المنبر الاعلامي الحر

جبل الشيخ: صراع الوجود بين “الفرات والنيل” و”الخلافة الجديدة”

لطالما كانت جغرافيا فلسطين هي النقطة المحورية التي تدور حولها صراعات المنطقة بأسرها، فمحاولة فصل أي نزاع إقليمي عن القضية الفلسطينية هي محاولة “عبثية” تهدف إلى التغطية على الحقيقة.

ويؤكد التاريخ أن النأي بالنفس عن فلسطين لم يجلب الازدهار أو الاستقرار، بل إن كل من ابتعد عنها ابتعد عن الاستقرار، وهو ما يتجلى في استمرار الأزمات في دول مثل السودان وليبيا. إن الدول التي ازدهرت، مثل دول الخليج، فعلت ذلك عندما استخدمت النفط كسلاح من أجل فلسطين في حرب تشرين عام 1973، وكان عنوان ذلك اليوم المجيد هو فلسطين.

يمني برس | تقرير

جبل الشيخ: بيضة القبان التي تحسم مصير المنطقة
ينتقل المشهد الاستراتيجي للتركيز على نقطة جغرافية واحدة ذات “سلة عميقة في الاستراتيجية والجغراسية والسياسة والجغرافية” وهي جبل الشيخ (حرمون) هذا الجبل، الذي يطرح الآن على طاولة المفاوضات، يمثل مفتاحاً لفهم الصراع الدائر على سوريا ومعها، وهو ما يفسر تصريح دونالد ترامب الأخير حول قيمته التي تعادل “تريليونات الدولارات”.
يُعد جبل الشيخ “شيخ المنطقة” لأسباب تتجاوز ارتفاعه، فهو يمثل أضخم خزان مياه في المنطقة، حيث تنبع منه روافد مائية أساسية للبنان وفلسطين والأردن (الوزاني، الحاصباني، اليرموك).

وقد أدرك بن غوريون هذه الأهمية مبكراً، واصفاً المرتفعات الشمالية بأنها “التي ستنقذ إسرائيل من الخطر المائي”، بالإضافة إلى ذلك، تشير التقديرات إلى أن جبل الشيخ هو مخزن ومستودع كبير للمعادن الثمينة مثل السيليكون وغيره من المعادن ذات القيمة الصناعية العليا.

أما استراتيجياً، فإطلالته الحاسمة على دمشق، وعمق فلسطين حتى حيفا، والأردن، وأطراف الأنبار العراقية، والبحر المتوسط، تجعله نقطة سيطرة لا يمكن الاستغناء عنها.

تاريخ الصراع: الهزيمة التي لا تُنسى
أدرك الإسرائيليون قيمة جبل الشيخ بعد حرب 1967، لكنهم تلقوا هزيمة استراتيجية في حرب 1973 عندما استرده الجيش السوري، ويصف العسكريون الإسرائيليون سيطرة الجيش السوري على قممه المرتفعة بأنها كانت توازي في قيمتها عبور الجيش المصري لقناة السويس، بل وتزيد عليها، خاصة وأنها تمت بعد الهجوم الإسرائيلي المعاكس وخروج مصر من جبهة القتال.

لقد كانت تلك المعركة هي التي قالت القول الفصل لمن اليد العليا في الجبهة، وكان الجواب لسوريا، اليوم، أصبح الوصول إلى جبل الشيخ حلماً إسرائيلياً تاريخياً دائماً، وتجري المفاوضات الإسرائيلية-السورية التفاوضية على جبل الشيخ، وليس على الجولان الذي تعتبره إسرائيل أمراً منتهياً.

معادلة الصراع الكبرى: إسرائيل الكبرى أم العثمانية الجديدة؟
إن الصراع على جبل الشيخ هو الذي يحدد ملامح المعادلة الاستراتيجية الجديدة في المنطقة، والتي تتمحور حول مشروعين متنافسين: “إسرائيل الكبرى” التي تسعى لتحقيق الرؤية الصهيونية “أرضك يا إسرائيل من الفرات إلى النيل”، و “العثمانية الجديدة” (تركيا) التي تتطلع لتحويل سوريا إلى منطقة نفوذ لها.
بالنسبة لإسرائيل، جبل الشيخ هو حارس المنطقة الممتدة من الفرات إلى النيل، وبدونه لا يمكن الرهان على التفوق الاستراتيجي الإسرائيلي.

ولذلك، تضع إسرائيل قدمها اليسرى في جبل الشيخ لحماية مصالحها الاستراتيجية العليا، وقدمها اليمنى في السويداء تحت عنوان “أهلي شعبي محلي” لضمان العمق، وترى إسرائيل أن التنازل عن جبل الشيخ غير ممكن إلا بقوة عسكرية، ولن تخرج منه بالتفاوض.
في المقابل، فإن طموح تركيا في “العثمانية الجديدة” يتوقف على سوريا، فما دامت إسرائيل تمسك بجبل الشيخ، فإن تركيا لا تستطيع أن تكون في دمشق، لأن دمشق “كف مفتوح أمام جبل الشيخ”، وإذا تحولت سوريا إلى منطقة نفوذ تركية، فسيفتح ذلك الأبواب أمام النفوذ التركي في ليبيا وأذربيجان والسودان، أما إذا فشلت تركيا في حسم الشمال السوري، فعليها أن تلتزم حدودها وتقبل بأن النفوذ الإسرائيلي هو الذي سيرسم خطوط الجغرافيا والدماء داخل الأراضي السورية.
إن جوهر الصراع والتجاذب الآن هو في التفاوض على جبل الشيخ. فإذا خسرت إسرائيل جبل الشيخ لسوريا، وخسرت سوريا بالتالي لتركيا، فهذا يعني أن إسرائيل لم تعد قوة إقليمية عظمى. ومن هنا، فإن كسر الحلقة السورية هو هدف استراتيجي لفرض تنازلات في لبنان وغزة، مهما بدت صعبة أو مستحيلة. إن قراءة خطوط السياسة على مستوى المنطقة تبدأ من جبل الشيخ، الذي يمثل نقطة الفصل بين مشروعين إقليميين عملاقين.

Comments are closed.