المنبر الاعلامي الحر

إطار مقترح للتسوية بين صنعاء والرياض: حتمية الاستدارة السعودية والصفقة الاضطرارية!!

إطار مقترح للتسوية بين صنعاء والرياض: حتمية الاستدارة السعودية والصفقة الاضطرارية!!

يمني برس |
في الحقيقة، أن رؤية الباحث هذه للتسوية بين صنعاء والرياض تأتي من إحداثيات الواقع الذي يشير إلى خطورة ما يدور في الوقت الراهن من مواجهات بين الطرفين، وذلك في حال إستمرت معركة الحصار بالحصار المتدحرجة (لا سمح الله)؛ والعجيب هنا هو في حالة الإنتظار السعودي لحدوث معجزة قد تدير عقارب الساعة إلى الوراء..!!

فمن الواضح لكل عين مراقبة بحياد مدى إصرار صنعاء على بلوغ هذه المعركة مداها أيا كانت النتائج، فمن غير المعقول أن نترجى تراجعا ممن بلغ به سيل الزبى منتهاه، ويرى شعبه يعاني الأمرين منذ 12 عاما من تداعيات الحصار، ولم يعد له من الصبر زاد يسكن به لواعج التجاهل والتنكر السعودي، خاصة وقد أدرك الشعب مدى صلابة مواقف الرياض، وإصرارها على رؤيته يعاني الأمرين منذ 12 عاما من تأثير تداعيات الحصار؛ ومما لا ريب فيه لكل مراقب حصيف ومنصف أن صنعاء تخوض حربا واضحة الأسباب ومحددة الإنتهاء بزوال تلك الأسباب، فلا قول إذا سيعتبر بعبثية هذه الحرب، ولا إنها مجرد حرب بالوكالة لصالح إيران.

وبالرغم من أن موضوع الرؤية هذه ليس بالجديد، فهناك في الواقع العديد من الدول والشخصيات الدبلوماسية الحصيفة التي طرحت أو تبنت مثلها أو كمبادرات سلام، ولعل آخرها تحرك مصر وذلك بحسب ما أعلنته قناة “العربي” في قطر في 20 أكتوبر الجاري نقلا عن مصدر لم تذكر القناة طبيعته؛ كما أطلقت الكثير من الدعوات بضرورة التهدئة بين صنعاء والرياص بناءا على خارطة طريق 2023.

وبالرغم أيضا من أن دعوات التهدئة وفقا لخارطة الطريق تلك لم تعد تلبي إحتياجات طرف صنعاء بالذات؛ فنحن لا نعلم تحديدا بوجود أي مبادرة “متكاملة” لحل مأزق الصراع ما بين صنعاء والرياض فيما عدى الخارطة تلك التي يجمع كثير من المراقبين على عدم إمكانية إعادة تفعيلها بنفس الصورة؛ ولذلك جاء اقتناعي بوجوب التقدم بهذه الرؤية من باب إسقاط الحجة التي تلزمني كمتخصص في العلوم السياسية وبالأخص في قضايا الأمن الإقليمي ومسائل التفاوض وحل النزاعات، وإنطلاقي في النهاية من حال الخوف على مستقبل البلدين.

وتقوم رؤيتي هذه على إطار عام مقترح للتسوية ما بين الرياض وصنعاء؛ وذلك وفقا لما يلي:

الندية وفصل الملفات والحوار (اليمني – اليمني):
في البداية، يجب على الرياض الإقتناع بخلع رداء التعالي والجلوس “كطرف مباشر وند مساوي” أمام صنعاء؛ وكذا تجاوز صيغة “الوسيط” السعودي؛ بالترافق مع عزل ملف “الشرعية والفصائل المحلية” عن ملف التسوية بين صنعاء والرياض، وترحيله إلى بند مستقبلي يتم تضمينه في مشروع هذا الاتفاق المحتمل الذي سينص على “ضرورة عقد حوار يمني – يمني سلمي داخلي”، وذلك ما سيسحب – على أية حال – أي مبررات أمريكية للاعتراض على مشروع هذا الإتفاق.

