من حلف مكة إلى طهران… حين عجز الاستكبار
من حلف مكة إلى طهران… حين عجز الاستكبار
يمني برس | تقرير | عدنان عبدالله الجنيد
من التحريض المذهبي إلى أبواب طهران، ومن رهانات إخضاع اليمن إلى البحث عن مخارج إقليمية؛ تتهاوى الشعارات أمام صلابة الوقائع، ويجد من راهنوا على تفكيك الأمة أنفسهم مضطرين إلى مراجعة حساباتهم، فيما تبقى فلسطين واليمن والقرار السيادي المعيار الحقيقي لأي تحوّل سياسي.
أين ذهب حلف مكة الذي رُوّج له بوصفه معادلةً لتطويق إيران ومحور المقاومة؟
وأين اختفى خطاب التحريض المذهبي الذي حشد الجماهير تحت عناوين «المجوس والروافض»؟
وأين ذهبت الدعاية التي وصفت حماس بالإرهاب، بينما تتواصل جرائم الاحتلال بحق الشعب الفلسطيني؟
وهل يُعقل أن تصبح السعودية اليوم أقرب إلى طهران في لغة الدبلوماسية، فيما تتصدر فلسطين واجهة الخطاب السياسي؟
أهي مراجعة حقيقية أم مناورة فرضتها موازين القوة؟
وهل أدركت عواصم المنطقة أن الاستقواء بالولايات المتحدة لا يصنع أمنًا دائمًا، وأن الشعوب التي قاومت الحصار والحروب لا يمكن إخضاعها بالشعارات؟
إنها أسئلة تتجاوز حدود اللقاءات الدبلوماسية؛ لأنها تفتح نافذة على تحولات إقليمية تكشف أن السياسة، مهما ارتفعت ضجيج شعاراتها، تنتهي عند امتحان المصالح والوقائع.
أولًا: من صناعة العدو المذهبي إلى أبواب التفاهم
السياسة التي قدّمت إيران عدوًا مطلقًا، وصوّرت الخلاف معها مواجهةً مذهبية لا تقبل التسوية، تصطدم اليوم بحقيقة أن المصالح لا تُدار بالشعارات وحدها.
وقد تجلّى هذا التحول، وفق المعلومات المتداولة بشأن اللقاءات الإقليمية، في زيارة وفد سعودي برئاسة وزير الدفاع الأمير خالد بن سلمان إلى طهران، ضمن اجتماعات رباعية ضمّت السعودية وتركيا وباكستان وإيران، لبحث خفض التصعيد وتعزيز الأمن الإقليمي.
وتناولت المباحثات، بحسب ما أُعلن عنها، سبل مواصلة الحوار والوساطات الدبلوماسية والحد من اتساع الأزمات.
وهنا تكمن المفارقة: ما كان يُقدَّم بالأمس بوصفه خطرًا لا يُحتمل، أصبح اليوم طرفًا لا يمكن تجاوزه في حسابات المنطقة.
لكن الحوار ليس هزيمة، كما أن اللقاءات ليست دليلًا كافيًا على تبدّل السياسات.
الاختبار الحقيقي هو ما إذا كانت هذه الخطوات ستؤسس لمراجعة جادة لخطاب غذّى الانقسام، أم ستظل إعادة تموضع تفرضها الضرورات.
أما الشعارات التي فرّقت الشعوب، فقد آن أوان مساءلتها أمام حقائق الواقع.
ثانيا: اليمن… الجبهة التي أربكت حسابات الإخضاع
منذ عام 2015، راهنت الرياض على القوة العسكرية لإعادة تشكيل الواقع اليمني، لكن سنوات الحرب وما خلّفته من كلفة إنسانية وسياسية تكشف أن الحسم الذي رُوّج له لم يتحقق بالصورة الموعودة.
فاليمن ليس ساحةً هامشية يمكن تجاوزها في ترتيبات المنطقة، بل بلد يمتلك إرادة سياسية وموقعًا جغرافيًا مؤثرًا في أمن الجزيرة العربية والبحر الأحمر وباب المندب.
