خطاب ترامب … تمخض الجبل فولد فأرا
يمني برس | بقلم / عدنان الروسان
رُبّـما يكونُ الرئيسُ الأمريكيُّ “تـرامـب” قد قدَّمَ خدمةَ العُمرِ لإيرانَ بعمليتِهِ العسكريةِ التي يشنُّها عليها دونَ أن يدري؛ فإيرانُ قبلَ الحربِ كانت محاصرةً منذُ أربعينَ عاماً، ولا تشكلُ تهديداً لجيرانِها العربِ ولا للولاياتِ المتحدةِ الأمريكيةِ ولا حتى لإسرائيل..
كانتِ الأوضاعُ هادئةً، ولم يكن هناك ما يعكرُ صفوَ المشهدِ السياسيِّ والاجتماعيِّ في الشرقِ الأوسطِ، غيرَ أنَّ تصرفاتِ إسرائيلَ في افتعالِ المعاركِ والحروبِ، ورغبةَ الرئيسِ الأمريكيِّ الجديدِ “الطفوليةَ” في جذبِ الانتباهِ إليهِ بكلِّ الوسائلِ الممكنةِ وبطريقةٍ مستفزةٍ لكلِّ العالمِ هذه المرةِ -وليس لإيرانَ وحدها- جعلتِ الأرضيةَ مهيأةً تماماً لتكونَ مسرحاً لحربٍ كبيرةٍ.
منذُ اليومِ الأولِ لدخولِ “ترامب” إلى البيتِ الأبيضِ، بدأ يتصرفُ بصورةٍ شديدةِ الغرابةِ في الأعرافِ السياسيةِ والدبلوماسيةِ بينَ الدولِ؛ لقد اتخذَ مواقفَ عدائيةً واضحةً ضدَّ دولِ أوروبا ودولِ الناتو وجرينلاند وحلفائِهِ العربِ، وهدَّدَ أفغانستان وإيران وفنزويلا، ثمَّ قامَ بغزوِ فنزويلا واعتقالِ رئيسِها، وصولاً إلى شنِّ حربِهِ على إيران.
كانَ من المفترضِ -حسبَ تقديراتِ الرئيسِ الأمريكيِّ- أن تكونَ الحملةُ العسكريةُ على إيرانَ قصيرةً وينتهي الأمرُ خلالَ يومينِ أو ثلاثةٍ بسقوطِ النظامِ واستسلامِ طهران، ليدخلَ الجيشُ الأمريكيُّ ويستوليَ على النفطِ ويحاصرَ روسيا والصينَ في منطقةِ غربِ آسيا.
الحربُ مستمرةً منذُ خمسةِ أسابيعَ ولا يلوحُ في الأفقِ بوادرُ انتصارٍ للجيشِ الأمريكيِّ؛ إذ وجَّهت إيرانُ ضرباتٍ قويةً جداً للأصولِ العسكريةِ الأمريكيةِ في المنطقةِ ولمناطقَ واسعةٍ في الكيانِ المحتلِّ، والصواريخُ الإيرانيةُ لا تكادُ تتوقفُ ولو ليومٍ واحدٍ.
كما تمَّ إغلاقُ مضيقِ هرمز ودخلت أسواقُ النفطِ والمالِ والشحنِ والتأمينِ في فوضى عارمةٍ، وارتفعت أسعارُ المشتقاتِ النفطيةِ في أمريكا بصورةٍ مؤثرةٍ، وحصلَ تباينٌ واسعٌ في المواقفِ بينَ أوروبا وأمريكا بعدَ أن طلبَ “ترامب” بإلحاحٍ من الأوروبيينَ المساعدةَ، ورفضوا طلبَهُ رفضاً قاطعاً، بما في ذلكَ اليابان وكوريا.
بعدَ خطابِ “ترامب” الذي وجَّهَهُ للأمةِ فجرَ اليومِ، تبيَّنَ مدى السقوطِ الكبيرِ الذي وقعت فيهِ الولاياتُ المتحدةُ على يدِ رئيسِها وإدارتِهِ؛ لقد بقيَ العالمُ كلُّهُ بلا استثناءٍ مشدودَ الأعصابِ انتظاراً للخطابِ الذي كانَ من المتوقعِ أن يحملَ أخباراً جديدةً.. غيرَ أنَّ “الجبلَ تمخضَ فولدَ فأراً”.