وقف شامل للمواجهات بين الطرفين:
– يلتزم الطرفان بوقف شامل للمواجهات المسلحة وإيقاف كافة أشكال الدعاية والحملات الإعلامية فيما بينهما.
– تلتزم صنعاء بالوقف الشامل للضربات الصاروخية والطائرات المسيرة على الأهداف والأراضي السعودية عموما، وأفراد الجيش والأهداف العسكرية السعودية.
– تلتزم السعودية بالوقف الشامل لإستهداف المدنيين والبنى التحتية المدنية وكافة الأهداف العسكرية في الأراضي الخاضعة لصنعاء.

الانسحاب السعودي الكامل في مقابل أمن الحدود المسئول:
التزام الرياض بالانسحاب العسكري الشامل والكامل (بما فيه الوجود الرمزي) من الأراضي اليمنية عامة، ويستعاض عنه بـ”اتفاقية أمن حدود ثنائية ندّية ومسئولة”، بحيث تقيم هذه الإتفاقية منطقة منزوعة السلاح الثقيل على جانبي حدود عام 2000، وتعتمد على آليات تنسيق تقنية من وراء الحدود، وبما يحمي أمن المملكة دون المساس بسيادة اليمن؛ ويلتزم طرف صنعاء بما يتوجب تجاه الجزء المسيطر عليه من الحدود بقواته وذلك لحين التوصل إلى الإتفاقية المشار إليها آنفا (بند موجود في خارطة الطريق الحالية).

رفع سعودي ناجز لمظاهر لحصار الاقتصادي:
– ضمان تمتع صنعاء بموانئها البحرية دون أي قيود.
– ضمان حرية استخدام صنعاء للمطارات والأجواء الواقعة تحت سيطرتها لأي وجهة ومن أي وجهة كانت.
إنشاء صندوق إقليمي لإعادة الإعمار والتعويضات وجبر الضرر في اليمن:
تلتزم السعودية بإنشاء صندوق إقليمي لإعادة الإعمار والتعوضات وجبر الضرر في اليمن، توضح طبيعة مهامه في قرار إنشائه ولائحته الداخلية، على أن يختص بالمسائل التي يتفق بشأنها وهي كالتالي:
– دخول السعودية في قضية التعويضات لطرف صنعاء على أساس مسؤوليتها عن عمليات القصف العشوائي الذي طال المدنيين والأعيان المدنية.
– مبدأ “جبر الضرر” يعد مبداء أصيلا في عمل الصندوق.
– يشمل مبدأ “جبر الضرر” التعويضات المدنية والخاصة فقط.
– يقتصر تعامل حكومة صنعاء فيما يتعلق بأموال التعويضات على الجانب العام؛ على أن تحتفظ صنعاء فقط بإشرافها مباشرة على جانب التعويضات المدنية والخاصة،على سبيل المثال: تحديد الضرر وفق اسس موضوعيه، ومراقبة شفافية إجراءات الصرف.
– تنشأ هيئة حكومية من طرف صنعاء تكون مسئولة عن اعادة الاعمار العامة، وتودع اموال اعادة الاعمار العامة في صندوق خاص يتبع الهيئة، ولا ترصد اي اموال لمواجهة اعادة الاعمار للمنشآت العسكرية.
– تودع اموال التعويضات في الصندوق بنسب مقبولة لتغطية إلتزاماته تجاه طرف صنعاء، على ان تكون السعودية هي المسئولة اجمالا عن توفير اموال الصندوق بغض النظر عن ممولي الصندوق وجنسياتهم ما عدى اسرائيل.
– يتم إعتماد مبدأ “التعويض” فقط في التعويض العام منه؛ بينما يعتمد في التعويض المدني والخاص مبدأي “التعويض” و “جبر الضرر”.
– تعتبر شروط التعويضات وإعادة الإعمار من البنود السيادية الشائكة في مشروع هذا الإتفاق؛ وهو ما يجب مراعاته من قبل طرفي مشروع الإتفاق (الرياض وصنعاء).

