المنبر الاعلامي الحر

58 عاماً على الاستقلال: قصة طرد “بالقوة” لا “خروج طوعي”

تحتفل اليمن في الثلاثين من نوفمبر بالذكرى الثامنة والخمسين لـ عيد الاستقلال الوطني، وهو اليوم الذي شهد خروج آخر جندي بريطاني من عدن عام 1967، بعد 128 عاماً من الاحتلال، تأتي هذه الذكرى لتؤكد على حقيقة تاريخية مفادها أن الاستقلال لم يكن منحة أو خروجاً طوعياً، بل كان تتويجاً لـ كفاح مسلح وثورة شعبية أُجبرت القوات البريطانية على الانسحاب تحت وطأتها.

يمني برس | تقرير خاص

نكتة “الخروج الطوعي”: هزيمة استعمارية موثقة

في سياق الاحتفالات، يبرز السرد الوطني اليمني الذي يرفض مقولة “الخروج الطوعي” لبريطانيا من اليمن، مؤكداً أن القوات الاستعمارية أُخرجت بالقوة وخسرت بلداً كانت تحكمه بالنار، هذا الإخراج القسري هو ما يمنح يوم الاستقلال معناه الحقيقي كـ يوم جلاء وانتصار.

 

عدن: رأس جسر عسكري ومخزن للأسلحة المحرمة

لقد كانت التجربة الاستعمارية البريطانية في جنوب اليمن، وتحديداً في عدن، تجربة ذات أبعاد استراتيجية وعسكرية واقتصادية عميقة.

تحولت عدن إلى مقر للقيادة الاستعمارية البريطانية في بلدان الجزيرة والخليج العربي والشرق الأوسط، كما كانت محطة ترانزيت حيوية لتزويد الأساطيل التجارية الإنجليزية بالوقود، وقاعدة عسكرية لتأمين حماية الطرق والممرات البحرية المؤدية إلى مناطق الهند وشرق أفريقيا.

الأخطر من ذلك، ووفقاً للمعلومات التاريخية، فإنه في مطلع الستينيات كانت القوات الإنجليزية المسلحة في عدن مزودة بأسلحة محرمة، فقد خُزنت الأسلحة النووية في مناطق مثل البريقة والعوالق وحضرموت ومكيراس والضالع وبيحان وجزيرة سقطرى ومضيق باب المندب ومثلت عدن، بعد الحرب العالمية الثانية، نقطة ارتكاز ورأس جسر عسكري لحلف الأطلسي (الناتو) للقيام بأعمال عدوانية ضد حركات التحرر الوطنية العربية والأفريقية.

كما أنشأ الإنجليز مطارات حربية في جزيرة كمران، بالإضافة إلى المطار الرئيسي في خور مكسر، وتمركزت فرقهم الحربية في مكيراس والضالع وبيحان ولحج وغيرها من المشيخات والسلطنات.

 

إفقار ممنهج واقتصاد “طفيلي مشوه”

على الصعيد الاقتصادي، ارتبط الوجود الاستعماري بـ إفقار الشعب اليمني وتحطيم الاقتصاد الطبيعي في المدينة والريف، أصبحت المناطق الجنوبية سوقاً مفتوحاً لمنتجات الشركات الاحتكارية الأجنبية، وقضت السلع البريطانية على الورش والصناعات الحرفية الوطنية، مما أدى إلى استيراد الأقمشة والملبوسات والأدوات المنزلية بالكامل من الخارج.

اقتصر اهتمام المستعمرين على تطوير الجوانب الخدمية في مستعمرة عدن، كالتسهيلات التجارية والمالية، على حساب نمو الصناعة والزراعة، مما أوجد اقتصاداً طفيلياً مشوهاً.

وكانت أوضاع الريف اليمني أكثر رداءة وتخلفاً، حيث دعم الاستعمار العلاقات الإقطاعية المتخلفة التي شكلت حاجزاً أمام تطور القوى المنتجة، وأقام تحالفاً سياسياً مع السلاطين الإقطاعيين لفرض الهيمنة.

قمع وتكتيك “وحد تسد”

قامت السيطرة البريطانية على أساس قمع الغالبية الشعبية وتقريب حفنة من المرتزقة، وتشير الإحصائيات إلى كثافة أمنية عالية، حيث كان في عدن رجل بوليس واحد لكل 250 مواطناً، مقارنة برجل بوليس لكل 750 مواطناً في إنجلترا نفسها.

كما أعطيت قوات الاحتلال حق التعرض والتفتيش والاعتقال ومصادرة الوثائق، بعد الحرب العالمية الثانية وصعود حركات التحرر، غيرت بريطانيا استراتيجيتها من “فرق تسد” إلى تكتيك جديد هو “وحد تسد”، تم تنفيذ هذا التكتيك من خلال لم شمل السلطنات والمشيخات العميلة في كيان سياسي واحد هو “اتحاد إمارات الجنوب العربي” عام 1959م، بهدف حماية المصالح الاستعمارية ومواجهة النشاط الثوري.

نصت الاتفاقية على حق الإنجليز في توزيع قواتهم وإقامة القواعد العسكرية واستخدام القوات المسلحة للاتحاد لحماية مصالح بريطانيا، كما رُبط جيش الاتحاد بوزارة الدفاع البريطانية.

وفي عام 1962، تم ضم عدن إلى عضوية الاتحاد، مما عزز سيطرة بريطانيا وجعل وجود قاعدتها الحربية “قانونياً”.

 

ثورة 14 أكتوبر: الشرارة التي أحرقت المشروع الاستعماري

قوبلت مشاريع الاتحاد وضم عدن إليه برفض شعبي واسع ونضالات جماهيرية قُمعت بشدة، لكن الشرارة الحقيقية انطلقت مع ثورة 14 أكتوبر 1963م في ردفان.

يصف المناضل عبد الله باذيب هذه الثورة بدقة قائلاً: “ثورة 14 أكتوبر كانت نتيجة طبيعية لتطور حركة التحرر الوطنية في الجنوب اليمني، واستمراراً للنمو اللاحق للثورة في الشمال، وجزء من الثورة العربية العامة الموجهة ضد الاستعمار والامبريالية والاستعمار الجديد، وإذا كانت مُطالبة الانجليز لأبناء ردفان بتسليم السلاح والخضوع لسلطة أمير الضالع العميل هي السبب المُباشر لانتفاضتهم، فإن السبب الحقيقي يكمن في ظروف القهر والاستغلال الاستعماري وللطغيان السلاطيني، التي عاشها شعبنا في ظل الحكم البريطاني.”

احتضن شمال الوطن التحضيرات الأولى للثورة، وأفضت المفاوضات بين حركة القوميين العرب والمنظمات السياسية الجنوبية إلى تشكيل الجبهة القومية لتحرير الجنوب اليمني المحتل، التي أقرت الكفاح المسلح كأداة أساسية.

تكللت هذه الثورة المجيدة بالانتصار بعد خمس سنوات من التضحيات، بخروج آخر جندي بريطاني في 30 نوفمبر 1967، معلنةً ميلاد دولة مستقلة.

Comments are closed.