من برلين إلى لشبونة.. لماذا خرج مئات الآلاف للاحتجاج في أوروبا؟
فما شهدته مدن ألمانية عدة بينها فرانكفورت وبرلين وكولونيا وهامبورغ ، يوم الأحد ، من أعمال شغب واشتباكات تخللها نهب متاجر ومهاجمة طواقم الطوارئ على خلفية احتجاجات على ارتفاع تكاليف المعيشة، لم يكن حدثاً معزولاً، بل جزء من موجة متزامنة تشمل فرنسا التي شارك فيها أكثر من 320 ألف شخص السبت وفق وزارة الداخلية الفرنسية، والبرتغال وإيطاليا وإسبانيا. هذا التزامن يطرح سؤالاً واحداً: لماذا الآن؟
الاقتصاد يخنق الجيوب: تضخم 3.8% ونمو 1.1%
وفي محاولة الإجابة على هذا السؤال، يبدو المحرك الأول الذي تجمع عليه كل المصادر هو تآكل القدرة الشرائية. فوفق بيانات مكتب الإحصاء الأوروبي “يوروستات” التي نقلتها وكالة الأناضول، ارتفع التضخم في منطقة اليورو في سبتمبر إلى 3.8% مقارنة بـ 3.2% في أغسطس بفعل ارتفاع أسعار الوقود.
هذا الارتفاع يأتي في لحظة انكماش، حيث توقع صندوق النقد الدولي في تقرير صادر في 13 أكتوبر الماضي، تباطؤ نمو منطقة اليورو إلى 1.1% عام 2026، وخفض توقعاته لنمو الاقتصاد الفرنسي إلى 0.4% فقط. الصندوق نفسه أشار إلى أن عجز الموازنات لا يزال مرتفعاً في عدد من الدول، وهو أحد المحركات الرئيسية لتراكم الدين.
وفي هذا السياق، قال المحلل الاقتصادي المغربي ياسين اعليا، في حديث لوكالة الأناضول، إن “أوروبا تعاني من أزمة مرتبطة بعدم قدرة شركاتها حاليا على منافسة الصين في القطاعات الصناعية، إلى جانب الضغوط التي تمارسها الولايات المتحدة الأمريكية عليها”، مضيفاً أن “عوامل أخرى ساهمت في تردي الوضع الاجتماعي مثل تراجع الإنفاق على القطاعات الاجتماعية، وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين، فضلا عن تدهور مستوى الخدمات الاجتماعية”.
ووفق تحليل الأناضول، تواجه أسواق النفط ضغوطاً متزامنة بفعل اضطراب الإمدادات وتداعيات الحرب الأمريكية “الإسرائيلية” على إيران والتوترات المرتبطة بالملاحة في مضيق هرمز.
أزمة السكن.. الشرارة التي أشعلت لشبونة
وإذا كان الغلاء هو القاسم المشترك، فإن السكن هو القنبلة الموقوتة في جنوب أوروبا. فوفق وكالة رويترز، تواجه البرتغال واحدة من أسوأ أزمات الإسكان في أوروبا، حيث تضاعفت أسعار المنازل أكثر من مرتين منذ عام 2017، وارتفعت قيمة عقود الإيجارات الجديدة بنحو الضعف، ويعد الشباب الأكثر تضرراً.
ونقلت رويترز تفاصيل ما جرى، فجر الأحد، في لشبونة، حيث أزالت الشرطة البرتغالية مخيماً للاحتجاج في ساحة روسيو بوسط العاصمة، أقامه ناشطون عقب مسيرة شارك فيها الآلاف احتجاجاً على مشروع قانون للإيجارات يقولون إنه سيؤدي لتفاقم أزمة الإسكان. المحتجون نصبوا أكثر من 50 خيمة قبل أن يتدخل عشرات من أفراد الشرطة برفقة كلاب بوليسية عند الساعة 04:30 بتوقيت جرينتش لإخلاء المخيم بعد تحذيرهم ثلاث مرات.
المطلب هو إلغاء مشروع القانون الذي يسهل عمليات الإخلاء وينهي سقف الإيجارات في العقود الجديدة، والذي اجتاز القراءة الأولى في البرلمان. رئيس الوزراء لويس مونتينجرو، استبعد إلغاء المشروع لكنه أبدى استعداده لتعديله، فيما حث زعيم الحزب الاشتراكي جوزيه لويس كارنيرو الحكومة على الدخول في محادثات بدلاً من “فرض آرائها بعجرفة”.
نفس الملف يتكرر في إسبانيا وأيرلندا. ووفق ما نشرته صحيفة اليوم السابع المصرية، تبرز صعوبة الحصول على مساكن بأسعار مناسبة باعتبارها أحد أبرز الملفات التي تحرك الشباب في إسبانيا والبرتغال وأيرلندا.
التعليم ينهار.. والشباب يغلق الجامعات
الشرارة بدأت من المدارس. ففي ألمانيا، ذكرت وكالة سبوتنيك الروسية ، أن الاحتجاجات شملت برلين وفرانكفورت وماينتس وميونخ ونورمبرغ ودريسدن ولايبزيغ، وسط انتشار أمني واسع، فيما تستعد حركة “جين زد ريجلت” لتنظيم تحركات في 34 مدينة.
وبحسب بيانات التسجيل عبر موقع الحركة التي نقلتها سبوتنيك، تجاوز عدد الذين أعلنوا رغبتهم في المشاركة 182 ألفاً و100 شخص. المتحدثة باسم الحركة ، فيرونيكا دينتر ، قالت لسبوتنيك إن الشباب يعيشون مرحلة محفوفة بالمخاطر دون أن تحظى أصواتهم بالاهتمام الكافي، مشيرة إلى أن المؤسسات المعنية بإعدادهم للحياة تفتقر إلى التمويل.