المرتبات والبنك المركزي وإيرادات النفط:
إنطلاقا من التفاهمات بين الرياض وصنعاء تحل مسألة دفع المرتبات لموظفي الدولة كافة مدنيين وعسكريين، وذلك وفقا لما يلي:
– تلتزم السعودية بإعتماد المبالغ الخاصة بدفع المرتبات عبر أي وسيلة تتوصل إليها السعودية في ظل واقع الفيتو الأمريكي، على أن تودع المبالغ في بنوك تجارية أو مؤسسات صرافة خاصة، ويكون ذلك لفترة صرف تحدد بستة شهور، وتدفع المرتبات بموجب كشوف 2014 (مدنيين وعسكريين) بالريال السعودي أو بالدولار الأمريكي.
– لحكومة صنعاء حق الإشراف على عملية الصرف فيما يخصها من الموظفين، وتكون عملية الصرف عبر بنوك أو صرافين معتمدين من صنعاء وبصورة مباشرة من مصدر التمويل إلى المستفيد دون أي وسيط.
– تنتقل إلى مسئولية حكومة عدن توفير المبالغ اللازمة لصرف مرتبات الموظفين المدنيين التابعين لحكومة صنعاء شهريا وبما يوازيها بالعملة الصعبة (وفقا للستة شهور الأولى المنصرفة من الالتزام السعودي) وذلك من ايرادات بيع حكومة عدن للنفط، ولحين إنتهاء إجراءات اعادة البنك المركزي في صنعاء وتوحيد العملة والإيرادات النفطية والغازية، حينها يصبح البنك المركزي بصنعاء هو المسؤول عن صرف المرتبات وبما يدعم عملية السلام بين الفرقاء اليمنيين.
– تتحول تلك النسبة التي تلتزم حكومة عدن بدفعها الى حكومة صنعاء إلى 70% من الإيرادات النفطية مع إنتهاء فترة الالتزام السعودي بدفع المرتبات لكافة موظفي الدولة (ستة شهور)، وتتولي حكومة صنعاء مسئولية الصرف للموظفين في المناطق الواقعة تحت سيطرتها.
– ترفع صنعاء كل القيود التي فرضتها على حكومة عدن فيما يتعلق بالصادرات النفطية مباشرة بعد توقيع الاتفاق بين صنعاء والرياض.
– يلتزم كلا من الرياض وحكومة عدن بالدفع لصنعاء وبأثر رجعي لما يوازي 50% من ايرادات النفط اليمني الموردة لحسابات الصادرات النفطية اليمنية في البنوك اليمنية أو السعودية، ويكون الدفع بالعملة الصعبة من قيمة المبيع، وتكون فترة الإستحقاق من بداية السيطرة على الإيرادات النفطية وحتى تاريخ توقيع الإتفاق هذا بين صنعاء والرياض.
– صرف المرتبات بعد إنتهاء فترة الستة شهور بصفة مستمرة يكون من مسئولية كل طرف (صنعاء وعدن) من نسبته المقررة في إتفاق الرياض وصنعاء (70% , 30%)، على أن تعود مسئولية الصرف للمرتبات لكافة موظفي الدولة (مدنيين وعسكريين) الى البنك المركزي بصنعاء بشكل مستمر وبأثر رجعي وبالآلية المناسبة لذلك بعد الإنتهاء من إجراءات توحيد البنك المركزي والعملة وإيرادات النفط والغاز.
– رجعية صرف المرتبات تكون مسئولية البنك المركزي بصنعاء الذي سيتقدم بالحل المهني المناسب لها دون أدنى تدخل من الجهاز الحكومي في صنعاء أو عدن، وبإعتبار المرتبات المتأخرة “دَين سيادي مصان ومجدول”.
– تلتزم حكومتا صنعاء وعدن بالعمل على بتدشين إجراءات المسائل الإقتصادية المتعلقة بالمرتبات وتوحيد العملة وإعادة إختصاص البنك المركزي بصنعاء، وذلك بعد توقيع مشروع هذه الإتفاقية مباشرة.
نقاط إستدراكية على إطار التسوية:
عقلانية بنود صرف المرتبات:
إن الإصرار على استلام متأخرات السنوات الماضية ككتلة واحدة علنية هو شرط تعجيزي ينسف الاتفاق؛ والمخرج يكمن في قبول “المرتبات الجارية بانتظام كامل فورا” بعملة صعبة مستقرة (الدولار أو الريال السعودي) عبر شبكات الصرافة المدنية المحايدة لكافة موظفي كشوفات 2014 دون إستثناء، مع تحويل المتأخرات السابقة إلى “دَين سيادي مصان ومجدول” وقابل للصرف مباشرة، وهو ما سينعش اقتصاد صنعاء فوراً، وبصورة عقلانية، ويعمل كرافعة شعبية لنجاح الاتفاق وإستقراره.
جني صنعاء العقلاني لثمار الردع وتسييل عملة الانتصار:
إن معركة “الحصار بالحصار” قد حققت حتى الآن أغراضها بتميز؛ والاستمرار في التصعيد مرهون بعودة الرياض عن تجاهل حقوق صنعاء؛ وفي حال قبول الرياض بالأفق السياسي بين الطرفين، وتقبل صنعاء أقصى قدر عقلاني من شروط الرياض، فإن ذلك سيقود بلا شك إلى تخفيف العبء الإجتماعي الداخلي عن كاهل صنعاء، ويصبح القبول بما تضمنته هذه الرؤية بمثابة تحول ذكي من “المواجهة المستمرة” الى “مهمة بناء الدولة المستقرة”.
الوفاء السعودي الواضح بالالتزامات الكاملة في التعويضات وحبر الضرر والمرتبات:
– رفع الحرج المباشر (القانوني والسياسي) عن السعودية بإخراجه في شكل صندوق إقليمي، وفي المقابل الإلتزام الكامل من السعودية بتمويل الصندوق، وللسعودية الحرية في تنويع مصادر التمويل للصندوق دون عرقلة عمله (نقطة مركزية على صنعاء القبول بها).
– انشاء الصندوق الإقليمي سيسهل على السعودية إيداع الأموال، ويمكن من تجاوز الفيتو الأمريكي الذي يعمل على آلية الخزانة الأمريكية، وكذا على المصارف السعودية عامة.
– بصفة عامة، تتولى الرياض مسئولية ضمان عدم قيام واشنطن بخطوات موجهه للإتفاق بغرض افراغه من محتواه، وحتى بعد إبداءها لرضاها عنه.
– أن تُدفع الأموال السعودية المخصصة للصندوق تحت بند “اعادة الإعمار والتعويضات وجبر الضرر” وليس كمساعدات إنسانية لمعالجة أضرار الحرب.
نسبة الإدارة المباشرة وغير المباشرة من أموال الصندوق من قبل صنعاء:
– تحصل الحكومة في صنعاء على نسبة معينة من أموال الصندوق لتديره بشكل حر ومباشر، ألا وهو الجزء المخصص لإعادة الإعمار في جانب القطاع العام.
– تحصل حكومة صنعاء على حق الإدارة غير المباشرة في مجال التعويضات وجبر الضرر في القطاعين المدني والخاص.

