلقتين، إلى خارطة الطريق التي بقيت معلقة؛ فالسعودية التي امتلكت فرصة لمعالجة الملفات الاقتصادية وإنهاء القيود على المنافذ، اختارت انتظار تغير ميزان القوى، ثم اتجهت إلى فرضه بالقوة. وكلما طالت هذه السياسة، تعمقت آثار الحرب في المجتمع اليمني، واتسعت الهوة بين خطاب الرياض عن السلام وممارستها على الأرض، أما التسوية القادرة على الاستمرار فتبدأ بمعالجة أسباب المواجهة نفسها: وقف العدوان والحصار، وإنهاء الوصاية على منافذ اليمن وموارده، وفتح المجال أمام عملية سياسية يشارك اليمنيون في تقريرها بعيداً عن الإملاء الخارجي، فإما تقبل السعودية سلماً بهذا الأمر، وإلا فسينتزعه اليمنيون انتزاعاً.
نقلا عن موقع أنصار الله
Comments are closed.