وأي تقارب سعودي إيراني لن يصنع سلامًا مستدامًا إذا بقيت صنعاء خارج معادلة الاحترام المتبادل والسيادة الوطنية. فالسلام لا يُبنى بإملاءات الخارج، ولا يتحقق بتجاهل القوى الفاعلة على الأرض، بل بمعالجة أسباب الصراع ووقف التدخلات واحترام حق اليمنيين في تقرير مستقبلهم.
وإذا كانت الدبلوماسية قد فتحت أبواب طهران، فإن الطريق إلى سلام المنطقة يمر أيضًا من بوابة الحل العادل للقضية اليمنية.
ثالثًا: واشنطن وتل أبيب… حين لا تكفي القوة لصناعة الأمن
كشفت أزمات المنطقة أن التفوق العسكري لا يضمن بالضرورة تحقيق الأهداف السياسية، وأن الاعتماد المطلق على المظلة الأمريكية لا يوفر حصانةً دائمة أمام التحولات.
فالدول التي تربط أمنها بإرادة قوة خارجية تظل رهينة حساباتها، بينما تفرض الوقائع الإقليمية البحث عن تفاهمات تقلّل كلفة المواجهة وتمنع انفجار الأزمات.
وهنا تتراجع فكرة أن المنطقة يمكن أن تُدار من مركز واحد، أو أن إرادة الشعوب قابلة للكسر بمجرد الحصار والتهديد.
لكن هذا التحول لا يُقاس بالتصريحات وحدها؛ بل بمدى استقلال القرار الإقليمي، وقدرة دول المنطقة على منع استخدام أراضيها ومقدراتها لخدمة الحروب، وتقديم مصالح شعوبها على حسابات القوى الكبرى.
رابعًا: فلسطين ومحور المقاومة… الامتحان الذي لا تخفيه الدبلوماسية
تبقى فلسطين المعيار الأخلاقي والسياسي الأوضح لأي تحوّل إقليمي.
فالتقارب بين العواصم لا يكتسب معناه الحقيقي بمجرد عقد الاجتماعات، وإنما بما ينتج عنه من مواقف عملية إزاء الاحتلال والعدوان والحصار وحقوق الشعب الفلسطيني.
أما اليمن ولبنان وسائر جبهات المواجهة، فلا ينبغي أن تتحول إلى أوراق تفاوض تُستخدم لتبادل المصالح على حساب سيادة الشعوب وحقوقها.
وإذا كانت المرحلة تفرض لغة الحوار، فإن صدقية هذا الحوار تُختبر بوقف الحروب، ورفض العدوان، وعدم توفير الغطاء السياسي للاحتلال، وبناء منظومة أمن إقليمي لا تقوم على استهداف طرف لحساب آخر.
إن وحدة الأمة لا تُستعاد بتبديل التحالفات وحده، بل بمراجعة السياسات التي عمّقت الانقسام، وإعادة الاعتبار للقضية الفلسطينية بوصفها قضية مركزية لا بندًا قابلًا للمساومة.
الخاتمة: لا تُقاس التحولات بالأبواب المفتوحة بل بالحقوق المصونة
من حلف مكة إلى طهران، ومن رهانات إخضاع اليمن إلى البحث عن مخارج إقليمية، تتكشف حقيقة سياسية أساسية: الشعارات لا تستطيع إلغاء الجغرافيا، والقوة لا تضمن إخضاع الإرادات، والتحالفات لا تبقى ثابتة حين تتغير المصالح وموازين القوى.
لكن السؤال الذي سيحكم على هذه التحولات ليس: من التقى مَن؟ بل: ماذا سيتغير على الأرض؟
هل ينتهي العدوان على اليمن، وتُصان سيادته، ويُفتح طريق السلام العادل؟
وهل تتحول المواقف المعلنة من فلسطين إلى خطوات عملية تحاصر الاحتلال بدل أن تحاصر الشعوب؟
هناك فقط يمكن الحديث عن تحوّل استراتيجي حقيقي. أما دون ذلك، فستبقى أبواب الدبلوماسية مفتوحة، فيما تظل أزمات المنطقة أسيرة الحسابات القديمة، مهما تبدّلت الشعارات وتغيّرت العناوين.
Comments are closed.