( قد تفرض بعض التفاصيل في مشروع هذا الاتفاق مراعاة الأعراف الدبلوماسية وهو أمر معتاد ولا ضير فيه، ما دامت الخطوات تتضمن كافة الالتزامات والضمانات، فهي في النهاية خطوات مفهومة في دلالاتها ما دامت ستخدم فكرة التسوية ولا تعني مطلقا اتخاذ سياسات الغرف المظلمة)

نتائج متوقعة لمشروع رؤية التسوية:
تثبت معطيات معركة “الحصار بالحصار” أن الرهانات البديلة من قبل الرياض قد استُنفدت، وإنه قد آن الأوان لهندسة مرنة لملفي التعويضات والمرتبات وبالعملة الصعبة، وأنه لا مناص من الإنسحاب السعودي العسكري الكامل المتبوع باتفاقية أمن حدود ندّية؛ وكل ذلك لن يمثل صك هزيمة لأي طرف، بل هو “تلاقي شجاع وخروج آمن” يحول الملف الإنساني والاقتصادي إلى رافعة استقرار شاملة تحمي أمن الطاقة والاستثمار السعودي، وتضمن لليمن عامة السيادة والاستقرار لليمن. والله وحده سبحانه من وراء القصد.
* أستاذ العلاقات الدولية بجامعة صنعاء

Comments are closed.