من عدن إلى سيئون.. جحيم الحر يشعل فتيل الاحتجاجات والسلطات ترد بالقوة

ضمن مشاهد باتت تتكرر كل ليلة، تكتظ الأرصفة والحدائق العامة وسواحل البحر بعائلات بأكملها هرباً من حرارة المنازل الخانقة، إذ يفترش الأطفال والنساء والمسنون الأرض بغية الحصول على نسمة هواء تخفف عنهم معاناة ساعات طويلة من الظلام وانعدام وسائل التبريد
بالمقابل تداول ناشطون صوراً مؤثرة لعائلات لجأت إلى المراكز التجارية المكيفة ليس بدافع التسوق أو الترفيه، وإنما بحثاً عن ملاذ مؤقت من الحر الشديد، في مشهد يلخص حجم التدهور الذي وصلت إليه الأوضاع المعيشية والخدمية في المدينة

تعدت أزمة الكهرباء حدودها لتنعكس بصورة خطيرة على مختلف مناحي الحياة، إذ تواجه المستشفيات والمرافق الصحية في عدن ومناطق جنوب وشرق اليمن صعوبات متزايدة في تشغيل الأجهزة الطبية وأقسام العناية المركزة ومراكز الغسيل الكلوي، وسط مخاوف من تفاقم الوضع الصحي للمرضى
كذلك امتدت تداعيات الأزمة إلى قطاع المياه جراء توقف العديد من المضخات المرتبطة بالطاقة الكهربائية، مما ضاعف من معاناة السكان الذين أضحوا يواجهون أزمات متراكمة في الكهرباء والمياه والخدمات الأساسية الأخرى

إزاء هذا الواقع المأساوي، تتزايد حالة السخط الشعبي في الشارع جراء استمرار التدهور الخدمي والاقتصادي، في وقت تتبادل فيه مكونات الحكومة الموالية للسعودية الاتهامات بالفساد وسوء الإدارة، بينما يبقى المواطن الطرف الأكثر تضرراً من الأزمات المتلاحقة
وبحسب مراقبين، فإن استمرار الانقطاعات الطويلة للكهرباء وتراجع الخدمات الأساسية، علاوة على الانهيار الاقتصادي وتراجع قيمة العملة المحلية، يعمق حالة الاحتقان الشعبي ويزيد من مستوى الغضب تجاه الجهات المسؤولة عن إدارة الملف الخدمي
أما بخصوص مستجدات امس الثلاثاء، فقد قتل وأُصيب 3 محتجين برصاص القوات الموالية للسعودية أثناء تظاهرات شعبية غاضبة تطالب بتحسين خدمة الكهرباء، وتندد بتدهور الخدمات الأساسية في مدينتي عدن وسيئون، خلال الساعات الماضية

