المنبر الاعلامي الحر

ميلاد الإمام الحسن عليه السلام: إشراقة “المجتبى” وترسيخ مداميك الهُوية الإيمانية في الأمة

يمني برس || تقرير_ خاص:

في مثل تاريخ هذا اليوم الـ 15 من شهر رمضان المبارك من العام الثالث للهجرة المصطفى صلى الله عليه وعليه آله وسلم شهدت المدينة المنورة حدثاً غير مجرى التاريخ الروحي والاجتماعي للأمة الإسلامية؛ حيث استقبل بيت النبوة والولاية المولود البكر للإمام علي بن أبي طالب والسيدة فاطمة الزهراء، صلوات الله عليهم.

لم يكن ميلاد الإمام الحسن المجتبى مجرد مناسبة عائلية عابرة، بل كان إعلاناً سماوياً عن بزوغ فجر “إمامة” ستكون هي الحصن الحصين للهوية الإيمانية في مواجهة التحديات العاصفة.

البداية النبوية: الاسم والدلالة:

حين وُلد الحسن عليه السلام، حمله جده الرسول الأعظم محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) بفيض من الحنان، وأسماه بـ “الحسن” بأمر إلهي، ليكون هذا الاسم مبتدأً لعهد جديد. يحلل المؤرخون هذا الاستقبال النبوي بأنه كان تأسيساً لمنهج “الاقتداء”؛ فقد قال فيه جده: “اللهم إني أحبه فأحبه وأحب من يحبه”. هذه الكلمات لم تكن عاطفة مجردة، بل كانت توجيهاً سياسياً وعقدياً للأمة بأن هذا الغصن هو امتداد للشجرة النبوية، ومنبع أصيل لتلقي قيم الإسلام المحمدي الأصيل.

الحسن بن علي: صياغة الشخصية الإيمانية:

ترعرع الإمام الحسن في كنف الوحي، فاستقى من جده الشجاعة والحكمة، ومن أبيه بلاغة الحق وصلابة الموقف، ومن أمه العبادة والزهد. وتجلى ترسيخ الهوية الإيمانية في شخصيته من خلال تحويل “الإيمان” من مجرد شعائر إلى سلوك مجتمعي. كان الحسن (عليه السلام) يمثل “النموذج” الذي يسير على الأرض؛ بزهده الذي لم يكن يعني الانعزال، بل السيادة على النفس، وبكرمه الذي لقبه بـ “كريم أهل البيت”، حيث قاسم الله ماله ثلاث مرات، وتصدق بكل ماله مرتين، في رسالة عملية مفادها أن الانتماء للإسلام يعني استشعار مسؤولية الإنسان تجاه أخيه الإنسان.

الدور التحليلي: حماية الهُوية في زمن الفتنة:

يرى المحللون السياسيون والتاريخيون أن الدور المحوري للإمام الحسن تجلى في قدرته الفائقة على قراءة الواقع المعقد. ففي مرحلة اتسمت بمحاولات طمس معالم الدين وتحريف وعي الأمة، اتخذ الإمام الحسن قرارات إستراتيجية صعبة (كصلح الإمام الحسن) لم تكن نابعة من ضعف، بل كانت “تكتيكاً إيمانياً” لحقن دماء المسلمين وصيانة النواة الصلبة للمؤمنين.

لقد أثبتت القراءات التحليلية أن تصرفات الإمام الحسن كانت تهدف إلى الحفاظ على “بقاء الإسلام” كمنظومة قيمية قبل أن يكون سلطة زمنية. وبذلك، رسخ الهوية الإيمانية من خلال تعليم الأمة أن القائد الحق هو من يضحي بموقعه وسلطته من أجل سلامة العقيدة ووحدة الأمة، محولاً “الهزيمة العسكرية المتوهمة” إلى “انتصار قيمي وأخلاقي” خالد.

الوعي والارتباط الوجداني:

إن الاحتفاء بميلاد الإمام الحسن اليوم ليس مجرد استذكار لواقعة قديمة، بل هو استنهاض للوعي. فالهوية الإيمانية التي كرسها المجتبى تقوم على “البصيرة”؛ وهي القدرة على التمييز بين الحق والباطل في لحظات الالتباس. كان الحسن مدرسة في الصبر الإستراتيجي، وفي الثبات على المبدأ مهما بلغت كلفة التشويه الإعلامي الذي مارسه خصومه آنذاك.

خاتمة: إرثٌ متجدد لجيل البصيرة:

ختاماً، يظل ميلاد الإمام الحسن بن علي (عليهما السلام) محطة سنوية لتجديد العهد مع القيم التي عاش من أجلها. إن ترسيخ الهوية الإيمانية في عصرنا الراهن يتطلب استلهام “الحلم الحسني” و”الحكمة المجتبائية” في إدارة الصراعات، والتمسك بالوعي الأصيل الذي لا يتزلزل. لقد ترك الإمام الحسن عليه السلام للأمة إرثاً لا يفنى، مفاده أن القوة الحقيقية تكمن في طهارة الروح، ووضوح الغاية، والارتباط المطلق بخالق الخلق، ليظل “المجتبى” مناراً يهتدي به السائرون نحو الحق والعدالة والكرامة الإنسانية.

Comments are closed.