ترامب كرَّرَ نفسَ تصريحاتِهِ: “سوفَ نضربُ إيرانَ ونعيدُها إلى العصرِ الحجريِّ الذي تنتمي إليهِ” -على حدِّ وصفِهِ- و”سوفَ نحققُ النصرَ خلالَ ثلاثةِ أو أربعةِ أسابيعَ”. إنَّهُ برنامجُ “التأجيلِ” الذي أصبحَ معروفاً، حتى إنَّ وكالةَ “رويترز” العالميةَ رصدت أكاذيبَ الرئيسِ ونشرتْها في تقريرٍ وصفتْهُ فيهِ بالكاذبِ والمتناقضِ.
طبعاً، لا يمكنُنا إلا الاعترافُ بأنَّ الجيشَ الأمريكيَّ قويٌّ جداً ومتفوقٌ بصورةٍ كبيرةٍ على الجيشِ الإيرانيِّ، لكن لا نحتاجُ إلى خبراءَ عسكريينَ استراتيجيينَ ليقولوا لنا إنَّ قوةَ الجيوشِ لا قيمةَ لها البتةَ أمامَ حركاتِ المقاومةِ الشعبيةِ التي تدافعُ عن أوطانِها وقضاياها.
والمفترضُ أن يعرفَ الرئيسُ الأمريكيُّ ذلكَ جيداً؛ فجيشُهُ خسرَ في كوريا وفيتنام ولبنان وأفغانستان، ولم يحقق انتصاراً واحداً في حياتِهِ سوى بضربِ اليابانيينَ المسالمينَ المدنيينَ في مدينتي “هيروشيما” و”ناجازاكي” بالقنابلِ الذريةِ.
هل فكَّرَ “ترامب” مثلاً كيفَ سيكونُ حالُ الجيشِ الأمريكيِّ لو دخلَ إلى إيرانَ بغزوٍ بريٍّ وتحوَّلَ الجيشُ الإيرانيُّ والحرسُ الثوريُّ إلى حربِ العصاباتِ؟ هل فكَّرَ كيفَ سيكونُ شكلُ أمريكا لو أُسِرَ من جنودِها العشراتُ؟ هل نسيَ “إذلالَ” إسرائيلَ بأسراها في غزة؟
الأيامُ القادمةُ يمكنُ الجزمُ بأنَّها ستكونُ أياماً عصيبةً وشديدةَ الوطأةِ على إيرانَ، لكنَّها بالمقابلِ تحملُ في طياتِها مفاجآتٍ كبرى للأمريكيينَ. ويبقى حالُ الدولِ العربيةِ الخليجيةِ خاصةً، والتي تحلَّت بالحكمةِ وتفهَّمت قصفَ إيرانَ لأراضيها رداً على الهجماتِ الأمريكيةِ المنطلقةِ من القواعدِ في المنطقةِ، حيثُ وقفت موقفاً على قدرٍ كبيرٍ من الأهميةِ بعدمِ الانجرارِ إلى المواجهةِ المباشرةِ معَ الجارِ الإيرانيِّ.
الحشدُ الأمريكيُّ الكبيرُ في المنطقةِ ليسَ للنزهةِ، وإنَّما لهجومٍ كبيرٍ، وأظنُّ -بل أجزمُ- أنَّ أمريكا على أبوابِ هزيمةٍ مدويةٍ في المنطقةِ وانكفاءٍ نحو الداخلِ.
سوفَ يبررُ “ترامب” أيَّ نتيجةٍ تحصلُ بأنَّها “انتصارٌ”، وسيُحمِّلُ أيَّ عواقبَ سيئةٍ لحلفائِهِ الأوروبيينَ والعربِ، وسوفَ يطالبُ بجائزةِ “نوبل” من جديدٍ.. وللهِ في خلقِهِ شؤون..
كاتب أردني
Comments are closed.