حيث أكدت مصادر حقوقية ومحلية متطابقة أن تلك القوات أقدمت على فض التظاهرات الاحتجاجية في عدن وسيئون، مما أدى إلى سقوط قتيلين وإصابة ثالث بجروح حرجة، ناهيك عن تنفيذ حملة اعتقالات واسعة طالت المشاركين في الاحتجاجات
وطبقاً لما أفادت به المصادر، فإن الشاب “نسيم عبدالله علي جاحور” توفي متأثرا بإصابة بالغة في الرأس أمس في مدينة عدن، إبان مشاركته في التظاهرة المطالبة بالكهرباء في جولة دار سعد
وعلى صعيد متصل، لقي الشاب “مناف صالح باسبعين الصيعري” مصرعه، فيما أصيب شقيقه “حامد” بجروح بالغة مساء أمس الاثنين، في مدينة سيئون جراء نيران قوات “الطوارئ” التابعة للسعودية، ونقلت مصادر محلية أن الشقيقين تعرضا لإطلاق نار مباشر إثر تفريق التظاهرات وسط سيئون، لافتة إلى أن المصاب “حامد” جرى نقله عقب الحادثة إلى العناية المركزة بأحد المستشفيات نظراً لحالته الحرجة
بالتوازي مع ذلك شنت قوات “الطوارئ” في سيئون حملة مداهمات واختطافات واسعة داخل الأحياء السكنية وأزقة المدينة طالت العشرات من المحتجين المنددين بانهيار منظومة الكهرباء، مستخدمة المدرعات والأطقم العسكرية، وهي الإجراءات التي قوبلت باستنكار شعبي
بالموازاة مع الأزمة الحالية، تتداول أوساط سياسية واقتصادية معلومات بشأن توجهات لإعادة هيكلة قطاع الكهرباء وتقليص الدعم الحكومي عنه بموجب إصلاحات اقتصادية مقترحة، وتعد هذه الخطوات مثيرة لمخاوف واسعة لدى المواطنين من ارتفاع الأعباء المعيشية بالنظر إلى الأوضاع الاقتصادية المتدهورة أصلاً
وقد كشفت مصادر مطلعة في عدن حسب وكالة الصحافة اليمنية ، مطلع يونيو الجاري، أن “حكومة” شائع الزنداني، تعتزم خلال الأيام القليلة القادمة تنفيذ كارثة اقتصادية جديدة بحق الشعب في مناطق جنوب وشرق اليمن، مبيّنة أن الحكومة وافقت بناءً على تفاهماتها مع صندوق النقد الدولي على تنفيذ إجراءات لبيع قطاع الكهرباء للقطاع الخاص، من خلال التخلي التدريجي عن دعم خدمات الكهرباء وصولا إلى إلغاء الدعم الحكومي بشكل كامل
كما أوضحت المصادر أن الحكومة الموالية للسعودية قد تتحصل على قرض بقيمة مليار دولار من صندوق النقد الدولي شريطة تنفيذ هذا الاتفاق
من جانبهم يؤكد خبراء اقتصاديون أن أي إصلاحات أو تغييرات في قطاع الكهرباء يتعين أن تسبقها معالجة حقيقية للاختلالات القائمة وتعزيز الشفافية ومكافحة الفساد وتطوير كفاءة الإنتاج والتوزيع، تفادياً لتحميل المواطنين أعباء إضافية
مع اتساع رقعة المعاناة وتزايد الشعور بالإحباط بين المواطنين، تتوجه الأنظار إلى ردود الفعل الشعبية المحتملة خلال الفترة المقبلة، إذ إن حالة الاحتقان المتصاعدة في الشارع، والمطالب المتزايدة بتحسين الخدمات ومحاسبة المسؤولين عن التدهور القائم، تترجم حجم الأزمة التي تعيشها المحافظات الجنوبية والشرقية
وما بين حرارة الصيف اللاهبة وظلام المنازل وانهيار الخدمات الأساسية، يظل المواطن في عدن ومناطق جنوب وشرق اليمن عالقاً وسط أزمات متلاحقة، بانتظار حلول حقيقية تنهي سنوات المعاناة، في حين تبقى الأسئلة مفتوحة حول قدرة السلطات الموغلة في الفساد والعبث بمقدرات والسيادة الوطنية على احتواء الغضب الشعبي المتنامي خشية أن يتحول إلى طوفان غضب يُنذر بثورة شعبية غير مسبوقة
وعقب تصاعد الاحتقان الشعبي وارتفاع أصوات المطالبين بالمحاسبة والتغيير، يبرز سؤال بات يتردد بقوة في الشارع العدني: هل أصبح الغضب المتراكم قادراً على إسقاط آخر أوراق الفشل والفساد، أم أن معاناة المواطنين ستظل رهينة الوعود والحلول المؤجلة؟
ختاماً، بين جحيم الحر وانقطاع الكهرباء وانسداد الأفق المعيشي، تبدو عدن اليوم أمام لحظة فارقة، إذ يلتقي الوجع الإنساني بالغضب الشعبي في مشهد ينذر بتحولات قد تتجاوز حدود الأزمة الخدمية إلى ما هو أبعد من ذلك، (طوفان غضب وثورة شعبية غير مسبوقة)
Comments are closed.