المتحدثة الأخرى، لينا فريدريش، قالت لموقع بي بي سي، إن المظاهرات تهدف إلى “النضال من أجل السلام والحرية، بدلاً من الحرب والإكراه”، مؤكدة أن نحو 120 ألف شخص شاركوا في تظاهرات بأنحاء البلاد، بينما أفادت السلطات في فرانكفورت وميونيخ وبرلين بوجود ما يصل إلى 18 ألف متظاهر.
في فرنسا، التصعيد أكبر. ونقلت وكالة فرانس برس عن المتحدثة باسم اتحاد طلاب فرنسا واتحاد طلاب المدارس الثانوية، صابرين خرباشن، قولها خلال مسيرة في باريس: “سنغلق الثلاثاء جامعاتنا ومدارسنا الثانوية، وسنكرر ذلك الخميس”. رئيس اتحاد طلاب فرنسا رياض راني، قال لذات المصدر: “نحن لا نطالب بالرفاهية، ولا نطلب وجود أجهزة ماك بوك في كل قاعة دراسية، بل نطالب بظروف تضمن الكرامة”.
وتشير صحيفة اليوم السابع المصرية، إلى أن تخفيضات الإنفاق على التعليم العام أثارت احتجاجات في اليونان والنمسا وبلجيكا، مما يؤكد أن سياسات خفض الإنفاق العام التي تتهم بها الحكومات هي محرك عابر للحدود.
السلاح بدل المدارس.. صراع الأجيال
العنصر الجديد في احتجاجات 2026 ، هو رفض زيادة الإنفاق العسكري. فالمتظاهرون في ألمانيا، بحسب بي بي سي، رفعوا لافتات كُتب عليها “حان وقت المقاومة” و”على ميرتس أن يرحل” في إشارة إلى المستشار فريدريش ميرتس، كما يعترضون على زيادة الإنفاق العسكري ونموذج جديد للخدمة العسكرية الطوعية يخشون أن يمهد لإعادة التجنيد الإلزامي.
وتضيف سبوتنيك، أن المحتجين يضعون ارتفاع تكاليف المعيشة وتدهور أوضاع المدارس في مقدمة أسباب تحركاتهم، متهمين النخب السياسية بتجاهل احتياجات الشباب. وفي إيطاليا، يضاف إلى هذه الملفات الاعتراض على زيادة الإنفاق العسكري وسياسات إعادة التسلح، وفق اليوم السابع.
هذا يفسر لماذا تقود الاحتجاجات حركة تسمي نفسها “جيل زد يتولى زمام الأمور”. إحدى المتحدثات باسمها قالت لبي بي سي، إن الشباب يشعرون بأن السياسيين لا يستمعون إليهم ولا يراعون مستقبلهم.
من المطلب الاجتماعي إلى الأزمة السياسية
السلطات ردت بلغة أمنية. حيث قال وزير الداخلية الألماني ألكسندر دوبريندت، لصحيفة “بيلد” ونقل عنه موقع بي بي سي، إن الشرطة تمكنت من منع وقوع “أعمال عنف كتلك التي شهدتها باريس”، داعياً إلى فرض “عقوبات صارمة” على مثيري الشغب. وفي فرنسا، نشرت السلطات نحو 70 ألف شرطي ودركي، وأعلنت توقيف نحو 300 شخص حتى السادسة مساء السبت، وفق وزارة الداخلية الفرنسية التي نقل عنها موقع بي بي سي.
هذا المنحى الأمني دفع الأمينة العامة لمنظمة العفو الدولية أغنيس كالامار ، للتحذير في تدوينة على منصة “إكس” رصدتها وكالة سبأ، من أن “فرنسا تنزلق أكثر فأكثر كل يوم نحو نظام حكم قاتل للحريات واستبدادي”، مضيفة أن “وضع النشطاء قيد الإقامة الجبرية لأنهم يعارضون سياسات حكومتهم، هو محاولة لتخويف وترهيب كل أشكال الاحتجاج”.
وفي الخلفية، يرى مراقبون تحولاً أعمق. فقد قال الممثل الخاص للرئيس الروسي كيريل دميترييف، في تدوينة على “إكس” نقلتها وكالة سبوتنيك تعليقاً على احتجاجات بولندا: إن “أوروبا ليست على ما يرام، مع المهاجرين وإشعال الحروب والاحتجاجات والانقلابات.. كفّروا عن ذنوبكم”.
أما ياسين اعليا فاعتبر في حديثه لوكالة لأناضول أن تحركات الشباب مؤشر على اهتزاز البنية المجتمعية، وربط الضغوط بالتحولات في موازين الاقتصاد العالمي وتنامي وزن دول مجموعة “بريكس” مقارنة بالاتحاد الأوروبي.
الخلاصة أن ما يحدث في أوروبا ليس مجرد موجة غلاء عابرة. هو تلاقي ثلاث أزمات: اقتصادية (تضخم 3.8% ونمو 1.1% وديون مرتفعة)، واجتماعية (سكن مستحيل وتعليم متهالك)، وسياسية (شعور جيل كامل بأنه غير ممثل، وتوجه الحكومات نحو العسكرة والتقشف).
ولذلك تتحول احتجاجات الشباب من مطالب طلابية إلى “كرة ثلج” تهز الحكومات، لأنها تلامس جوهر العقد الاجتماعي الأوروبي الذي تآكل: أن تعمل وتدرس لتضمن حياة كريمة. وعندما يصبح هذا غير مضمون، يصبح الشارع هو البديل.
Comments are closed.